الحديث رقم 366
نص الحلقة
في كتاب الفضائل والمناقب، أخرج مسلم عن أنس رضي الله عنه قال: لما انقضت عدة زينب، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لزيد: اذهب فاذكرها علي. فانطلق زيد حتى أتاها وهي تخمر عجينها. قال: فلما رأيتها عظمت في صدري حتى ما استطعت أن أنظر إليها، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكرها. فوليتها ظهري ونكصت على عقبي، فقلت: يا زينب، أرسلني رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكرك. قالت: ما أنا بصانعة شيئا حتى آمر ربي. فقامت إلى مسجدها، ونزل القرآن، وجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخل عليها بغير إذن. قال أنس: فلقد رأيتنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أطعمنا الخبز واللحم حين امتد النهار، فخرج الناس، وبقي رجال يتحدثون في البيت بعد الطعام، وفي رواية: وتخلف رجلان استأنس بهما الحديث لم يخرجا. فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم واتبعته، فجعل يتتبع حجر نسائه ويسلم عليهن، ويقلن: يا رسول الله، كيف وجدت أهلك؟ قال: فما أدري أنا أخبرته أن القوم قد خرجوا أو غيري. قال: فانطلق حتى دخل البيت، فذهبت أدخل معه، فألقى الستر بيني وبينه، ونزل الحجاب. وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ. وَوُعِظَ الْقَوْمُ بِمَا وُعِظُوا بِهِ لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَىٰ طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ. قوله: فاذكرها علي، أي فاخطبها لي من نفسها. وقوله: نزل القرآن. وجاء رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فدخل عليها بغير إذن، يعني نزل قولُ الله تعالى: فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا، فدخل عليها بغير إذن؛ لأن الله تعالى زوجه إياها بهذه الآية. وأخرج البخاري عن أنس قال: جاء زيد بن حارثة يشكو، فجعل رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يقول: اتقِ اللهَ وأمسك عليك زوجك. قال أنس: لو كان رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم كاتمًا شيئًا من الوحي لكتم هذه الآية. قال: وكانت زينب تفخر على أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم تقول: زوجكن أهاليكن، وزوجني الله من فوق سبع سماوات. وفي رواية قال أنس: وتخفي في نفسك ما الله مبديه نزلت في شأن زينب بنت جحش وزيد بن حارثة. وأخرج الشيخان عن عائشة رضي الله عنها أن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم قلن: يا رسول الله، أينا أسرع بك لحوقًا؟ قال: أطولكن يدًا. فأخذوا قصبة يذرعنها، فكانت سودة أطولهن يدًا، فعلمنا بعد أنما كان طول يدها الصدقة، وكانت أسرعنا لحوقًا به، وكانت تحب الصدقة. هذه رواية البخاري، ولمسلم قال: أسرعكن لحوقًا بي أطولكن يدًا. قالت: فكنا يتطاولن أيتهن أطول يدًا، فكانت أطولنا يدًا زينب؛ لأنها كانت تعمل بيدها وتتصدق. قال النووي: معنى الحديث أنهن ظنن أن المراد باليد اليد الحقيقية، وهي الجارحة. فكانت سودة أطولهن جارحة، وكانت زينب أطولهن يدًا في الصدقة وفعل الخير، فماتت زينب أولهن، فعلموا أن المراد طول اليد في الصدقة والجود. قال أهل اللغة: يقال فلان طويل اليد وطويل الباع إذا كان سمحًا جوادًا، وضده قصير اليد والباع. ووقع هذا الحديث في كتاب الزكاة من البخاري بلفظ متعقد يوهم أن أسرعهن لحاقًا سودة، وهذا الوهم باطل بالإجماع. انتهى كلام النووي رحمه الله. ووجَّه الحافظ ابن حجر ذلك توجيهًا حسنًا، وقال القاري: وهذا وهم باطل بالإجماع، وإن كانت سودة أطولهن جارحة. والصواب ما ذكره مسلم في صحيحه، وهو المعروف عند أهل الحديث أنها زينب. قال: وفيه إشارة إلى أن طول الحياة كان في حياته صلى الله عليه وسلم أفضل، وأما بعد موته فالموت أكمل. لهذا قال بلال: غدًا نلقى الأحبة محمدًا وحزبه. وأخرج البخاري عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما قالت: صنعت سفرة رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيت أبي بكر حين أراد أن يهاجر إلى المدينة، فلم نجد لسفرته ولا لسقائه ما نربطهما به، فقلت لأبي بكر: والله ما أجد شيئًا أربط به إلا نطاقي. قال: فشقيه باثنين فاربطيه، بواحد السقاء وبالآخر السفرة. ففعلت، فلذلك سميت ذات النطاقين رضي الله عنها. وفي رواية عن وهب بن كيسان قال: كان أهل الشام يعيرون ابن الزبير، يقولون: يا ابن ذات النطاقين. فقالت له أسماء: يا بني، إنهم يعيرونك بالنطاقين، وهل تدري ما ذاك؟ إنما كان نطاقي، شققته نصفين، فأوكيت قربة رسول الله صلى الله عليه وسلم بأحدهما، وجعلت فيه سفرته آخر. فكان ابن الزبير إذا عيَّره أهل الشام يقول: إيهاً والله، تلك شكاة ظاهر عنك عارها. السفرة جلد مستدير يُحمل فيه طعام المسافر، ويفرش تحت الطعام عند الأكل، ثم نُقل الاسم لكل ما يُفرش تحت الطعام. والنطاق ما تشد به المرأة وسطها ليرفع ثوبها عن الأرض عند الأشغال. والسقاء إناء للماء من الجلود كالقربة. وقوله: إيهاً زجر ونهي، وإيه بمعنى الاستعاء، وإيه بمعنى الاستزادة، فكأنه يزجرهم أو يستزيدهم بأن ذلك شرف وفخر. وقوله: تلك شكاة، الشكاة تأتي بمعنى الذم والعيب، وهو المراد هنا. وقوله: ظاهر عنك عارها أي بعيد عنك مجاوز لك. وأخرج الشيخان عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب أم هانئ بنت أبي طالب، فقالت: يا رسول الله، إني قد كبرت ولي عيال. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: نساء قريش خير نساء ركبن الإبل. وفي رواية: خير نساء ركبن الإبل صالح نساء قريش، أحناه على ولد في صغره. وأرعاه على زوج في ذات يده، ويقول أبو هريرة على إثر ذلك: ولم تركب مريم بنت عمران بعيرًا قط، ولو علمت أنها ركبت بعيرًا ما فضلت عليها أحدًا. قوله أحناه أي أعطفه وأشفقه، وقوله أرعاه أي أكثره مراعاةً ورفقًا. وأخرج الشيخان عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان لا يدخل في المدينة بيت امرأة غير بيت أم سليم إلا على أزواجه. فقيل له، فقال: إني أرحمها، قُتل معي أخوها. وللبخاري قال: إن أم سليم كانت تبسط للنبي صلى الله عليه وسلم نطعًا، فيقيل عندها على ذلك النطع، فإذا نام النبي صلى الله عليه وسلم أخذت من عرقه وشعره فجمعته في قارورة، ثم جعلته في سُكّ، فلما حضرت أنس بن مالك الوفاة أوصى أن يجعل في حنوطه من ذلك السُكّ، فجعل في حنوطه. ولمسلم قال: دخل علينا النبي صلى الله عليه وسلم فقال: عندنا. فعرق، وجاءت أمي بقارورة، فجعلت تسلت العرق فيها، فاستيقظ النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا أم سليم، ما هذا الذي تصنعين؟ قالت: هذا عرقك نجعله في طيبنا، وهو أطيب الطيب. وفي أخرى له قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يدخل بيت أم سليم فينام على فراشها وليست فيه، فجاء ذات يوم فنام على فراشها فأتيت، فقيل لها: هذا النبي صلى الله عليه وسلم نائم في بيتك على فراشك. فَجَاءَتْ وَقَدْ عَرِقَ، وَاسْتَنْقَعَ عَرَقُهُ عَلَى قِطْعَةِ أَدِيمٍ عَلَى الْفِرَاشِ، فَفَتَحَتْ عَتِيدَتَهَا، فَجَعَلَتْ تُنَشِّفُ ذَلِكَ الْعَرَقَ فَتَعْصِرُهُ فِي قَوَارِيرِهَا، فَفَزِعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: مَا تَصْنَعِينَ يَا أُمَّ سُلَيْمٍ؟ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، نَرْجُو بَرَكَتَهُ لِصِبْيَانِنَا. قَالَ: أَصَبْتِ. وَفِي أُخْرَى أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَأْتِيهَا فَيَقِيلُ عِنْدَهَا، فَتَبْسُطُ لَهُ نَطْعًا فَيَقِيلُ عَلَيْهِ، وَكَانَ كَثِيرَ الْعَرَقِ، فَكَانَ تَجْمَعُ عَرَقَهُ فَتَجْعَلُهُ فِي الطِّيبِ وَالْقَوَارِيرِ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَا أُمَّ سُلَيْمٍ، مَا هَذَا؟ قَالَتْ: عَرَقُكَ أَدُوفُ بِهِ طِيبِي. قَالَ النَّوَوِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: قَدْ سَبَقَ أَنَّهَا كَانَتْ مَحْرَمًا لَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَفِيهِ الدُّخُولُ عَلَى الْمَحَارِمِ، وَالنَّوْمُ عِنْدَهُنَّ وَفِي بُيُوتِهِنَّ، وَجَوَازُ النَّوْمِ عَلَى الْأَنْطَاعِ وَالْجُلُودِ، وَقَوْلُهُ: قُتِلَ أَخُوهَا مَعِي هُوَ حَرَامُ بْنُ مِلْحَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قُتِلَ فِي بِئْرِ مَعُونَةَ. وَالنِّطْعُ بِكَسْرِ النُّونِ وَفَتْحِهَا وَسُكُونِ الطَّاءِ وَفَتْحِهَا أَرْبَعُ لُغَاتٍ، هُوَ بِسَاطٌ مِنْ جِلْدٍ. وَقَوْلُهُ: فَإِذَا نَامَ النَّبِيُّ هَكَذَا فِي الْمَطْبُوعِ مِنَ الْبُخَارِيِّ، نَامَ بِالنُّونِ، وَعِنْدَ الْحُمَيْدِيِّ وَابْنِ الْأَثِيرِ: فَإِذَا قَامَ بِالْقَافِ الْمُثَنَّاةِ. وَالسُّكُّ طِيبٌ مَعْرُوفٌ يُضَافُ إِلَى غَيْرِهِ مِنَ الطِّيبِ. وَالْعَتِيدَةُ فِي قَوْلِهِ عَتِيدَتِهَا هِيَ كَالصُّنْدُوقِ الصَّغِيرِ تَجْعَلُ الْمَرْأَةُ فِيهِ مَا يَعِزُّ مِنْ مَتَاعِهَا. وَقَوْلُهَا: أَدُوفُ بِالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ وَبِالْمُعْجَمَةِ، وَالْأَكْثَرُونَ عَلَى الْمُهْمَلَةِ، وَكَذَا نَقَلَهُ الْقَاضِي عَنِ الرِّوَايَةِ الْأَكْثَرِينَ، وَمَعْنَاهُ أَخْلِطُ.