(5)
نص الحلقة
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ. جاء في كتاب الثقات لابن حبان: فنزل مصعب بن عمير على أسعد بن زرارة، فكان يأتي به دور الأنصار، فيدعوهم إلى الله، ويقرأ عليهم القرآن، ويفقه من كان منهم دخل في الإسلام. وكان إسلام سعد بن معاذ وأسيد بن حضير على يد مصعب، وذلك أنه خرج مع أسعد بن زرارة إلى حائط من حوائط بني النجار، معهما رجال من المسلمين، فبلغ ذلك سعد بن معاذ، فقال لأسيد بن حضير: ائت هذا الرجل، فلولا أنه مع أسعد بن زرارة، وهو ابن خالتي كما علمت، كنت أنا أكفيك شأنه. فأخذ أسيد بن حضير حربته، ثم خرج حتى أتى مصعبًا، فوقف عليه متشتمًا، وقد قال أسعد لمصعب حين نظر إلى أسيد: هذا أسيد من سادات قوم له خطر وشرف. فلما انتهى إليهما تكلم بكلام فيه بعض الغلظة، فقال له مصعب بن عمير: أوتجلس فتسمع، فإن سمعت خيرًا قبلته، وإن كرهت شيئًا أو خالفك أعفيناك عنه. قال أسيد: ما بهذا بأس. ثم ركز حربته وجلس، فتكلم مصعب بالإسلام، وتلا عليه القرآن. قال أسيد: ما أحسن هذا القول. ثم أمره فتشهد شهادة الحق، وقال لهم: كيف أفعل؟ فقال له: تغتسل وتطهر ثوبك، وتشهد شهادة الحق، وتركع ركعتين. ففعل، ورجع إلى بني عبد الأشهل، وثبتا مكانهما. فلما رآه سعد بن معاذ مقبلاً، قال: أحلف بالله لقد رجع إليكم أُسيد بغير الوجه الذي ذهب به من عندكم. فلما وقف عليه، قال له سعد: ما وراءك؟ قال: كلمت الرجلين، فكلماني بكلام رقيق، وزعما أنهما سيتركان ذلك، وقد بلغني أن بني حارثة قد سمعوا بمكان أسعد، فاجتمعوا لقتله، وإنما يريدون بذلك إحقارك، وهو ابن خالتك، فإن كان لك به حاجة فأدركه. فوثب سعد وأخذ الحربة من يدي أُسيد وقال: ما أراك أغنيت شيئاً. ثم خرج حتى جاءهما، ووقف عليهما متشتما، وقد قال أسعد لمصعب حين رأى سعداً: هذا والله سيد من وراءه، إن تابعك لم يختلف عليه اثنان من قومه. فَأَبْلِ اللَّهَ فِيهِ بَلَاءً حَسَنًا. فَلَمَّا وَقَفَ سَعْدٌ، قَالَ لِأَسْعَدَ بْنِ زُرَارَةَ: أَجِئْتَنَا بِهَذَا الرَّجُلِ يُسَفِّهُ شَبَابَنَا وَضُعَفَاءَنَا؟ وَاللَّهِ لَوْلَا مَا بَيْنِي وَبَيْنَكَ مِنَ الرَّحِمِ مَا تَرَكْتُكَ وَهَذَا. فَلَمَّا فَرَغَ سَعْدٌ مِنْ مَقَالَتِهِ، قَالَ لَهُ مُصْعَبٌ: أَوَ تَجْلِسُ فَتَسْمَعُ؟ فَإِنْ سَمِعْتَ خَيْرًا قَبِلْتَهُ، وَإِنْ خَالَفَكَ شَيْءٌ أَعْفَيْنَاكَ. قَالَ: أَنْصَفْتَ. فَرَكَزَ حَرْبَتَهُ ثُمَّ جَلَسَ، فَكَلَّمَهُ بِالْإِسْلَامِ وَتَلَا عَلَيْهِ الْقُرْآنَ. فَقَالَ سَعْدٌ: مَا أَحْسَنَ هَذَا! نَقْبَلُهُ مِنْكَ وَنُعِينُكَ عَلَيْهِ. كَيْفَ تَصْنَعُونَ إِذَا دَخَلْتُمْ فِي هَذَا الْأَمْرِ؟ قَالَ: تَغْتَسِلُ وَتُطَهِّرُ ثَوْبَكَ، وَتَشْهَدُ شَهَادَةَ الْحَقِّ، وَتَرْكَعُ رَكْعَتَيْنِ. فَفَعَلَ، ثُمَّ خَرَجَ سَعْدٌ حَتَّى أَتَى بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ. فَلَمَّا رَأَوْهُ قَالُوا: وَاللَّهِ لَقَدْ رَجَعَ إِلَيْكُمْ سَعْدٌ بِغَيْرِ الْوَجْهِ الَّذِي ذَهَبَ بِهِ مِنْ عِنْدِكُمْ. فَلَمَّا وَقَفَ عَلَيْهِمْ، قَالُوا: مِمَّا جِئْتَ؟ قَالَ: يَا بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ، كَيْفَ تَعْلَمُونَ رَأْيِي فِيكُمْ وَأَمْرِي عَلَيْكُمْ؟ قَالُوا: أَنْتَ خَيْرُنَا رَأْيًا. قَالَ: فَإِنَّ كَلَامَ رِجَالِكُمْ وَنِسَائِكُمْ عَلَيَّ حَرَامٌ حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ. وتشهد أن محمداً رسول الله، وتدخل في دينه، فما أمسى من ذلك اليوم في دار بني عبد الأشهل رجل ولا امرأة إلا أسلم.