الحديث رقم 368
نص الحلقة
في كتاب الفضائل والمناقب أخرج الشيخان رحمهما الله عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إذا أحب الله العبد نادى جبريل: إن الله يحب فلانًا فأحبه، فيحبه جبريل، فينادي جبريل في أهل السماء: إن الله يحب فلانًا فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض. هذه رواية البخاري. ولمسلم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله إذا أحب عبدًا دعا جبريل، فقال: إني أحب فلانًا فأحبه، فيحبه جبريل، ثم ينادي في السماء، فيقول: إن الله يحب فلانًا فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض. وإذا أبغض عبدًا دعا جبريل عليه السلام، فيقول: إني أبغض فلانًا فأبغضه، فيبغضه جبريل، ثم ينادي في أهل السماء: إن الله يبغض فلانًا فأبغضوه، ثم توضع له البغضاء في الأرض. وفي رواية له عن سهيل بن أبي صالح قال: كنا بعرفة، فمر عمر بن عبد العزيز وهو على الموسم، فقام الناس ينظرون إليه، فقلت لأبي: يا أبتِ إني أرى الله يحب عمر بن عبد العزيز. قال: وما ذاك؟ قلت: لما له من الحب في قلوب الناس. قال: بأبيك أنت، سمعت أبا هريرة يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم ذكر الحديث. قوله: وهو على الموسم، أي هو أمير الحجيج. وأخرج البخاري عن أبي هريرة. قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله قال: من عادى لي وليًّا فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إليَّ عبدي بشيء أحب إليَّ مما افترضت عليه، وما يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه، وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن، يكره الموت وأنا أكره مساءته. قوله: فإذا أحببته كنت سمعه إلى آخره، معناه أن العبد إذا أدى ما فرض الله عليه، ثم لم يزل يتقرب إلى الله بالنوافل غاية وسعه، أحبه الله تعالى، فإذا أحبه كان عونًا له في كل ما يأتي ويذر، وكان مسددًا من الله في سمعه وبصره وبطشه ومشيه، وكانت أعماله كلها بهداية من الله، وقوة منه سبحانه. وهذا نظير قوله عز وجل: يا ابن آدم مرضت فلم تعدني، قال: يا رب كيف أعودك وأنت رب العالمين؟ قال: أما علمت أن عبدي فلانًا مرض فلم تعده؟ أما علمت أنك لو عدته لوجدتني عنده؟ وقد تقدم في باب عيادة المريض. وأخرج مسلم عن عامر بن سعد قال: كان سعد بن أبي وقاص في إبله، فجاءه ابنه عمر، فلما رآه سعد قال: أعوذ بالله من شر هذا الراكب، فجاء فنزل، فقال له: أنزلت في إبلك وغنمك وتركت الناس يتنازعون الملك بينهم. فضرب سعد في صدره، وقال: اسكت، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن الله يحب العبد التقي الغني الخفي. قال النووي: في هذا الحديث حجة لمن يقول: اعتزال الناس أفضل من مخالطتهم، وفي المسألة خلاف، ومن فضل المخالطة قد يتأول هذا على الاعتزال وقت الفتنة ونحوها. وأخرج البخاري عن سهل بن سعد قال: مر رجل على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: ما تقولون في هذا؟ قالوا: حري إن خطب أن يُنكح، وإن شفع أن يُشفع، وإن قال أن يُستمع. ثم سكت، فمر رجل من فقراء المسلمين، فقال: ما تقولون في هذا؟ قالوا: حري إن خطب أن لا يُنكح، وإن شفع أن لا يُشفع، وإن قال أن لا يُستمع. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هذا خير من ملء الأرض مثل هذا. بوّب عليه البخاري رحمه الله بقوله: باب فضل الفقر. وأخرج مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: رب أشعث مدفوع بالأبواب لو أقسم على الله لأبره. بوّب مسلم على الحديث بقوله: باب فضل الضعفاء والخاملين، والأشعث من شعره ثائر غير مدهون ولا مرجل، وقوله مدفوع بالأبواب أي يدفعه الناس عن أبوابهم ويطردونه احتقارًا له، وقوله لو أقسم على الله لأبره أي لو حلف على وقوع شيء أوقعه الله إكرامًا له، وهذا لعظم منزلته عند الله تعالى وإن كان حقيرًا عند الناس. وأخرج البخاري عن مصعب بن سعد بن أبي وقاص قال: رأى سعد رضي الله عنه أن له فضلًا على من دونه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم؟. ورواه النسائي عنه بسند صحيح، ولفظه أنه ظن أن له فضلًا على من دونه من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إنما ينصر الله هذه الأمة بضعيفها، بدعوتهم وصلاتهم وإخلاصهم. وأخرج أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن حبان والحاكم والبيهقي في السنن رحمهم الله بسند صحيح عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ابغوني ضعفاءكم، فإنما ترزقون وتنصرون بضعفائكم. يقال: ابغني كذا بهمزة الوصل أي اطلبه لي، وبهمزة القطع أي أعنني على طلبه. وجاءت الرواية بهما. وفي هذه الأحاديث فضل الفقراء والمستضعفين، وسيأتي في باب ذكر الجنة قول الجنة: ما لي لا يدخلني إلا ضعفاء الناس وسقطهم، وأن عامة أهلها المساكين، وأن الفقراء يدخلونها قبل الأغنياء بخمس مئة عام. باب فضائل أمة محمد صلى الله عليه وسلم. أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نحن الآخرون الأولون يوم القيامة، ونحن أول من يدخل الجنة، بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا وأوتيناه من بعدهم. فاختلفوا فهدانا الله لما اختلفوا فيه من الحق، فهذا يومهم الذي اختلفوا فيه هدانا الله له. قال: يوم الجمعة، فاليوم لنا، وغدًا لليهود، وبعد غدٍ للنصارى. وفي رواية: نحن الآخرون السابقون، بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا، ثم هذا يومهم الذي فرض الله عليهم فاختلفوا فيه، فهدانا الله له. ولمسلم قال: أضل الله عز وجل عن الجمعة من كان قبلنا، فكان لليهود يوم السبت، وكان للنصارى يوم الأحد، فجاء الله بنا فهدانا الله ليوم الجمعة، فجعل الجمعة والسبت والأحد. وكذلك هم تبع لنا يوم القيامة، نحن الآخرون من أهل الدنيا، والأولون يوم القيامة، المقضي لهم قبل الخلائق. ولمسلم عن حذيفة مثل الرواية الأخيرة. قال ابن حجر: قوله فُرض عليهم أي فُرض تعظيمه. قال ابن بطال: ليس المراد أن يوم الجمعة فُرض عليهم بعينه فتركوه، لأنه لا يجوز لأحد أن يترك ما فرض الله عليه وهو مؤمن، وإنما يدل، والله أعلم، أنه فُرض عليهم يوم من الجمعة وُكِل إلى اختيارهم ليقيموا فيه شريعتهم، فاختلفوا أي الأيام هو، ولم يهتدوا ليوم الجمعة، ومال عياض إلى هذا. وقال النووي: يمكن أن يكون أُمروا به صريحًا فاختلفوا هل يلزم تعيينه أم يسوغ إبداله بيوم آخر، فاجتهدوا في ذلك فأخطأوا. انتهى. ويشهد له ما رواه الطبراني بإسناد صحيح عن مجاهد. في قوله تعالى: إنما جعل السبت على الذين اختلفوا فيه، قال: أرادوا الجمعة فأخطأوا، وأخذوا السبت مكانه، والله أعلم.