الحديث رقم 373
نص الحلقة
في باب فضل الأمكنة، أخرج مسلم رحمه الله عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إني أحرم ما بين لابتي المدينة أن يقطع عضاهها أو يقتل صيدها. وقال: المدينة خير لهم لو كانوا يعلمون، لا يدعها أحد رغبة عنها إلا أبدل الله فيها من هو خير منه، ولا يثبت أحد على لأوائها وجهدها إلا كنت له شفيعًا أو شهيدًا يوم القيامة. زاد في رواية: ولا يريد أحد أهل المدينة بسوء إلا أذابه الله في النار ذوب الرصاص أو ذوب الملح في الماء. وفي أخرى: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لا يكيد لأهل المدينة أحد إلا انماع كما ينماع الملح في الماء. وفي أخرى أن سعدًا ركب إلى قصره بالعقيق، فوجد عبدًا يقطع شجرًا أو يخبطه، فسلبه، فلما رجع سعد جاءه أهل العبد فكلموه أن يرد على غلامهم أو عليهم ما أخذ من غلامهم، فقال: معاذ الله أن أرد شيئًا نفلنيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبى أن يرده عليهم. ولمسلم عن جابر: إن إبراهيم حرم مكة، وإني حرمت المدينة، ما بين لابتيها لا يقطع عضاهها ولا يصاد صيدها. العضاه: كل شجر يعظم وله شوك، كالطلح والسدر. وقوله سلبه، أي أخذ ثيابه وما معه إلا ما يستر عورته. وقوله نفلنيه، أي أعطانيه نفلًا زيادة عن نصيبي من الغنيمة. قال ابن قدامة: يحرم صيد المدينة وقطع شجرها، وبه قال أكثر أهل العلم. وقال أبو حنيفة: لا يحرم. ثم من فعل شيئًا مما حرم عليه في حرم المدينة أثم، ولا جزاء عليه عند أكثر أهل العلم. وقال جماعة من أهل العلم: فيه الجزاء كما في حرم مكة. وقيل: الجزاء في حرم المدينة أخذ السلب، لحديث سعد هذا، والله أعلم. وقال المهلب: المنهي عنه هو القطع الذي يحصل به الإفساد، فأما من يقصد الإصلاح فلا. وقيل: النهي عما أنبته الله من الشجر مما لا صنع للآدمي فيه، كما في شجر مكة. ويجوز أخذ العلف لحديث أبي سعيد الآتي، ولا يخبط فيها شجرات إلا لعلف. وأخرج الشيخان عن عبد الله بن زيد المازني رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن إبراهيم حرم مكة ودعا لها، وفي رواية: ودعا لأهلها، وإني حرمت المدينة كما حرم إبراهيم مكة، وإني دعوت في صاعها ومدها بمثلي ما دعا به إبراهيم لأهل مكة. وأخرج الشيخان عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: اللهم اجعل بالمدينة ضعفي ما جعلت بمكة من البركة، اللهم بارك لهم في مكيالهم، وبارك لهم في صاعهم، وبارك لهم في مدهم. وفي رواية قال: أقبلنا مع النبي صلى الله عليه وسلم حتى إذا أشرفنا على المدينة قال: هذا أحد جبل يحبنا ونحبه. وفي أخرى: إن أحدًا جبل يحبنا ونحبه. ولمسلم عن عاصم بن سليمان الأحول قال: قلت لأنس: أحرم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة؟ قال: نعم، ما بين كذا إلى كذا. قال لي: هذه شديدة، من أحدث فيها حدثًا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه يوم القيامة صرفًا ولا عدلًا. وفي أخرى له قال: سألت أنسًا: أحرم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة؟ قال: نعم، هي حرام، لا يختلى خلاها، فمن فعل ذلك فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين. وأخرج مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كان الناس إذا رأوا أول الثمر جاءوا به إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا أخذه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: اللهم بارك لنا في ثمرنا، وبارك لنا في مدينتنا، وبارك لنا في صاعنا، وبارك لنا في مدنا، اللهم إن إبراهيم عبدك وخليلك ونبيك، وإني عبدك ونبيك، وإنه دعاك لمكة، وإني أدعوك للمدينة بمثل ما دعاك لمكة ومثله معه. قال: ثم يدعو أصغر وليد له فيعطيه ذلك الثمر. وفي رواية: كان صلى الله عليه وسلم يؤتى بأول الثمر، فيقول: اللهم بارك لنا في مدينتنا، وفي ثمارنا، وفي مدنا، وفي صاعنا، بركة مع بركة، ثم يعطيه أصغر من يحضر من الولدان. وأخرج مسلم عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا قدم من سفر. فَنَظَرَ إِلَى جُدُرَاتِ الْمَدِينَةِ أَوْضَعَ رَاحِلَتَهُ، وَإِنْ كَانَ عَلَى دَابَّةٍ حَرَّكَهَا مِنْ حُبِّهَا، أَيْ حُبِّ الْمَدِينَةِ. قَوْلُهُ جُدُرَاتٌ هُوَ جَمْعُ جُدُرٍ، وَالْجُدُرُ جَمْعُ جِدَارٍ، وَالْإِيضَاعُ سُرْعَةٌ مَعَ هَرْوَلَةٍ، وَقَالُوا وَضَعَتِ الرَّاحِلَةَ وَأَوْضَعَهَا رَاكِبُهَا أَيْ أَسْرَعَ بِهَا. وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ مَوْلَى الْمَهْرِيِّ أَنَّهُ أَصَابَهُمْ بِالْمَدِينَةِ جَهْدٌ وَشِدَّةٌ، وَأَنَّهُ أَتَى أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ، فَقَالَ لَهُ: إِنِّي كَثِيرُ الْعِيَالِ، وَقَدْ أَصَابَتْنَا شِدَّةٌ، فَأَرَدْتُ أَنْ أَنْقُلَ عِيَالِي إِلَى بَعْضِ الرِّيفِ. فَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ: لَا تَفْعَلْ، الْزَمِ الْمَدِينَةَ، فَإِنَّا خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَظُنُّ أَنَّهُ قَالَ حَتَّى قَدِمْنَا عُسْفَانَ، فَأَقَمْنَا بِهَا لَيَالِيَ، فَقَالَ النَّاسُ: وَاللهِ مَا نَحْنُ هَاهُنَا فِي شَيْءٍ، وَإِنَّ عِيَالَنَا لَخُلُوفٌ، مَا نَأْمَنُ عَلَيْهِمْ. فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: مَا هَذَا الَّذِي بَلَغَنِي مِنْ حَدِيثِكُمْ؟ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ هَمَمْتُ، أَوْ إِنْ شِئْتُمْ - لَا أَدْرِي أَيَّتُهُمَا قَالَ - لَآمُرَنَّ بِنَاقَتِي فَتُرْحَلَ، ثُمَّ لَا أَحُلُّ لَهَا عُقْدَةً حَتَّى أَقْدَمَ الْمَدِينَةَ. وَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ فَجَعَلَهَا حَرَامًا، وَإِنِّي حَرَّمْتُ الْمَدِينَةَ حَرَامًا مَا بَيْنَ مَأْزِمَيْهَا، أَلَّا يُهْرَاقَ فِيهَا دَمٌ، وَلَا يُحْمَلَ فِيهَا سِلَاحٌ لِقِتَالٍ، وَلَا تُخْبَطَ فِيهَا شَجَرَةٌ إِلَّا لِعَلَفٍ. اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي صَاعِنَا، اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي مُدِّنَا، اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي مَدِينَتِنَا، اللَّهُمَّ اجْعَلْ مَعَ الْبَرَكَةِ بَرَكَتَيْنِ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا مِنَ الْمَدِينَةِ شِعْبٌ وَلَا نَقْبٌ إِلَّا عَلَيْهِ مَلَكَانِ يَحْرُسَانِهَا حَتَّى تَقْدَمُوا إِلَيْهَا. ثم قال للناس: ارتحلوا، فارتحلنا، فأقبلنا إلى المدينة، فوالذي نحلف به ما وضعنا رحالنا حين دخلنا المدينة حتى أغار علينا بنو عبد الله بن غطفان، وما يهيجهم قبل ذلك شيء. وفي رواية أنه جاء إلى أبي سعيد الليالي الحرة، فاستشاره في الجلاء من المدينة، وشكا إليه أسعارها وكثرة عياله، وأخبره ألا صبر له على جهد المدينة ولوائها، فقال له: ويحك، لا آمرك بذلك، إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لا يصبر أحد على لأوائها فيموت إلا كنت له شفيعًا أو شهيدًا يوم القيامة إذا كان مسلمًا. الريف: الأرض التي بها زرع وخصب، وقوله: عيالنا خلوف، أي قد خلفناهم، فليس عندهم رجال ولا من يحميهم، والشعب والنقب: الطريق في الجبل أو بين الجبلين، وقوله: مأزميها، أي جبليها. قال النووي: فيه بيان فضيلة المدينة، وحراستها في زمنه صلى الله عليه وسلم، وقوله: فما وضعنا رحالنا حتى أغاروا علينا، معناه أن المدينة كانت محمية محروسة في حال غيبتهم، فلم يأتها بنو غطفان حتى وصلها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم، وما يهيجهم قبل ذلك شيء، أي لم يكن شيء يمنعهم من الإغارة عليها قبل قدومنا إلا حراسة الملائكة، كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم.