(16)
نص الحلقة
بسم الله الرحمن. في ليلةٍ من ليالي مكة، استمع بعض كفار قريش إلى القرآن بصوتٍ نبويٍّ رائع، ولم يكن لكل واحدٍ منهم علمٌ بالآخر، فلما جمعهم الطريق تعاهدوا ألا يفعلوا ذلك، لكنهم عادوا وعادوا، وتكرر الأمر. في ليلةٍ من ليالي مكة، أُسري بالنبي صلى الله عليه وسلم إلى بيت المقدس، ثم عُرج به إلى السماء، وفُرضت عليه الصلوات الخمس، فأما المؤمنون فصدقوه، وأما الكفار فكذبوه. في ليلةٍ من ليالي مكة، انقدح في أذهان بعض الفجرة أن يقاطعوا بني هاشم وبني المطلب، وحديث الليل صار في الصباح واقعًا أليمًا، فذاق بنو هاشم وبنو المطلب مرارات الحصار. في ليلةٍ من ليالي مكة، خرج سعد لقضاء الحاجة، وكان ضمن المؤمنين المحاصرين في الشعب، فشعر بشيءٍ تحته، فإذا به جلد يابس، فأخذه ودقه، وتناوله طعامًا، فيا لبؤس الحال. في ليلةٍ من ليالي مكة، نام رسول الله صلى الله عليه وسلم في فراشه. وقد فقد خديجة، ربع قرن من الزمان وهي معه تضمد الجراح، وعمه أبو طالب غادر الحياة قريبًا أيضًا. في ليلة من ليالي مكة، رفض الأخنس بن شريق وسهيل بن عمرو أن يجيروا النبي صلى الله عليه وسلم بعد عودته من الطائف، أما المطعم بن عدي فكان شهمًا كريمًا مجيرًا. في ليلة من ليالي مكة، سمع النبي صلى الله عليه وسلم أصوات شباب من يثرب، فجلس إليهم ودعاهم للإسلام عند العقبة في منى، فأسلموا وكانوا بركة على قومهم. في ليلة من ليالي مكة، كانت قريش أعدت العدة لأكبر اغتيال عرفته الدنيا، لكن الله أنقذ نبيه. في ليلة من ليالي مكة، رأت عاتكة بنت عبد المطلب رؤيا أن مناديًا ينادي أن يخرج أهل الوادي إلى مصارعهم في ثلاث. في ليلة من ليالي مكة، بات الناس في حزن شديد لما قدم الحيثمان الخزاعي بأخبار بدر. في ليلة من ليالي مكة، أصغى زعماء قريش لعشرين يهوديًا حرضوهم على غزو المدينة. في ليلةٍ من ليالي مكة، أحزن قريشًا أن ألفي مسلمٍ يعتمرون، لكن بنود صلح الحديبية تقتضي السماح بذلك. في ليلةٍ من ليالي مكة، فُجع الناس بعشرة آلاف نارٍ أوقدت قريبًا من مكة، لتصبح الدنيا على تاريخٍ مختلفٍ وزمنٍ جديد. في ليلةٍ من ليالي مكة، بات الناس وليس في أذهانهم أحلامٌ، ما تظنون أني فاعلٌ بكم؟ اذهبوا. في ليلةٍ من ليالي مكة، كانت كل الدروب والأحداث والحكايات والآمال تتحدث عن وصايا النبي الكريم للناس الذين غصت بهم فجاج مكة. لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك. في ليلةٍ من ليالي مكة، بات الناس، اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينًا. وبات الناس، لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا. ليالي مكة كانت نسيجًا من الرضا والغضب، والقرب والبعد، والمد والجزر، والحب والكراهية. ليالي مكة شهدت الذي غادر مطارداً قد عاد منتصراً. ليالي مكة أكدت لكل مسلم أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسراً. إن في القلب غصة، وفي العين دمعة، يا ليت الذين غادروا قد حضروا.