(24)
نص الحلقة
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ. لَقَطَاتٌ وَنَبَضَاتٌ. مشاهد من السيرة النبوية في قراءة محب، بقلم الأستاذ علي بن محمد بن علي القرني. مع الآلام فرح. خرج أبو بكر الصديق قبل وفاة النبي صلى الله عليه وسلم بعام في تجارة إلى بصرى، ومعه نعيمان بن عمرو الأنصاري، وسويبط بن حرملة، وهما ممن شهد بدرا، وكان سويبط بن حرملة على الزاد، وكان نعيمان بن عمرو مزاحا، فقال لسويبط: أطعمني، فقال: لا أطعمك حتى يأتي أبو بكر، فقال نعيمان لسويبط: لأغيظنك، فمروا بقوم، فقال نعيمان لهم: تشترون مني عبدا؟ قالوا: نعم. قال: إنه عبد له كلام، وهو قائل لكم: لست بعبد، وأنا ابن عمه. فَإِنْ كَانَ إِذَا قَالَ لَكُمْ هَذَا تَرَكْتُمُوهُ، فَلَا تَشْتَرُوهُ، وَلَا تُفْسِدُوا عَلَيَّ عَبْدِي. قَالُوا: لَا، بَلْ نَشْتَرِيهِ وَلَا نَنْظُرُ إِلَى قَوْلِهِ. فَاشْتَرَوْهُ مِنْهُ بِعَشْرِ قَلَائِصَ، ثُمَّ جَاءُوا لِيَأْخُذُوهُ، فَامْتَنَعَ مِنْهُمْ، فَوَضَعُوا فِي عُنُقِهِ عِمَامَةً، فَقَالَ لَهُمْ: إِنَّهُ يَتَهَزَّأُ وَلَسْتُ بِعَبْدِهِ. فَقَالُوا: قَدْ أَخْبَرَنَا خَبَرَكَ وَلَمْ يَسْمَعُوا كَلَامَهُ. فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ فَأُخْبِرَ خَبَرَهُ، فَاتَّبَعَ الْقَوْمَ، فَأَخْبَرَهُمْ أَنَّهُ يَمْزَحُ، وَرَدَّ عَلَيْهِمُ الْقَلَائِصَ، وَجَاءَ بِسُوَيْبِطٍ مِنْهُمْ. فَلَمَّا قَدِمُوا عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخْبَرَهُ الْخَبَرَ، فَضَحِكَ مِنْ ذَلِكَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ حَوْلًا. وَجَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَدَخَلَ الْمَسْجِدَ وَأَنَاخَ نَاقَتَهُ بِفِنَائِهِ، فَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِنُعَيْمَانَ بْنِ عَمْرٍو الْأَنْصَارِيِّ: لَوْ نَحَرْتَهَا فَأَكَلْنَاهَا، فَإِنَّا قَدْ قَرِمْنَا إِلَى اللَّحْمِ، وَيَغْرَمُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَمَنَهَا. فَنَحَرَهَا النُّعَيْمَانُ، ثُمَّ خَرَجَ الْأَعْرَابِيُّ فَرَأَى رَاحِلَتَهُ، فَصَاحَ: وَاعَقْرَاهُ يَا مُحَمَّدُ. فَخَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: مَنْ فَعَلَ هَذَا؟ قَالُوا: النُّعَيْمَانُ. فَاتَّبَعَهُ يَسْأَلُ عَنْهُ، فَوَجَدَهُ فِي دَارِ ضُبَاعَةَ بِنْتِ الزُّبَيْرِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، قَدِ اخْتَفَى فِي خَنْدَقٍ، وَجَعَلَ عَلَيْهِ الْجَرِيدَ وَالسَّعَفَ، فَأَشَارَ إِلَيْهِ رَجُلٌ، وَرَفَعَ صَوْتَهُ يَقُولُ: مَا رَأَيْتُهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَأَشَارَ بِإِصْبَعِهِ حَيْثُ هُوَ. فَأَخْرَجَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقَدْ تَغَيَّرَ وَجْهُهُ بِالسَّعَفِ الَّذِي سَقَطَ عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ: مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا صَنَعْتَ؟ قَالَ: الَّذِينَ دَلُّوكَ عَلَيَّ يَا رَسُولَ اللَّهِ هُمُ الَّذِينَ أَمَرُونِي. فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَمْسَحُ عَنْ وَجْهِهِ وَيَضْحَكُ، ثُمَّ غَرِمَهَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. إِنَّمَا سُقْتُ لَكَ هَذَا الْخَبَرَ لِتَعْلَمَ أَنَّ مَعَ الدَّمْعَةِ بَسْمَةً، وَمَعَ الْآلَامِ فَرَحٌ، وَمَعَ الْجِرَاحِ مُزَاحٌ.