(34)
نص الحلقة
بسم الله الرحمن الرحيم. أشهد أن محمد... لقطات ونبضات. مشاهد من السيرة النبوية في قراءة محب، بقلم الأستاذ علي بن محمد بن علي القرني. أشهد أن محمد رسول الله. بداية الحكاية. خطب عثمان رضي الله عنه فقال: إنا والله قد صحبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في السفر والحضر، وكان يعود مرضانا، ويتبع جنائزنا، ويغزو معنا، ويواسينا بالقليل والكثير، وإن ناسًا يعلموني به عسى ألا يكون أحدهم رآه قط. سفينة الرحيل. سأنفذ بك مباشرة إلى عمق الحكاية ولب الرواية. لن أبدأ معك من جبال مكة ولا تجارة الشام، ولن أكون في ديار بني سعد ولا الأبواء، ولن أخوض بك في تتابع الأحداث وعداوة أبي لهب أو صحبة أبي بكر. كلا، بل سأهاجر بك هناك بعيدًا بعيدًا، عبر تلاطم الأمواج، وشجون الغربة ومفاصل التاريخ. من الحبشة أعلن بداية رحلتي معك. جغرافيا الألم. مكة لم تستجب، والعرب تبع لها، والدروب مظلمة، والخطوات ثقيلة، والأجواء لا ترتسم ولا تبتسم بالأمنيات الجميلة. في كتب التاريخ والسير أحصى لنا المؤرخون أربعة عشر أسلوبًا صنعها المشركون لمحاربة الدعوة وإجهاض الرسالة. لن أثقل على نفسك الطيبة بسردها هنا، ولن أزيدك على أن الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم تعرض لجملة من خطط الاغتيال، قيل إنها بلغت ثلاثة عشر مرة عبر الزمن المكي والمدني. أما رفاق الدرب وإخوة المصير، فالبؤس والألم والجراح. عمَّن أحدثك؟ عمار أم بلال أم خباب؟ بل أبو بكر وعثمان وسعد. القرار كان أن يهاجر المسلمون إلى ديار بعيدة. خارج مكة وجزيرة العرب، بل خارج النطاق الجغرافي المؤلم. لقد أراد الله أن تكون إفريقيا هي ملاذ الإسلام الأول حينما تنكرت آسيا للوحي. أتانا من نعرف صدقه. أيها الملك، كنا قوماً أهل جاهلية، نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، ويأكل القوي منا الضعيف، فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولاً منا، نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه، فدعانا إلى الله، لتوحيده ولنعبده، ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش وقول الزور، وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنة، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام، فصدقناه وآمنا به، واتبعناه على ما جاء به من عند الله، فعبدنا الله وحده ولم نشرك به. وَحَرَّمْنَا مَا حَرَّمَ عَلَيْنَا، وَأَحْلَلْنَا مَا أَحَلَّ لَنَا. هكذا تحدث جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه أمام ملك الحبشة. إن كلمات جعفر هي ملخص الرسالة وعناوين الحكاية. إن هذا الدين الذي تحدث عنه هو ما حاربته قريش، وتنكر له الأهل والعشيرة. فهل مثل هذا يُحارَب ويُعادى؟ السفير الأول. إن حديث ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم يمثل باختصار النقلة الحضارية في حياة العرب حينما آمنوا بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد رسولًا. أما البطل الآخر الذي خاض تجربة النجاح باقتدار، فسفير الإسلام الأول مصعب بن عمير. آه، ما أشد إعجابي بشخصية هذا الشاب النبيل. جاء في مستدرك الحاكم: حدثنا أبو عبد الله الأصفهاني، حدثنا الحسن بن جهم، حدثنا الحسين بن الفرج، حدثنا محمد بن عمر، حدثني إبراهيم بن محمد العبدري، عن أبيه قال: كان مصعب بن عمير فتى مكة شبابًا وجمالًا. وكان أبواه يحبانه، وكانت أمه تكسوه أحسن ما يكون من الثياب وأرقه، وكان أعطر أهل مكة، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكره ويقول: ما رأيت بمكة أحسن لمةً ولا أرق حلةً ولا أنعم نعمةً من مصعب بن عمير. إن دور مصعب كان يتمثل في تهيئة طيبة طيبة لاستقبال الحياة والمجد والتاريخ. ما زلت أقول لك إن سفير... الإسلام الأول. لم يكن كأي شاب يعيش في هذه الحياة. أكتب إليك الآن، والدمعة تغالبني، فإطلالة خاطفة على كتاب أسد الغابة لابن الأثير كفيلة أن تدخل مصعب قلوبنا دون استئذان. عظماء الرجال. جاء في كتاب الثقات لابن حبان: فنزل مصعب بن عمير على أسعد بن زرارة، فكان يأتي به دور الأنصار، فيدعوهم إلى الله، ويقرأ عليهم القرآن، ويفقه من كان منهم دخل في الإسلام. وكان إسلام سعد بن معاذ وأسيد بن حضير على يد مصعب، وذلك أنه خرج مع أسعد بن زرارة إلى حائط من حوائط بني النجار، معهما رجال من المسلمين، فبلغ ذلك سعد بن معاذ، فقال لأسيد بن حضير: ائت هذا الرجل، فلولا أنه مع أسعد بن زرارة، وهو ابن خالتي كما علمت، كنت أنا أكفيك شأنه. فأخذ أسيد بن حضير حربته، ثم خرج حتى أتى مصعبًا، فوقف عليه متشتمًا، وقد قال أسعد لمصعب حين نظر إلى أسيد: هذا أسيد من سادات قوم له خطر وشرف. فلما انتهى إليهما تكلم بكلام فيه بعض الغلظة، فقال له مصعب بن عمير: أوتجلس فتسمع، فإن سمعت خيرًا قبلته، وإن كرهت شيئًا أو خالفك أعفيناك عنه. قال أسيد: ما بهذا بأس. ثم ركز حربته وجلس، فتكلم مصعب بالإسلام، وتلا عليه القرآن. قال أسيد: ما أحسن هذا القول. ثم أمره فتشهد شهادة الحق، وقال لهم: كيف أفعل؟ فقال له: تغتسل وتطهر ثوبك، وتشهد شهادة الحق، وتركع ركعتين. ففعل، ورجع إلى بني عبد الأشهل، وثبتا مكانهما. فلما رآه سعد بن معاذ مقبلًا قال: أحلف بالله لقد رجع إليكم أسيد بغير الوجه الذي ذهب به من عندكم. فلما وقف عليه قال له سعد: ما وراءك؟ قال: كلمت الرجلين، فكلماني بكلام رقيق، وزعما أنهما سيتركان ذلك، وقد بلغني أن بني حارثة قد سمعوا بمكان أسعد، فاجتمعوا لقتله، وإنما يريدون بذلك إحقارك، وهو ابن خالتك، فإن كان لك به حاجة فأدركه. فوثب سعد وأخذ الحربة من يدي أسيد وقال: ما أراك أغنيت شيئًا. ثم خرج حتى جاءهما، ووقف عليهما متشتمًا، وقد قال أسعد لمصعب حين رأى سعدًا: هذا والله سيد من وراءه، إن تابعك لم يختلف عليه اثنان من قومه، فأبلِ الله فيه بلاءً حسنًا. فلما وقف سعد قال لأسعد بن زرارة: أجئتنا بهذا الرجل يسفه شبابنا وضعفاءنا؟ والله لولا ما بيني وبينك من الرحم ما تركتك وهذا. فلما فرغ سعد من مقالته قال له مصعب: أوتجلس فتسمع؟ فإن سمعت خيرًا قبلته، وإن خالفك شيء أعفيناك. قال: أنصفت. فركز حربته ثم جلس، فكلمه بالإسلام وتلا عليه القرآن، فقال سعد: ما أحسن هذا، نقبله منك ونعينك عليه. كيف تصنعون إذا دخلتم في هذا الأمر؟ قال: تغتسل وتطهر ثوبك، وتشهد شهادة الحق، وتركع ركعتين. ففعل، ثم خرج سعد حتى أتى بني عبد الأشهل، فلما رأوه قالوا: والله لقد رجع إليكم سعد بغير الوجه الذي ذهب به من عندكم. فَلَمَّا وَقَفَ عَلَيْهِمْ قَالُوا مِمَّا جِئْتَ؟ قَالَ: يَا بَنِي عَبْدِ الأَشْهَلِ، كَيْفَ تَعْلَمُونَ رَأْيِي فِيكُمْ وَأَمْرِي عَلَيْكُمْ؟ قَالُوا: أَنْتَ خَيْرُنَا رَأْيًا. قَالَ: فَإِنَّ كَلَامَ رِجَالِكُمْ وَنِسَائِكُمْ عَلَيَّ حَرَامٌ حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ، وَتَشْهَدُوا أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَتَدْخُلُوا فِي دِينِهِ. فَمَا أَمْسَى مِنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ فِي دَارِ بَنِي عَبْدِ الأَشْهَلِ رَجُلٌ وَلا امْرَأَةٌ إِلَّا أَسْلَمَ. جاء عمر. إِنَّمَا نَقَلْتُ إِلَيْكَ قِصَّةَ الْعُظَمَاءِ الثَّلَاثَةِ: أَسْعَدَ بْنِ زُرَارَةَ، وَأُسَيْدِ بْنِ الْحُضَيْرِ، وَسَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ، بِنَصِّهَا، دُونَ تَدَخُّلٍ عَاطِفِيٍّ مِنِّي، لِتَعْلَمَ أَنَّ عَطَايَا اللَّهِ إِذَا أَقْبَلَتْ فَلَا يَرُدُّهَا شَيْءٌ وَلَا يَصُدُّهَا حَيٌّ. لَكِنْ حَدَثَ مِنْ بَنِي النَّجَّارِ أَنْ أَخْرَجُوا مُصْعَبَ بْنَ عُمَيْرٍ، وَاشْتَدُّوا عَلَى أَسْعَدَ، فَانْتَقَلَ مُصْعَبٌ إِلَى سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ يَدْعُو آمِنًا وَيَهْدِي اللَّهُ بِهِ. إِلَى هُنَا أَتَوَقَّفُ عَنْ أَخْبَارِ الْمَدِينَةِ، وَأَعُودُ بِكَ إِلَى مَكَّةَ مِنْ ذَاتِ الطَّرِيقِ الَّذِي سَلَكَهُ مُصْعَبٌ، وَمِنْ نَفْسِ الْفِجَاجِ الَّتِي تَهَادَى عَلَيْهَا الأَنْصَارُ وَهُمْ يَصُوغُونَ أَحْلَامَهُمْ وَيُسَطِّرُونَ تَارِيخَهُمْ. جاء عمر. ما قبل الهجرة النبوية. ديار الأوس والخزرج الآن تستقبل في رحاب الإيمان الأسماء الكبيرة. قيد الأسماء عندك، سجل المواقف، ترنم بسير الرجال. مر معنا حتى الآن جعفر ومصعب، وأسعد بن زرارة، وأسيد بن الحضير، وسعد بن معاذ. أما عمر بن الخطاب، قال ابن مسعود: ما زلنا أعزة منذ أسلم عمر. وقال أيضًا: إذا ذُكر الصالحون فحي هلا بعمر. كان إسلامه نصرًا. وَإِمَارَتُهُ فَتْحًا. وَصَلَ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَامْتَزَجَ مَعَ الْأَخْيَارِ الْأَبْرَارِ، فَكَانُوا أُسْرَةً وَاحِدَةً، يُعِينُونَ بَعْضَهُمْ وَيَتَقَاسَمُونَ الْآمَالَ وَالْآلَامَ، غَيْرَ أَنِّي هُنَا لَنْ أُفِيضَ فِي سِيرَةِ عُمَرَ الَّتِي هِيَ مِنَ الْمَشْهُورِ عِنْدَ النَّاسِ، وَإِنَّمَا اسْتَوْقَفَتْنِي قِصَّتُهُ مَعَ عَيَّاشٍ. بين فاروق الأمة وفرعون الأمة. قال ابن إسحاق: خرج عمر بن الخطاب وعياش بن أبي ربيعة المخزومي حتى قدم المدينة، فحدثني نافع مولى عبد الله بن عمر، عن عبد الله بن عمر، عن أبيه عمر بن الخطاب قال: اتعدت لما أردنا الهجرة إلى المدينة أنا وعياش بن أبي ربيعة، وهشام بن العاص بن وائل السهمي، التناضب من أضاة بني غفار فوق سرف، وقلنا: أينا لم يصبح عندها فقد حبس، فليمض صاحباه. فأصبحت أنا وعياش بن أبي ربيعة عند التناضب، وحبس عنا هشام، وفتن فافتتن. فلما قدمنا المدينة نزلنا في بني عمرو بن عوف بقباء، وخرج أبو جهل بن هشام، والحارث بن هشام، إلى عياش بن أبي ربيعة. وكان ابن عمهما وأخاهما لأمهما، حتى قدما علينا المدينة، ورسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة، فكلماه وقالا: إن أمك قد نذرت ألا يمس رأسها مشط حتى تراك، ولا تستظل من شمس حتى تراك، فرق لها، فقلت له: يا عياش، إنه والله إن يريدك القوم إلا ليفتنوك عن دينك، فاحذرهم، فوالله لو قد آذى أمك القمل لمشطت، ولو قد اشتد عليها حر مكة لاستظلت. فقال: أبر قسم أمي، ولي هنالك مال فآخذه. فقلت: والله إنك لتعلم أني لمن أكثر قريش مالا، فلك نصف مالي، ولا تذهب معهما. فأبى علي إلا أن يخرج معهما، فلما أبى إلا ذلك، قلت له: أما إذ قد فعلت ما فعلت، فخذ ناقتي هذه، فإنها ناقة نجيبة ذلول، فالزم ظهرها، فإن رابك من القوم ريب فانج عليها. فخرج عليها معهما، حتى إذا كانوا ببعض الطريق، قال له أبو جهل: والله لقد استغلظت بعيري هذا، أفلا تعقبني على ناقتك هذه؟ قال: بلى. فأناخ، وأناخا ليتحول عليها. فلما استووا بالأرض عدوا عليه، فأوثقاه وربطاه، ثم دخلا به مكة، وفتناه فافتتن. قال ابن إسحاق: فحدثني به بعض آل عياش بن أبي ربيعة، أنهما حين دخلا به مكة، دخلا به نهارًا موثقًا، ثم قالا: يا أهل مكة، هكذا فافعلوا بسفهائكم كما فعلنا بسفيهنا هذا. لقد بذل عمر كل المحاولات، لكن العاطفة غلبت قلب عياش. أين القائد؟ نبي الهدى يا رسول السلام، ويا مرسلًا رحمةً للأنام، عليك الصلاة عليك السلام، وصحبك والتابعين الكرام. بسيرتك ابتهج العالم، وأنت معلمه الأعظم، شفوق رحيم ولا تظلم، عليك الصلاة عليك السلام. بك الله أحيا نفوس الورى، فكنت لها المنقذ الأكبر، حملت لها شرعك الأنور، فعم الضياء وولى الظلام. نبي الهدى، نحن جند الهدى، سنبقى على العهد طول المدى. بذلنا الدماء وارتضينا الردى لنشر الهدى يا رسول السلام. أوَمُخرِجِيَّ هُمْ؟ ما أطيبك من بلد وأحبك إلي، ولولا أن قومي أخرجوني منك ما سكنت غيرك. بهذه الكلمات تحرك قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم حبًّا لمكة. فمراتع الطفولة ومرابع الصبا كلها هنا، حنان الأم وكفالة الجد والعم كلها هنا، استكبار قريش وإيمان المستضعفين كلها هنا، كلمات خديجة وأحاديث زينب وآلام رقية وأم كلثوم كلها هنا، تصديق أبي بكر وكفر أبي جهل كلها هنا، إقبال مصعب بن عمير وإدبار أبي بن خلف كلها هنا، غصة الألم بعد العودة من الطائف وفرحة الزواج بعد العودة من الشام كلها هنا، تعذيب الرفاق هنا، تنفير الناس من الدعوة هنا، الاتهام بالسحر والشعر والجنون هنا، استبسال الزبير هنا، اعتزاز الإسلام بحمزة وعمر هنا. حكاية القبائل التي تباينت في قبول الحق هنا. هنا قال أبو بكر: أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله؟ وهنا قال أبو لهب: تباً لك سائر اليوم، ألهذا جمعتنا؟ وهنا قدم عتبة يعرض ما لديه، وهنا ارتفع صوت ابن مسعود بالقرآن، وهنا إيمان علي وحب زيد، ووفاء عثمان وتعذيب عمار، وتضحيات خديجة وشهامة أبي طالب. وطن النجوم أنا هنا، قل لي: أتذكر من أنا؟ أنا ذلك الرجل الذي دنياه كان... ها هنا. طابة المستطابة. ما زالت وطأة الفراق مؤثرة في نفسي، فرسول الله صلى الله عليه وسلم يغادر بلده، والطلب في إثره، والدروب موحشة، والعدو شرس. ولذلك فهذه المرة الثانية التي أكتب إليك، والدموع لها معي شأن. سأغالب الحزن، وأتعجل الخطوات، وأنقلك إلى مشهد آخر: المدينة المنورة، حيث النوايا الطيبة، والسجايا الجميلة، حيث يخرج الناس كل يوم منتظرين قدوم الحبيب، حيث لم يبق بيت إلا وفيه مسلمون، حيث ابتسم المحب وهتف: هذا محمد، هذا رسول الله، حيث اجتمع الناس، كل الناس، الكبار والصغار، والرجال والنساء، والبيوت والطرق، والحياة والفرح، والدموع والترحيب والاستبشار والأمل. وستذكر هذا اليوم حينما يحدثك عنه أنس بن مالك بعد سنوات وسنوات. الدعاء والإخاء والانتماء. نال كلثوم بن الهدم شرف استقبال رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيته، ثم نال الشرف كله من بعده أبو أيوب الأنصاري، وما زلنا نردد عبر التاريخ: المرء مع رحله. بني المسجد، وانتظمت الصفوف، وأقيمت الصلاة. إنها صلاة ليست كأي صلاة، إنها خلف الحبيب نفسه، خلف القائد، خلف الإمام العظيم، الرحيم الحليم الحكيم. يا رب لك الحمد والفضل والمنة، لقد أمِن رسول الله، لقد وجد أنصارًا عظماء بعد ثلاثة عشر سنة، كأني في ذلك الزمن وقد استشعر هو وأصحابه النعمة، أمن من بعد خوف، وعبادة من دون فتن، بل أصبح عندهم من بعد الوحشة وطن. الإخاء، الإخاء، الإخاء. إنها المثل الفريدة في استقبال الأنصار لإخوانهم المهاجرين. واسأل كتب التاريخ، تحدثك عن سعد بن الربيع وعبد الرحمن بن عوف. واسأل الناس اليوم عن أي إخاء يتحدثون، وهو إنما يتعكر لأدنى هفوة وأقرب خطأ. عندما تسلك طرقات المدينة، فتعرف إلى الديار التي تناثر فيها المهاجرون الأبرار عند إخوانهم الأنصار، واسأل الديار التي سكنوها، والآبار التي ارتووا منها، والحب الذي تنفسوه، والحدائق التي عملوا فيها. ما زلنا مع الإخاء. إن سكنت المدينة، أو زرت المدينة، أو أحببت المدينة، فتذكر، لقد كان بالمدينة أقوام ضحوا بكل ما يملكون: المال، والوقت، والعلاقات، وحتى الأرواح. لقد كان بالمدينة جيل من الأخيار، استقبلوا إخوتهم حتى أحرجوهم بكرمهم، إلى أن ذهبوا إلى إمامهم يطلبون الحل، فانتهى الأمر بأن يعملوا بأيديهم في مزارعهم، كنوع من كسب الرزق ورد الجميل، إلى أن تنتعش الموارد. لقد كان بالمدينة أناس ما سار أحبابهم ولا قطعوا وادياً إلا شاركوهم الأجر، لأنهم قد حبسهم العذر. إنها تربية القرآن وعظمة النبوة. اقرأ في أسباب نزول الآيات والسور، لتعلم أن الحياة كانت متكاملة. وانسقالاجتماعيا كان مثاليا وواقعيا في ذات الوقت. ادخل إلى تفاصيل التفاصيل، وانظر إلى التضامن مع سلمان، وأثر وجود ثمامة بن أثال في المسجد، وتطبيب سعد بن معاذ في المسجد كذلك، واعتذار كعب في رحاب المسجد أيضا. مهلا مهلا، استووا، تقاربوا، سدوا الخلل، لا تذروا فرجات للشيطان. تصور لو سمعت حروفها بنفسك من فم أعظم إنسان، ما أشد غبطتنا لأولئك الذين سمعوها. تعاون الناس في بناء المسجد، وارتبطوا بالصلاة والآداب فيه، واكتسبوا السمو في الفضائل بالتآخي بينهم، ثم ماذا؟ ثم كتبت وثيقة المدينة لحفظ الحقوق والتوازنات والعلاقات داخل المجتمع الواحد دون تعد على أحد. المعارك. التقى المسلمون بأعدائهم مرات ومرات، فإلى أي واد تريد أن يمم وجوهنا؟ إلى بدر أم أحد؟ أم الخندق أم الفتح؟ أم حنين أم تبوك أم مؤتة؟ أما بدر. فَهِيَ عِنَاقٌ بَيْنَ النَّصْرِ وَرَمَضَانَ، وَزَوَالُ طُغَاةِ قُرَيْشٍ عَنْ عَالَمِ الْحَيَاةِ وَالْأَحْيَاءِ. وَمَوَاقِفُ النَّصْرِ لَا تَحْتَاجُ إِلَى كَثِيرٍ مِنْ تَكَلُّفِ الِاسْتِنْبَاطِ وَالتَّحْلِيلِ. وَأَمَّا أُحُدٌ فَلَا أَدْرِي مَاذَا أَقُولُ لَكَ. إِنَّ هَذِهِ الْمَعْرَكَةَ بِخُصُوصِهَا لَا أَمَلُّ مِنْ تِكْرَارِ أَحْدَاثِهَا، فَهِيَ عِنْدِي مُلَخَّصٌ لِلْحَيَاةِ. سَتَجِدُ فِي أُحُدٍ خُذْلَانَ الْمُنَافِقِينَ فِي أَحْلَكِ الظُّرُوفِ، وَسَتَجِدُ وَفَاءَ الْأَحِبَّةِ الَّذِي عَبَّرَ عَنْهُ ابْنُ الرَّبِيعِ فَقَالَ: سَلِّمْ عَلَى قَوْمِ الْأَنْصَارِ وَقُلْ لَهُمْ. لا يُخلَصُ إلى رسولِ الله، وفيكم عينٌ تطرف، وستجد استيقاظ الضمير في آخر لحظة، وستجد أصحاب القلوب الطيبة الذين ما زال عندهم أمل في المدبرين، وستجد من نغتر بظاهرهم، وستجد من يستغل الحدث لصالحه، وستجد من يجتهد فيخطئ، وستجد الآيات الطويلة التي أبدت مكنون النفس وأحاديث السرائر، ستجد هموم والد جابر، وبسالة عبد الله بن جحش، وثبات مصعب بن عمير، ووداع حمزة، وستجد ألم حذيفة بفقد الوالد، وستجد رمي سعد، ودفاع طلحة، وسقوط أسنان أبي عبيدة، فضلاً عن جراحات الرسول نفسه. ستأخذ بقلبك، فما تفعلون بالحياة بعده؟ قوموا فموتوا على ما مات عليه. ستجد مخيريق، وقزمان، والأصيرم، وحنظلة، وعمارة بن يزيد بن السكن، بل ستجد سنن الحياة، كالتمحيص، وأهمية الثبات على المبدأ، وتفاضل الناس. وفي المعارك أيضاً التقوا. تفاهموا، اشتركوا، تقاسموا المكاسب المتوقعة، حددوا الهدف. إن هؤلاء الذين نتحدث عنهم هم أشتات من البشر، وثنيون ومنافقون، ويهود وحاقدون. ما ضرتهم الرسالة ولا صاحبها، لكنهم تحزبوا لاجتثاث النور، والله متم نوره. أيام طوال وليال قاسية، تلك التي قضاها المسلمون لحفر الخندق، ثم لحراسة المدينة بعد ذلك، ثم لدفع الآلام والتخذيل، بل والخيانة. إرجاف وشائعات وسخرية، وعدو رابط وبرد شديد. واقرأ سورة الأحزاب، تنبيك عن الخبر. سأقفز بك إلى النتيجة التي تعلمها. الآن نغزوهم ولا يغزوننا. لقد تغيرت موازين القوى، وآن للصابرين الصامدين أن يملكوا زمام المبادرة. كان لنعيم بن مسعود دوره، ولحذيفة دوره، ولجابر قصة، وللمنافقين لمز، وللنبي صلى الله عليه وسلم بشارات بفتح اليمن وبلاد الفرس والروم. النور في قلبي وبين جوانحي، فعلام أخشى السير في الظلماء؟ الحياة. ذات يوم أهدى سلمان تمرا، وذات يوم أنشد كعب شعرا، وذات يوم ظاهر عبادة بن الصامت من زوجته، وذات يوم افترق ثابت بن قيس وزوجته خلعا، وذات يوم اشترى أبو الدحداح الجنة، وذات يوم تصدق أبو طلحة ببيرحاء، وذات يوم اجتهدت امرأة فأمرت غلامها بصنع المنبر، وذات يوم لعب الحبشة بحرابهم في المسجد، وذات يوم تزوج علي بفاطمة، وذات يوم قتل كعب بن الأشرف، وذات يوم نسي رسول الله صلى الله عليه وسلم في صلاته، وذات يوم تصدق عثمان حتى نال ما ضر عثمان ما فعل بعد اليوم، وذات يوم قذف الله بحوت كبير من البحر لأبي عبيدة ورفاقه فشبعوا من بعد جوع، وذات يوم اتهمت عائشة، وذات يوم قدم جعفر وفتحت خيبر، وذات يوم قام الناس لقافلة أناخت بجوار المسجد وتركوا رسولهم قائما يخطب، وذات يوم حصل الزنا من ماعز، وذات يوم سالت طرقات المدينة بالخمر. وَذَاتَ يَوْمٍ هَلَكَ رَأْسُ النِّفَاقِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ، وَذَاتَ يَوْمٍ تَنَزَّلَتِ الْمَلَائِكَةُ لِتِلَاوَةِ أُسَيْدِ بْنِ الْحُضَيْرِ، وَذَاتَ يَوْمٍ كَانَ عُمَيْرُ بْنُ سَعْدٍ سَبَبًا فِي تَوْبَةِ زَوْجِ أُمِّهِ الْجُلَاسِ بْنِ سُوَيْدٍ، وَذَاتَ يَوْمٍ كَانَتْ مَأْسَاةُ الرَّجِيعِ، وَذَاتَ يَوْمٍ كَانَتْ مَأْسَاةُ بِئْرِ مَعُونَةَ، وَذَاتَ يَوْمٍ صَارَ الْحَسَنُ أَوِ الْحُسَيْنُ عَلَى الْمِنْبَرِ، وَذَاتَ يَوْمٍ كَانَ حُذَاءُ أَنْجَشَةَ، وَذَاتَ يَوْمٍ أَسْلَمَ وَفْدُ الْجِنِّ، وَذَاتَ يَوْمٍ كَثُرَ أَهْلُ الصُّفَّةِ، وَذَاتَ يَوْمٍ نَامَ بِلَالٌ عَنِ الْأَذَانِ، وَذَاتَ يَوْمٍ شَبِعَ أَبُو هُرَيْرَةَ مَعَ خَلِيلِهِ، وَذَاتَ يَوْمٍ اعْتَزَلَ الرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَمِيعَ أَزْوَاجِهِ، وَذَاتَ يَوْمٍ صَبَرَتْ حَمْنَةُ بِنْتُ جَحْشٍ عِنْدَ وَفَاةِ أَخِيهَا وَخَالِهَا، لَكِنَّهَا صَاحَتْ لِوَفَاةِ زَوْجِهَا، وَذَاتَ يَوْمٍ كَانَ فِي عَيْنِ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ وَجَعٌ، وَذَاتَ يَوْمٍ عَجِبَ النَّاسُ مِنْ حُبِّ مُغِيثٍ لِبَرِيرَةَ وَإِعْرَاضِهَا عَنْهُ، وَذَاتَ يَوْمٍ فَجَعُوا حُمَّرَةً بِأَخْذِ فِرَاخِهَا، وَذَاتَ يَوْمٍ خُصِّصَتْ دَارُ رَمْلَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ لِلضُّيُوفِ، وَذَاتَ يَوْمٍ أُكْرِمَتْ سَفَّانَةُ بِنْتُ حَاتِمٍ الطَّائِيِّ. وذات يوم اختصمت سودة وعائشة، ومرة غضبت عائشة من أم سلمة، وذات يوم كسفت الشمس، وذات يوم كان صوم عاشوراء. هذه أيام الحياة، وألوان النسيج وتداخلات الأحداث، لكل واحدة منها ذكرى، ولكل عنوان منها تاريخ، ولكل موقف فيها أشخاص. اليهود. خاض الإسلام والمسلمون صراعًا مرًا مع اليهود الحاقدين. فَإِلَيْكَ الْخَبَرُ. يهود بني قينقاع كانوا من الوقاحة بمكان. يا محمد، لا يغرنك من نفسك أنك قتلت نفراً من قريش، كانوا أغماراً لا يعرفون القتال. إنك لو قاتلتنا لعرفت أنا نحن الناس. ولم يطل الأمر، إذ أساء أحدهم لامرأة مسلمة، وناصره قومه، فكان الحصار لهم ثم استسلموا. ولولا تدخل ابن سلول لهلكوا في يوم واحد، لكن النبي صلى الله عليه وسلم قبل شفاعته فيهم، وأمرهم بالجلاء عن المدينة، وكان هذا بعد بدر. يهود بني النضير خرج إليهم النبي صلى الله عليه وسلم وبعض أصحابه، وكلمهم أن يعينوه في دية رجلين قتلهما عمرو بن أمية الضمري دون أن يشعر أن معهما عهد نبوي، وكان الواجب على اليهود المشاركة كما نصت عليه معاهدة المدينة، غير أنهم أرادوا قتل النبي صلى الله عليه وسلم بإلقاء رحى عليه ليتخلصوا منه، فلما جاءه الوحي انصرف، ثم أرسل إليهم ألا يساكنوه في المدينة، فإن رفضوا فالقتال، وأمهلهم عشرة أيام فاستجابوا، لكن ابن سلول تضامن مع موقفهم فشعروا بالاطمئنان. وهنا حل القتال، وحسم الأمر في ست ليال، وخذلهم أصحابهم، واستسلم القوم، وغادروا كسابقيهم، وكان هذا بعد أحد. يهود بني قريظة. استغل أولئك القوم تحزب الناس ضد المسلمين، فخانوا العهد وأظهروا الحقد في توقيت حرج، مما جعل النتيجة أن يحاصرهم المسلمون ويشتد الحصار، فخارت النفوس، ونزلوا على حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم، وقد نطق باجتهاده الموافق لحكم الله حليفهم سعد بن معاذ، الذي ظنوا أنه سيشفع فيهم كما شفع ابن سلول في حلفائه، فتم قتل الرجال، وسبي النساء، وقسمة الأموال، وكان هذا بعد الخندق. وذهب من ذهب إلى خيبر، فأمكن الله منهم، ونصر عباده عليهم. واقرأ في كتب التاريخ خبر ابن الهيبان لتبصر الأمر على حقيقته. ليالي مكة. في ليلة من ليالي مكة، استمع بعض كفار قريش إلى القرآن بصوت نبوي رائع، ولم يكن لكل واحد منهم علم بالآخر، فلما جمعهم الطريق. تعاهدوا ألا يفعلوا ذلك، لكنهم عادوا وعادوا، وتكرر الأمر. في ليلةٍ من ليالي مكة، أُسري بالنبي صلى الله عليه وسلم إلى بيت المقدس، ثم عُرج به إلى السماء، وفُرضت عليه الصلوات الخمس، فأما المؤمنون فصدقوه، وأما الكفار فكذبوه. في ليلةٍ من ليالي مكة، انقدح في أذهان بعض الفجرة أن يقاطعوا بني هاشم وبني المطلب، وحديث الليل صار في الصباح واقعًا أليمًا، فذاق بنو هاشم وبنو المطلب مرارات الحصار. في ليلةٍ من ليالي مكة، خرج سعد لقضاء الحاجة، وكان ضمن المؤمنين المحاصرين في الشعب، فشعر بشيء تحته، فإذا به جلد يابس، فأخذه ودقه، وتناوله طعامًا، فيا لبؤس الحال. في ليلةٍ من ليالي مكة، نام رسول الله صلى الله عليه وسلم في فراشه، وقد فقد خديجة، ربع قرن من الزمان وهي معه تضمد الجراح، وعمه أبو طالب غادر الحياة قريبًا أيضًا. في ليلةٍ من ليالي مكة. رفض الأخنس بن شريق وسهيل بن عمرو أن يجيروا النبي صلى الله عليه وسلم بعد عودته من الطائف، أما المطعم بن عدي فكان شهمًا كريمًا مجيرًا. في ليلة من ليالي مكة سمع النبي صلى الله عليه وسلم أصوات شباب من يثرب، فجلس إليهم ودعاهم للإسلام عند العقبة في منى، فأسلموا وكانوا بركة على قومهم. في ليلة من ليالي مكة كانت قريش أعدت العدة لأكبر اغتيال عرفته الدنيا، لكن الله أنقذ نبيه. في ليلة من ليالي مكة رأت عاتكة بنت عبد المطلب رؤيا أن مناديًا ينادي أن يخرج أهل الوادي إلى مصارعهم في ثلاث. في ليلة من ليالي مكة بات الناس في حزن شديد لما قدم الحيسمان الخزاعي بأخبار بدر. في ليلة من ليالي مكة أصغى زعماء قريش لعشرين يهوديًا حرضوهم على غزو المدينة. في ليلة من ليالي مكة أحزن قريش أن ألفي مسلم يعتمرون، لكن بنود صلح الحديبية تقتضي السماح بذلك. في ليلةٍ من ليالي مكة، فُجع الناس بعشرة آلاف نارٍ أوقدت قريبًا من مكة، لتصبح الدنيا على تاريخٍ مختلفٍ وزمنٍ جديد. في ليلةٍ من ليالي مكة، بات الناس وليس في أذهانهم أحلامٌ: ما تظنون أني فاعلٌ بكم؟ اذهبوا. في ليلةٍ من ليالي مكة، كانت كل الدروب والأحداث والحكايات والآمال تتحدث عن وصايا النبي الكريم للناس الذين غصت بهم فجاج مكة: لبيك اللهم لبيك. لبيك لا شريك لك لبيك، في ليلةٍ من ليالي مكة، ذاع في الناس: اليوم أكملت لكم دينكم، وأتممت عليكم نعمتي، ورضيت لكم الإسلام دينًا. وذاع في الناس: لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا. ليالي مكة كانت نسيجًا من الرضا والغضب، والقرب والبعد، والمد والجزر، والحب والكراهية. ليالي مكة شهدت الذي غادر مطاردًا قد عاد منتصرًا. ليالي مكة أكدت لكل مسلم أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسرًا. إن في القلب غصة، وفي العين دمعة، يا ليت الذين غادروا قد حضروا. مع القبائل. قال الزهري رحمه الله: كان ممن سمي لنا من القبائل الذين أتاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعاهم وعرض نفسه عليهم: بنو عامر بن صعصعة، ومحارب بن خصفة، وفزارة وغسان، ومرة وحنيفة، وسليم وعبس، وبنو نضر وبنو البكاء. وكندة وكلب، والحارث بن كعب، وعذرة والحضارمة، فلم يستجب منهم أحد. لكن عدم الاستجابة متفاوتة، فلم يكن أحد أقبح ردًّا من بني حنيفة، ولم يكن أحد ألين من كندة. وأراد بنو عامر بن صعصعة أن يكون لهم الأمر من بعده، وكاشفه بنو شيبان بأنه لا طاقة لهم بمنعه من العجم. مع الوفود. إن الوفود المنسابة إلى المدينة اليوم هي ذات القبائل النافرة عن الإسلام بالأمس، لكن النفوس التي صبرت وصابرت ورابطت، وعملت وضحت وبذلت، وأنفقت وتحدت، كان لها أن تستمتع بقدوم الوفود: مزينة وأشجع وجذام، والأشعريين ودوس، وبني ثعلبة وسليم، وعبد القيس وصداء، وثمالة والحدان، وباهلة وأسد، وعذرة وبلي، ويحنة بن رؤبة وجرباء، وأذرعة وعروة بن مسعود الثقفي وثقيف، ووفد ملوك حمير، وضمام بن ثعلبة والداريين من لخم، وبهراء وبني البكاء، وبني فزارة وثعلبة بن منقذ، وسعد هذيم، ومرة وكلاب وكنانة وتجيب، والحارث بن كعب، وعدي بن حاتم، وخولان وغامد، وغسان وجرير البجلي، وسلامان والأزد، وزبيد وفروة بن مسيك وبني حنيفة. وطي، وكندة ومحارب، والرهاويين وعبس، والصدف وقشير بن كعب والنخع، وأبي رزين لقيط بن عامر العقيلي، وأبي صفرة وأحمس، وأزد عمان، وأزد شنوءة، وأسلم وأسيد بن أبي أناس، وأعشب بن مازن، وأياد وبكر بن وائل، وبارق وبني سليم، وبني سدوس وبني عبد بن عدي، وبني كلب وتغلب، وتميم والجارود بن المعلى، وسلمة بن عياض، وجعدة وجعفي، وجهينة وجيشان، والحارث بن حسان، والحجاج بن علاط السلمي، وحضرموت، والحكم بن حزن الكلفي، وخثعم وخشين، وخفاف بن نضلة وذباب بن الحارث، ورؤاس بن كلاب، وسعد العشيرة، وطارق بن عبد الله، وعقيل بن كعب، وعامر بن صعصعة، وعنزة وغافق، وقيس بن عاصم، وكلب ومعاوية بن حيدة، ومهرة ونافع بن زيد الحميري، ونجران، وهلال بن عامر، ووائل بن حجر، وهمدان، وواثلة بن الأسقع. قدم أغلبهم في العام التاسع الهجري، وذكر المؤرخون أنهم يبلغون أربعمائة من الوفود، قدموا فرادى وجماعات. عددتهم لك هنا لتدرك حجم الفخر والأمل والألم أيضًا. لقد كان عنصر الزمن مهمًّا، وكانت النفوس المتفائلة تبذل، وكانت التضحيات تُقدَّم، فلما استكملت العدة، آمن العرب وانتصر المؤمنون. إن جزيرة العرب الآن تقف بشموخ أمام فارس والروم، رغم أن المنافقين ذات يوم شككوا في بلوغ المسلمين تلك الديار. الفرس الضائعة. لما أتى النبي صلى الله عليه وسلم بني عامر بن صعصعة، فدعاهم إلى الله وعرض عليهم نفسه، قال رجل منهم يقال له بيحرة بن فراس: والله لو أني أخذت هذا الفتى من قريش لأكلت به العرب. ثم قال له: أرأيت إن نحن تابعناك على أمرك، ثم أظهرك الله على من خالفك، أيكون لنا الأمر من بعدك؟ قال: الأمر إلى الله، يضعه حيث يشاء. فقال له: أفتهدف نحورنا للعرب دونك، فإذا ظهرت كان الأمر لغيرنا؟ لا حاجة لنا بأمرك. فلما صدر الناس، رجعت بنو عامر إلى شيخ لهم قد كانت أدركته السن حتى لا يقدر على أن يوافي معهم الموسم، فكانوا إذا رجعوا إليه حدثوه بما يكون في ذلك الموسم. فلما قدموا عليه ذلك العام سألهم عما كان في موسمهم، فقالوا: جاءنا فتى من قريش، ثم أحد بني عبد المطلب، يزعم أنه نبي، ويدعو إلى أن نمنعه ونقوم معه، ونخرج به معنا إلى بلادنا. فوضع الشيخ يده على رأسه ثم قال: يا بني عامر، هل لها من تلاف؟ هل لذناباها من مطلب؟ والذي نفس فلان بيده، ما تقولها إسماعيلي قط، وإنها لحق. فَأَيْنَ كَانَ رَأْيُكُمْ عَنْهُ؟ وَكَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعْرِضُ نَفْسَهُ عَلَى النَّاسِ بِالْمَوْقِفِ، فَيَقُولُ: هَلْ مِنْ رَجُلٍ يَحْمِلُنِي إِلَى قَوْمِهِ؟ فَإِنَّ قُرَيْشًا قَدْ مَنَعُونِي أَنْ أُبَلِّغَ كَلَامَ رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ. فَأَتَاهُ رَجُلٌ مِنْ هَمَدَانَ، فَقَالَ: مِمَّنْ أَنْتَ؟ فَقَالَ الرَّجُلُ: مِنْ هَمَدَانَ. قَالَ: فَهَلْ عِنْدَ قَوْمِكَ مِنْ مَنْعَةٍ؟ قَالَ: نَعَمْ. ثُمَّ إِنَّ الرَّجُلَ خَشِيَ أَنْ يَحْقِرَهُ قَوْمُهُ، فَأَتَى رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لَهُ: آتِيهِمْ فَأُخْبِرُهُمْ، ثُمَّ آتِيكَ مِنْ عَامٍ قَابِلٍ. قَالَ: نَعَمْ. فَانْطَلَقَ، وَجَاءَ وَفْدُ الْأَنْصَارِ فِي رَجَبٍ، وَدَعَا بَنِي كَلْبٍ فَلَمْ يَقْبَلُوا مِنْهُ، وَقَالَ شَيْخٌ مِنْهُمْ: مَا أَحْسَنَ مَا يَدْعُو إِلَيْهِ هَذَا الْفَتَى، إِلَّا أَنَّ قَوْمَهُ قَدْ بَاعَدُوهُ، وَلَوْ صَالَحَ قَوْمَهُ لَاتَّبَعَتْهُ الْعَرَبُ. اشْتَرَكَ هَؤُلَاءِ جَمِيعًا فِي إِضَاعَةِ الْفُرْصَةِ، وَأَرَى أَنْ تَسْتَزِيدَ مِنْ خَبَرِ بَنِي شَيْبَانَ وَعَبْسٍ، فَالْأُولَى نَمُوذَجٌ مُمَيَّزٌ فِي الْحِوَارِ، وَالثَّانِيَةُ تُخْبِرُكَ أَنَّ الرَّجُلَ لَا يَكُونُ إِلَّا بِقَوْمِهِ. مَاذَا لَوْ؟ هَذِهِ التَّسَاؤُلَاتُ مُجَرَّدُ اسْتِفْهَامَاتٍ مَفْتُوحَةٍ. حدثت بها نفسي، وأضعها بين يديك. ماذا لو أسلم أبو طالب؟ بل لو شط بنا الحلم، فلنا أن نتساءل: ماذا لو أسلم أبو لهب؟ ماذا لو فاز بنو شيبان بشرف نصرة النبي صلى الله عليه وسلم بدلًا من الأوس والخزرج؟ هل سيقدم حينها المثنى بن حارثة كما قدم سعد بن معاذ مثلًا؟ ماذا لو دخل اليهود الإسلام؟ وماذا لو اهتدى حليفهم عبد الله بن أبي بن سلول؟ ماذا لو اختار أزواج النبي صلى الله عليه وسلم الفراق حينما نزلت آيات التخيير؟ ماذا لو قتل أسرى بدر؟ ماذا لو انتصر المسلمون في أحد؟ ماذا لو لم يوجد الخندق حينما أقبلت الأحزاب؟ ماذا لو مات عمر مع حمزة كما أسلما معًا؟ ماذا لو كان مسيلمة صحابيًا؟ ماذا لو اختفى مصعب من المشهد؟ والسؤال الأخير سؤال نبوي: يا ويح قريش، لقد أكلتهم الحرب، ماذا عليهم لو خلوا بيني وبين سائر العرب، فإنهم أصابوني كان ذلك الذي أرادوا، وإن أظهرني الله عليهم دخلوا في الإسلام وافرين. فَمَا تَظُنُّ قُرَيْشٌ، فَوَاللهِ لَا أَزَالُ أُجَاهِدُ عَلَى الَّذِي بَعَثَنِي اللهُ بِهِ حَتَّى يُظْهِرَهُ اللهُ أَوْ تَنْفَرِدَ هَذِهِ السَّالِفَةُ. توظيف الطاقات. إن الذي يعطر عمره بقراءة فصول السيرة النبوية لن ينسى هذه المشاهد: علي بطل ليلة الهجرة، وأبو بكر رفيق الدرب إلى المدينة، وخديجة قدمت الدعم المالي والعاطفي، ومصعب سفير الإسلام، وجعفر متحدث القوم في الحبشة، وعثمان ممثل المسلمين إلى قريش، وحذيفة للسر، والسعدان ابن معاذ وابن عبادة للاستشارة، وعمر وعلي والزبير للمواقف الحاسمة، وأبو هريرة للرواية، وحسان وكعب وعبد الله بن رواحة للشعر، وثابت بن قيس بن شماس للخطابة، وخالد للقيادة، وأبي بن مسعود للإقراء، وزيد بن ثابت للفرائض، ومعاذ للفقه. وصفحات مشرقة كثيرة، تنوع في الطاقات وتوظيف لها واستثمار لكافة المواهب، فأي جمال هذا. عالم المشاهير. إن مرثد وجليبيب، والمرأة التي كانت تقوم المسجد، وعوف بن الحارث بن رفاعة، ورافع بن مالك بن العجلان، وقطبة بن عامر بن حديدة، وعقبة بن عامر بن نابي، وجابر بن عبد الله بن رئاب، وضماد الأزدي، وعياض بن حمار، وخباب بن الأرت، وأبو الهيثم بن التيهان، والبراء بن معرور، وأبو حذيفة بن عتبة، ومالك بن سنان، وعبد الله بن أنيس، وسباع بن عرفطة الغفاري، وسليط بن عمرو العامري، ومحيصة بن مسعود، والجارود بن العلاء. إن هؤلاء جميعًا لم يكونوا من الشهرة بمكان، وأنا أدعوك للتعرف عليهم حتى يقر في نفسك أن الشهرة ليست هي المجد، فقد خدم هؤلاء الدين، ونالوا شرف الصحبة، وليس لهم ضجيج. موقف واحد فقط. إن بعض الناس لا يبرزه سوى موقف واحد فقط، لكنه بألف موقف. ذهب عبد الله بن أنيس فأجهض فتنة كبرى كان يعد لها خالد الهذلي. إذ جمع الجموع للحرب، ثمامة بن أثال حلف ألا يصل إلى قريش حبة حنطة من اليمامة حتى يأذن بذلك قائد الأمة. الطفيل بن عمرو الدوسي يكفيه أن في صحيفته أبا هريرة. حفر المسلمون الخندق بمشورة الفتى الفارسي سلمان، فصد الأحزاب عن المدينة بفضل الله. عاصم بن ثابت أقسم ألا يمس مشركًا، فحماه الله منهم حيًّا وميتًا. فرق نعيم بن مسعود بين الحلفاء في معركة الخندق، فاهتزت الثقة. أبو بصير وأبو جندل. اغتربا بدينهما، ورضخت لهما كبرياء قريش. كلمات المقداد بن عمرو قبل بدر رفعت الهمم. زيد بن سعنة كان باحثًا عن الحق، لا متعصبًا ولا معاندًا. حنظلة بن أبي عامر ترك زوجته وهو حديث عهد بعرس، ملبيًا النداء الخروج إلى أحد. لا تبحث دائمًا عن تراكمات المواقف وبطولات السنين، فربما تسلية تأتي في وقت ألم تكون أجمل من الدنيا كلها، وربما مشاركة صادقة تأتي في فرح تكون أعظم من كل هتافات الزمن. صبرًا آل ياسر، فإن موعدكم الجنة، هي عبارة من عبارات الوفاء لأسرة تنكرت لها كل ألوان مكة. اللهم اهد دوسًا وأت بهم، عبارة أخرى أشرقت لها ديار دوس في جنوب جزيرة العرب. الكلمة الصادقة تصل القلب دون استئذان. الذين غادوا. يقول أنس بن مالك رضي الله عنه: بلغنا خبر بدر، وقد سوينا التراب على قبر رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم. انتصار وحزن يختلطان معًا. غادرت رقية كما غادرت قبلها أمها خديجة، قبل أن تعيش مع زوجها عصر النصر. غادر أبو طالب دون أن يظفر منه ابن أخيه بكلمة التوحيد، فبقيت غصة الألم. لما تزوج عثمان بأم كلثوم من بعد أختها رقية، لم تتسع آفاق الزمن، فلحقت بأختها. زينب، وما أدراك ما زينب. لقد كانت مع ابن خالتها الكريم، الذي كان نعم الصهر لرسول الله عليه الصلاة والسلام، لكنه بقي على دين قومه. فلما افتدته زوجته بقلادة أمها لتخلصه من الأسر، رق لها الأب الرحيم رقة شديدة. ولما تم الوداع، ولحقت بالمدينة، وجدت في الطريق من أراد الانتقام من أبيها في شخصها، فنخس البعير حتى سقطت وأسقطت جنينها. يا للآلام المتوالية، كيف تغزو القلوب. عاشت بعد ذلك ستة أعوام متأثرة بتلك الدماء التي سالت من جراء هذا السقوط، فلما أقبلت الحياة بعد إدبار، وأورقت بعد يباس، وأسلم الزوج واجتمعت الأسرة. فارقت الحياة. ما أضيق المدى، بين ولد لي الليلة ابن سميته إبراهيم، وإن العين لتدمع، وإن القلب ليحزن، وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون. لقد غادر الحياة دون أن يقطف من زهرتها شيئًا مصعب بن عمير، وحمزة وعبد الله بن جحش، وسعد بن الربيع، وأنس بن النضر، وحنظلة بن أبي عامر، وعبد الله والد جابر، ووالد حذيفة. فقد المسلمون جماعة لا أفرادًا من خيار الصحابة، في مأساة الرجيع، ومأساة بئر معونة. غادر الحياة زيد الذي كان في مقام الابن، وجعفر بن العم الذي قدم قريبًا من الحبشة، وعبد الله بن رواحة، فارس الكلمة. ذهب عن الحياة عثمان بن مظعون، فكان البكاء والتأثر، ولو قرأت المشهد لأدركت. وذهب عن الحياة أيضًا بطل الأنصار وعنوان الشموخ سعد بن معاذ، بإطلالة خاطفة على سير الذين غادروا الحياة من صفوة أحباب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ستشعر كم كان ذلك القلب قد عانى من الأحزان. وأنا حينما سجلت لك قائمة من الأسماء هنا، فإني أرغب إليك أن تقرأ سجل حياة كل واحد منهم، ليرق قلبك وتسيل دمعاتك، وتستوعب ما قدمه القوم من تضحيات. مع الآلام فرح. خرج أبو بكر الصديق قبل وفاة النبي صلى الله عليه وسلم بعام في تجارة إلى بصرى، ومعه نعيمان بن عمرو الأنصاري، وسويبط بن حرملة، وهما ممن شهد بدرا، وكان سويبط بن حرملة على الزاد، وكان نعيمان بن عمرو مزاحا، فقال لسويبط: أطعمني. فقال: لا أطعمك حتى يأتي أبو بكر. فقال نعيمان لسويبط: لأغيظنك. فمروا بقوم، فقال نعيمان لهم: تشترون مني عبدا؟ قالوا: نعم. قال: إنه عبد له كلام، وهو قائل لكم: لست بعبد، وأنا ابن عمه، فإن كان إذا قال لكم هذا تركتموه، فلا تشتروه، ولا تفسدوا علي عبدي. قالوا: لا، بل نشتريه ولا ننظر إلى قوله. فاشتروه منه بعشر قلائص، ثم جاءوا ليأخذوه، فامتنع منهم، فوضعوا في عنقه عمامة. فَقَالَ لَهُمْ: إِنَّهُ يَتَهَزَّأُ وَلَسْتُ بِعَبْدِهِ. فَقَالُوا: قَدْ أَخْبَرَنَا خَبَرَكَ وَلَمْ يَسْمَعُوا كَلَامَهُ. فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ فَأُخْبِرَ خَبَرَهُ، فَاتَّبَعَ الْقَوْمَ، فَأَخْبَرَهُمْ أَنَّهُ يَمْزَحُ، وَرَدَّ عَلَيْهِمُ الْقَلَائِصَ، وَجَاءَ بِسُوَيْبِطٍ مِنْهُمْ. فَلَمَّا قَدِمُوا عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخْبَرَهُ الْخَبَرَ، فَضَحِكَ مِنْ ذَلِكَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ حَوْلًا. وَجَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَدَخَلَ الْمَسْجِدَ وَأَنَاخَ نَاقَتَهُ بِفِنَائِهِ، فَقَالَ بَعْضُ... وأصحابُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم لنعيمانَ بنِ عمروٍ الأنصاري: لو نحرتَها فأكلناها، فإنا قد قرمنا إلى اللحم، ويغرم رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ثمنها. فنحرها النعيمان، ثم خرج الأعرابي فرأى راحلته، فصاح: واعقراه يا محمد. فخرج النبي صلى الله عليه وسلم فقال: من فعل هذا؟ قالوا: النعيمان. فاتبعه يسأل عنه، فوجده في دار ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب، قد اختفى في خندق، وجعل عليه الجريد والسعف. فأشار إليه رجل، ورفع صوته يقول: ما رأيته يا رسول الله، وأشار بإصبعه حيث هو. فأخرجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد تغير وجهه بالسعف الذي سقط عليه، فقال له: ما حملك على ما صنعت؟ قال: الذين دلوك علي يا رسول الله هم الذين أمروني. فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح عن وجهه ويضحك، ثم غرمها صلى الله عليه وسلم. إنما سقت لك هذا الخبر لتعلم أن مع الدمعة بسمة، ومع الآلام فرح، ومع الجراح مزاح. الأعداء. لم يكن الأعداء لونًا واحدًا، فأبو جهل عدو حاقد، وأبو لهب متغطرس، وقد اعترف أبو جهل بصدق خصمه، لكن العناد والكبر فعلا ما فعلا في نفسه، وعتبة بن ربيعة متذبذب، فقد ناقش النبي صلى الله عليه وسلم، وعرض عليه أمورًا، ورأى في النهاية أن تلزم قريش الحياد، لكنهم ما أطاعوه، بل حاول أن يوقف الدماء قبل أن تسيل، لكن أبا جهل ألبأ شدَّ التأليب، ويكفيك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن يكن في القوم خير ففي صاحب الجمال الأحمر، وعقبة بن أبي معيط وجد حرجًا ألا يأكل محمد من طعامه حتى يدخل في الإسلام، فاستجاب، ثم أثَّر عليه صاحبه أمية بن خلف فتراجع، وأبو العاص بن الربيع كان نعم الصهر رغم شركه، واهتدى بعد ذلك، وخالد بن الوليد حارب ثم آمن، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يرى له عقلًا ورأيًا، يرجو ألا يسلمه إلا إلى خير، وعبد الله بن أبي بن سلول حاك الدسائس، واليهود خانوا وغدروا. وَالْمُطْعِمُ بْنُ عَدِيٍّ وَرِفَاقُهُ سَعَوْا فِي نَقْضِ الصَّحِيفَةِ الظَّالِمَةِ. إِنَّ مِنْ عُيُوبِنَا فِي التَّفْكِيرِ أَنْ نُصَنِّفَ النَّاسَ صِنْفًا وَاحِدًا، وَحَسْبُكَ مَا كَانَ فِي أُحُدٍ، فَقَدْ كَانَ الْأَعْدَاءُ أَلْوَانًا، وَكَانَ الْمُسْلِمُونَ أَلْوَانًا كَذَلِكَ، فَمِنْهُمْ مَنْ هَرَبَ، وَمِنْهُمْ مَنْ مَالَ لِلْغَنِيمَةِ، وَمِنْهُمْ مَنْ دَافَعَ، وَمِنْهُمْ مَنْ اسْتَمَرَّ فِي الْقِتَالِ حَتَّى نَالَ الشَّهَادَةَ. مُفَارَقَات. كَانَ أَبُو حُذَيْفَةَ بْنُ عُتْبَةَ مَعَ الْمُسْلِمِينَ فِي بَدْرٍ، وَوَالِدُهُ عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ فِي مُعَسْكَرِ الْمُشْرِكِينَ. أَبُو عُبَيْدَةَ عَامِرُ بْنُ الْجَرَّاحِ كَانَ كَذَلِكَ مَعَ وَالِدِهِ. فِي يَوْمِ أُحُدٍ فَازَ حَنْظَلَةُ بْنُ أَبِي عَامِرٍ بِلَقَبِ غَسِيلِ الْمَلَائِكَةِ، بَيْنَمَا كَانَ أَبُو عَامِرٍ الْفَاسِقُ مَعَ الْجُيُوشِ الرَّاغِبَةِ فِي اجْتِيَاحِ الْمَدِينَةِ. جَلَسَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ وَأَبُو جَهْلٍ إِلَى أَبِي طَالِبٍ فِي آخِرِ لَحَظَاتِ الْحَيَاةِ لِتَثْبِيتِهِ عَلَى الشِّرْكِ، فَكَانَ مَا كَانَ، غَيْرَ أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ أَبِي أُمَيَّةَ أَسْلَمَ بَعْدَ ذَلِكَ. الطَّائِفُ الَّتِي رَدَّهُ قَادَتُهَا بِالْأَمْسِ، وَأَغْرَوْا بِهِ سُفَهَاءَهُمْ فَرَجَمُوهُ، أَشْرَقَتْ عَلَيْهِ شَمْسُ الْيَوْمِ وَهُوَ يُحَاصِرُهَا. لكنه لا يضيق الخناق عليها، بل يفتح الآفاق للراغبين في طي الصفحات. أبو سفيان، وخالد بن الوليد، وعكرمة بن أبي جهل، كانوا صُنَّاعًا للحدث في معركة أُحد ضد المسلمين، وكان أولئك الثلاثة هم صُنَّاع الحدث في معركة اليرموك ضد أعداء المسلمين. فضالة بن عمير أراد قتل النبي صلى الله عليه وسلم في الطواف، فكان ذلك سبب إسلامه. أخيرًا، مكة تنكرت، والمدينة آوت ونصرت وابتهجت. ليتهم أسلموا. وأنت تقلب بصرك في الأحداث، استعرض هذه الأسماء، ستشعر كما أشعر أنك تتمنى لو أسلموا. كم تمنيت لو أصبح أبو طالب بشهامته ونبله ضمن رجال الإسلام الذين نترضى عنهم اليوم. كم تمنيت لو أسلم هرقل، قيصر الروم، لا سيما أنه أدرك الحقيقة وأبصر الطريق. الأعشى، صناجة العرب، أقبل من دياره على كبر سنه محبًّا للدين، مترنمًا بقصيدة من أجمل المدائح النبوية. فلما صدته قريش بشيء من الدنيا، عاد لينظر في أمره، لكن الموت أدركه قبل أن يبلغ دياره. المطعم بن عدي. يتقطع القلب ألماً أن مثل هذا الشهم لم يسلم، هذا الرجل الذي أجار حينما تراجع آخرون، وسعى في أمر الصحيفة حينما تنكر الأقربون، وما نسي له رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا النبل، فقال في شأن بدر: لو كان المطعم بن عدي حياً ثم كلمني في هؤلاء... لَتَرَكْتُهُمْ لَهُ. والد أنس بن مالك، لما أشرقت شمس الإسلام، غادر المدينة وذهب إلى الشام، فهلك هناك. دريد بن الصمة، الشيخ الوقور، حكيم الطائف ومجرب الحروب، مات وهو يحارب الإسلام، رغم أنه يعلم صدق هذا الدين. ربما لو امتدت بك الآفاق، لتمنيت كما أتمنى أن جبل تبن الأيهم لم يرتد، وأن حاتم الطائي كان على بقايا الحنيفية على الأقل بدلًا من النصرانية المشربة بالوثنية. وربما آخرون في التاريخ، تمنينا ألا يغادروا الحياة وهم على غير هذا الدين، كجستاف لوبون، وبرناردشو، ومانديلا. ما ضر هؤلاء جميعًا لو أنهم ولجوا إلى رحاب الإيمان والحب والفلاح؟ ولا نقول إلا كقول الله لخليله: إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ. ومعاذ الله أن نتسخط على الله، وما طوفت بك بين هذه الأسماء إلا لأقرر عندك مبدأً راسخًا: التوفيق بيد الله. فصول العام. التصور فصول العام في العهد النبوي على ما يلي: كانت فترة الشِّعب على مدى ثلاث سنوات، كالصيف في حرارته وشدة وطأته. أما أواخر العهد المكي فكانت كالخريف، فالأوراق تتساقط، والأجواء تتغير تمهيدًا للقادم. وجاءت أيام أحد والأحزاب واليهود باردة حسيًا ومعنويًا، فلم يكن شتاءً عابرًا في الحياة. فإن سألتني عن الربيع، فأراه تلك الوفود التي قدمت من أنحاء جزيرة العرب، مقرةً بالتوحيد، معترفةً بالرسالة، راضيةً بالإسلام. ثم كانت حجة الوداع، فكمل الدين وتمت النعمة. توقيعات الصحابة. قال أبو بكر عن حبيبه: شرب حتى ارتويت. وقال عمر: فأنت الآن أحب إليَّ حتى من نفسي. وقال كعب بن ربيعة الأسلمي: أسألك مرافقتك في الجنة. وقال سهيل بن عمرو: وفدت على الملوك، فما رأيت أحدًا يعظم أحدًا كما يعظم أصحاب محمد محمدًا. وقال أبو هريرة. أوصاني خليلي بثلاث: بصيام ثلاثة أيام من كل شهر، وركعتي الضحى، وأن أوتر قبل أن أنام. وقال جرير بن عبد الله البجلي: ما رآني رسول الله إلا تبسم في وجهي. وقالت امرأة من بني دينار: أصيب زوجها وأخوها وأبوها بأحد، ما فعل رسول الله؟ قالوا: خيرًا، هو بحمد الله كما تحبين. قالت: أرونيه حتى أنظر. فلما رأته قالت: كل مصيبة بعدك جلل. وقالت عائشة: ما خُيِّر رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثمًا. وقال ابن عمر: ما رأيت أنجد ولا أجود ولا أشجع ولا أضوأ وأوضأ من رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال معاوية بن الحكم السلمي: بأبي هو وأمي، ما رأيت معلمًا قبله ولا بعده أحسن تعليمًا منه. وقال البراء بن عازب: كان النبي صلى الله عليه وسلم ينقل معنا التراب يوم الأحزاب. وقال كعب: إن الرسول لنور يُستضاء به، مهند من سيوف الله مسلول. وقال حسان: وما فقد الماضون مثل محمد، ولا مثله حتى القيامة يفقد. وقال ثوبان: يا رسول الله، ما بي ضر ولا وجع، غير أني إذا لم أرك اشتقت إليك، واستوحشت وحشة شديدة حتى ألقاك. فذكرت الآخرة، وأخاف ألا أراك هناك؛ لأني عرفت أنك ترفع مع النبيين، وأني إن دخلت الجنة كنت في منزلة هي أدنى من منزلتك، وإن لم أدخل لا أراك أبداً. هذه مشاعر ناطقة، وأحاسيس صادقة، نبعت من قلوب فياضة بالحب، فكيف إن كان المحبوب أعظم بشر؟ فإن وجدت من نفسك شعوراً مرهفاً، فأقبل على كلماتهم، وتأمل عباراتهم، فالحب كل الحب هنا. أورقت بعد يباس. ذكر البخاري أن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه أتي بطعام وكان صائماً، فقال: قتل مصعب بن عمير وهو خير مني، كفن في بردة، إن غطي رأسه بدت رجلاه، وإن غطي رجلاه بدا رأسه. وقتل حمزة، وهو خير مني، ثم بسط لنا من الدنيا ما بسط، أو قال: أعطينا من الدنيا ما أعطينا، وقد خشينا أن تكون حسناتنا عُجِّلت لنا، ثم جعل يبكي حتى ترك الطعام. لقد شعر الصحابة الذين امتدت بهم الحياة بالفرق الهائل بين ما كان وما يعيشونه الآن، لكن ذلك لم يغير الاتجاه، أو يطمس المبدأ، أو ينسهم سمو الهدف. لقد كتب لهؤلاء أن يعيشوا حتى يستمتعوا برؤية بلال يؤذن فوق ظهر الكعبة، ويشهدوا مراسلة... النبي صلى الله عليه وسلم لملوك الروم والفرس والحبشة ومصر واليمن ونجد والبحرين وعمان والشام. قصة حلم. يحدثنا عن هذا الحلم أبو أيوب الأنصاري. لما أعز الله الإسلام وكثر ناصروه، قال بعضنا لبعض: إن أموالنا قد ضاعت، وإن الله قد أعز الإسلام وكثر ناصروه، فلو أقمنا في أموالنا فأصلحنا ما ضاع منها. لقد رأى الأنصار بعد سنوات القتال المر، وجراحات أُحد وآلام الأحزاب، ومشقة جيش العسرة، أنه حان الوقت للالتفات إلى بساتينهم التي فقدت رونقها حينما شغل أصحابها بالجهاد في سبيل الله. لقد عانوا كثيراً من أُحد إلى الخندق، إلى اليهود، إلى خيبر، إلى مكة، إلى الطائف، إلى تبوك. إن رغبة الأنصار تلك كرغبة الرجل الذي أنهى سنوات خدمته في العمل، وهو يود أن يعود إلى مراتع ومرابع الحياة الأولى ليقضي فيها ما تبقى له من عمر. كان الأنصار يحلمون بإعادة الحياة إلى حدائقهم التي شغلهم عنها نصرة الدين. كان الأنصار يحلمون بحياة هانئة بعد أن سخروا كل طاقاتهم في خدمة الدين. كان الأنصار يحلمون بالعودة بعد أن قدموا أعز رجالاتهم عبر سلسلة الأحداث الطويلة. لكن الله خاطبهم: ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة. لا تنشغلوا، وجزاؤكم مكفول وأجركم ثابت، وسيخلف الله عليكم. صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم: آية الإيمان حب الأنصار. الصنابحي. أصله من حمير، أقبل إلى المدينة يحث خطاه. إنها أجمل دقائق العمر وأحلى أماني الحياة. سيصل إلى أعظم إنسان. ربما كان يحدث نفسه بطول الصحبة وأنس المجالسة وبسمات المحبة. إنه عبد الرحمن بن عسيلة الصنابحي. أسرع ولا تتأخر، فقد عاد الناس من الحج وتفرقوا في ديار العرب، والأخبار أتتك عن عظمة الدين وجمال الوحي وسمو الرسالة. إنه في الجحفة اقترب من المدينة، ما بقي إلا القليل. وصل إلى المدينة. لكن ما ترى رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل وصوله بخمس ليال. لو كان لإنسان في الدنيا أن يتفطر قلبه، لكان لهذا الرجل النبيل، الذي لم يكن بينه وبين إدراك شرف الصحبة سوى خمس ليال. ختاماً، كتبت إليك اليوم معلناً الحب، مؤكداً للوفاء، ناشراً معاني الفضيلة في كل واد. بعض الغياب حضور في مشاعرنا، كم يسكن القلب أقوام وإن غابوا. أحسبك قد قرأت فصول السيرة العطرة، واستوعبت أبوابها، واستنشقت أريجها، وما فقد الماضيون مثل محمد، ولا مثله حتى القيامة يفقد. فإن غمرك الحب كما غمرني، وحدثك كما حدثني، فأبحر مع هذه الصفحات، وتابع لنفسك ولي معك الدعوات، وأكثر على الحبيب النجيب الأريب من الصلوات. عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: لما كان اليوم الذي دخل فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة. أضاء منها كل شيء، فلما كان اليوم الذي مات فيه أظلم منها كل شيء، وما نفضنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الأيدي، وإنا لفي دفنه حتى أنكرنا قلوبنا.