الحلقة (049) كتاب التوبة (049)
نص الحلقة
بسم الله الرحمن الرحيم. كتاب التوبة. باب في الحض على التوبة والفرح بها. حدثني سويد بن سعيد، حدثنا حفص بن ميسرة، حدثني زيد بن أسلم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: قال الله عز وجل: أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه حيث يذكرني، والله لله أفرح بتوبة عبده من أحدكم يجد ضالته بالفلاة، ومن تقرب إلي شبرا تقربت إليه ذراعا، ومن تقرب إلي ذراعا تقربت إليه باعا، وإذا أقبل إلي يمشي أقبلت إليه أهرول. حدثني عبد الله بن مسلمة بن قعنب القعنبي، حدثنا المغيرة يعني ابن عبد الرحمن الحزامي، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لله أشد فرحا بتوبة أحدكم من أحدكم بضالته إذا وجدها. وحدثنا محمد بن رافع، حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن همام بن منبه، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم بمعناه. حدثنا عثمان بن أبي شيبة وإسحاق بن إبراهيم، واللفظ لعثمان، قال إسحاق: أخبرنا، وقال عثمان: حدثنا جرير، عن الأعمش، عن عمارة بن عمير، عن الحارث بن سويد قال. دخلت على عبد الله أعوده وهو مريض، فحدثنا بحديثين، حديثًا عن نفسه وحديثًا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لَلَّهُ أشد فرحًا بتوبة عبده المؤمن من رجل في أرض دوية مهلكة، معه راحلته عليها طعامه وشرابه، فنام فاستيقظ وقد ذهبت، فطلبها حتى أدركه العطش، ثم قال: أرجع إلى مكاني الذي كنت فيه فأنام حتى أموت. فوضع رأسه على ساعده ليموت، فاستيقظ وعنده راحلته وعليها زاده وطعامه وشرابه، فالله أشد فرحًا بتوبة العبد المؤمن من هذا براحلته وزاده. وحدثناه أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا يحيى بن آدم، عن قطبة بن عبد العزيز، عن الأعمش بهذا الإسناد، وقال: من رجل بداوية من الأرض. وحدثني إسحاق بن منصور، حدثنا أبو أسامة، حدثنا الأعمش، حدثنا عمارة بن عمير قال: سمعت الحارث بن سويد قال: حدثني عبد الله حديثين، أحدهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم والآخر عن نفسه، فقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لَلَّهُ أشد فرحًا بتوبة عبده المؤمن بمثل حديث جرير. حدثنا عبيد الله بن معاذ العنبري، حدثنا أبي، حدثنا أبو يونس عن سماك قال: خطب النعمان بن بشير فقال: لَلَّهُ أشد فرحًا بتوبة عبده من رجل حمل زاده ومزاده على بعير، ثم سار حتى كان بفلاة من الأرض فأدركته القائلة، فنزل فقال تحت شجرة، فغلبته عينه وانسل بعيره، فاستيقظ فسعى شرفًا فلم ير شيئًا، ثم سعى شرفًا ثانيًا فلم ير شيئًا، ثم سعى شرفًا ثالثًا فلم ير شيئًا، فأقبل حتى أتى مكانه الذي قال فيه، فبينما هو قاعد إذ جاءه بعيره يمشي حتى وضع خطامه في يده، فلله أشد فرحًا بتوبة العبد من هذا حين وجد بعيره على حاله. قال سماك فزعم الشعبي أن النعمان رفع هذا الحديث إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وأما أنا فلم أسمعه. حدثنا يحيى بن يحيى وجعفر بن حميد، قال جعفر حدثنا وقال يحيى أخبرنا، عبيد الله بن إياد بن لقيط عن إياد، عن البراء بن عازب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كيف تقولون بفرح رجل فلتت منه راحلته تجر زمامها بأرض قفر ليس بها طعام ولا شراب، وعليها له طعام وشراب، فطلبها حتى شق عليه. ثم مرت بجذل شجرة، فتعلق زمامها، فوجدها متعلقة به، قلنا: شديدًا يا رسول الله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما والله، لله أشد فرحًا بتوبة عبده من الرجل براحلته. قال جعفر: حدثنا عبيد الله بن إياد عن أبيه. حدثنا محمد بن الصباح وزهير بن حرب قالا: حدثنا عمر بن يونس، حدثنا عكرمة بن عمار، حدثنا إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، حدثنا أنس بن مالك وهو عمه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لله أشد فرحًا بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم كان على راحلته بأرض فلاة، فانفلتت منه وعليها طعامه وشرابه، فأيس منها، فأتى شجرة فاضطجع في ظلها قد أيس من راحلته، فبينما هو كذلك إذا هو بها قائمة عنده، فأخذ بخطامها ثم قال من شدة الفرح: اللهم أنت عبدي وأنا ربك، أخطأ من شدة الفرح. حدثنا هداب بن خالد، حدثنا همام، حدثنا قتادة عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لله أشد فرحًا بتوبة عبده من أحدكم إذا استيقظ على بعيره قد أضله بأرض فلاة. وَحَدَّثَنِيهِ أَحْمَدُ الدَّارِمِيُّ، حَدَّثَنَا حَبَّانُ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمِثْلِهِ. بَابُ سُقُوطِ الذُّنُوبِ بِالِاسْتِغْفَارِ وَالتَّوْبَةِ. حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا ليث عن محمد بن قيس، قاص عمر بن عبد العزيز، عن أبي صرمة، عن أبي أيوب، أنه قال حين حضرته الوفاة: كنت كتمت عنكم شيئًا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لولا أنكم تذنبون لخلق الله خلقًا يذنبون يغفر لهم. حدثنا هارون بن سعيد الأيلي، حدثنا ابن وهب، حدثني عياض، وهو ابن عبد الله الفهري، حدثني إبراهيم بن عبيد بن رفاعة، عن محمد بن كعب القرظي، عن أبي صرمة، عن أبي أيوب الأنصاري، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: لو أنكم لم تكونوا لكم ذنوب يغفرها الله لكم، لجاء الله بقوم لهم ذنوب يغفرها لهم. حدثني محمد بن رافع، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر عن جعفر الجزري، عن يزيد بن الأصم، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: والذي نفسي بيده، لو لم تذنبوا لذهب الله بكم، ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون الله فيغفر لهم. باب فضل دوام الذكر والفكر في أمور الآخرة والمراقبة. وجواز ترك ذلك في بعض الأوقات، والاشتغال بالدنيا. حدثنا يحيى بن يحيى التيمي، وقطن بن نسير، واللفظ ليحيى، أخبرنا جعفر بن سليمان، عن سعيد بن إياس الجريري، عن أبي عثمان النهدي، عن حنظلة الأسيدي، قال: وكان من كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: لقيني أبو بكر فقال: كيف أنت يا حنظلة؟ قال: قلت: نافق حنظلة. قال: سبحان الله، ما تقول؟ قال: قلت: نكون عند رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكرنا بالنار والجنة حتى كأنا رأي عين، فإذا خرجنا من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات، فنسينا كثيرا. قال أبو بكر: فوالله إنا لنلقى مثل هذا. فانطلقت أنا وأبو بكر حتى دخلنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، قلت: نافق حنظلة يا رسول الله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وما ذاك؟ قلت: يا رسول الله، نكون عندك تذكرنا بالنار والجنة حتى كأنا رأي عين، فإذا خرجنا من عندك عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات، نسينا كثيرا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: والذي نفسي بيده، إن لو تدومون على ما تكونون عندي، وفي الذكر، لصافحتكم الملائكة على فرشكم وفي طرقكم، ولكن يا حنظلة، ساعة وساعة، ثلاث مرات. حدثني إسحاق بن منصور، أخبرنا عبد الصمد، سمعت أبي يحدث، حدثنا سعيد الجريري، عن أبي عثمان النهدي، عن حنظلة قال: كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوعظنا فذكر النار. قال: ثم جئت إلى البيت فضاحكت الصبيان ولاعبت المرأة. قال: فخرجت فلقيت أبا بكر، فذكرت ذلك له، فقال: وأنا قد فعلت مثل ما تذكر. فلقينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: يا رسول الله نافق حنظلة. فقال: مه. فحدثته بالحديث، فقال أبو بكر: وأنا قد فعلت مثل ما فعل. فقال: يا حنظلة، ساعة وساعة، ولو كانت تكون قلوبكم كما تكون عند الذكر، لصافحتكم الملائكة حتى تسلم عليكم في الطرق. حدثني زهير بن حرب، حدثنا الفضل بن دكين، حدثنا سفيان، عن سعيد الجريري، عن أبي عثمان النهدي، عن حنظلة التميمي الأسيدي الكاتب قال: كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم، فذكرنا الجنة والنار، فذكر نحو حديثهما. باب في سعة رحمة الله تعالى وأنها سبقت غضبه. حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا المغيرة يعني الحزامي، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة. أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لما خلق الله الخلق كتب في كتابه فهو عنده فوق العرش، إن رحمتي تغلب غضبي. حدثني زهير بن حرب، حدثنا سفيان بن عيينة عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال الله عز وجل: سبقت رحمتي غضبي. حدثنا علي بن خشرم، أخبرنا أبو ضمرة عن الحارث بن عبد الرحمن عن عطاء بن مينا عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لما قضى الله الخلق كتب في كتابه على نفسه، فهو موضوع عنده، إن رحمتي تغلب غضبي. حدثنا حرملة بن يحيى التجيبي، أخبرنا ابن وهب، أخبرني يونس عن ابن شهاب أن سعيد بن المسيب أخبره أن أبا هريرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: جعل الله الرحمة مئة جزء، فأمسك عنده تسعة وتسعين، وأنزل في الأرض جزءًا واحدًا، فمن ذلك الجزء تتراحم الخلائق، حتى ترفع الدابة حافرها عن ولدها خشية أن تصيبه. حدثنا يحيى بن أيوب وقتيبة وابن حجر، قالوا: حدثنا إسماعيل يعني ابن جعفر، عن العلاء عن أبيه عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال. خلق الله مئة رحمة، فوضع واحدة بين خلقه، وخبأ عنده مئة إلا واحدة. حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير، حدثنا أبي، حدثنا عبد الملك عن عطاء، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن لله مئة رحمة. أنزل منها رحمةً واحدةً بين الجن والإنس والبهائم والهوام، فبها يتعاطفون، وبها يتراحمون، وبها تعطف الوحش على ولدها، وأخر الله تسعًا وتسعين رحمةً يرحم بها عباده يوم القيامة. حدثني الحكم بن موسى، حدثنا معاذ بن معاذ، حدثنا سليمان التيمي، حدثنا أبو عثمان النهدي، عن سلمان الفارسي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن لله مئة رحمة، فمنها رحمة بها يتراحم الخلق بينهم، وتسعة وتسعون ليوم القيامة. وحدثناه محمد بن عبد الأعلى، حدثنا المعتمر عن أبيه بهذا الإسناد. حدثنا ابن نمير، حدثنا أبو معاوية، عن داود بن أبي هند، عن أبي عثمان، عن سلمان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله خلق يوم خلق السماوات والأرض مئة رحمة، كل رحمة طباق ما بين السماء والأرض، فجعل منها في الأرض رحمة، فبها تعطف الوالدة على ولدها، والوحش والطير بعضها على بعض، فإذا كان يوم القيامة أكملها بهذه الرحمة. حدثني الحسن بن علي الحلواني، ومحمد بن سهل التميمي، واللفظ لحسن. حدثنا ابن أبي مريم، حدثنا أبو غسان، حدثني زيد بن أسلم عن أبيه، عن عمر بن الخطاب أنه قال: قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبي، فإذا امرأة من السبي تبتغي، إذا وجدت صبيا في السبي أخذته فألصقته ببطنها وأرضعته، فقال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: أترون هذه المرأة طارحة ولدها في النار؟ قلنا: لا والله، وهي تقدر على أن لا تطرحه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لله أرحم بعباده من هذه بولدها. حدثنا يحيى بن أيوب، وقتيبة، وابن حجر جميعا عن إسماعيل بن جعفر، قال ابن أيوب: حدثنا إسماعيل، أخبرني العلاء عن أبيه، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لو يعلم المؤمن ما عند الله من العقوبة ما طمع بجنته أحد، ولو يعلم الكافر ما عند الله من الرحمة ما قنط من جنته أحد. حدثني محمد بن مرزوق بن بنت مهدي بن ميمون، حدثنا روح، حدثنا مالك عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: قال رجل لم يعمل حسنة قط لأهله: إذا مات فحرقوه، ثم ذروا نصفه في البر ونصفه في البحر. فَوَاللهِ لَئِنْ قَدَرَ اللهُ عَلَيْهِ لَيُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا لَا يُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ. فَلَمَّا مَاتَ الرَّجُلُ فَعَلُوا مَا أَمَرَهُمْ، فَأَمَرَ اللهُ الْبَرَّ فَجَمَعَ مَا فِيهِ، وَأَمَرَ الْبَحْرَ فَجَمَعَ مَا فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: لِمَ فَعَلْتَ هَذَا؟ قَالَ: مِنْ خَشْيَتِكَ يَا رَبِّ، وَأَنْتَ أَعْلَمُ، فَغَفَرَ اللهُ لَهُ. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ عَبْدٌ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ ابْنُ رَافِعٍ: وَاللَّفْظُ لَهُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، قَالَ: قَالَ لِي الزُّهْرِيُّ: أَلَا أُحَدِّثُكَ بِحَدِيثَيْنِ عَجِيبَيْنِ؟ قَالَ الزُّهْرِيُّ: أَخْبَرَنِي حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: أَسْرَفَ رَجُلٌ عَلَى نَفْسِهِ، فَلَمَّا حَضَرَهُ الْمَوْتُ أَوْصَى بَنِيهِ فَقَالَ: إِذَا أَنَا مُتُّ فَأَحْرِقُونِي، ثُمَّ اسْحَقُونِي، ثُمَّ ذَرُونِي فِي الرِّيحِ فِي الْبَحْرِ، فَوَاللهِ لَئِنْ قَدَرَ عَلَيَّ رَبِّي لَيُعَذِّبَنِي عَذَابًا مَا عَذَّبَهُ بِهِ أَحَدًا. قَالَ: فَفَعَلُوا ذَلِكَ بِهِ، فَقَالَ لِلْأَرْضِ: أَدِّي مَا أَخَذْتِ، فَإِذَا هُوَ قَائِمٌ، فَقَالَ لَهُ: مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا صَنَعْتَ؟ فَقَالَ: خَشْيَتُكَ يَا رَبِّ، أَوْ قَالَ: مَخَافَتُكَ، فَغَفَرَ لَهُ بِذَلِكَ. قَالَ الزُّهْرِيُّ: وَحَدَّثَنِي حُمَيْدٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: دَخَلَتِ امْرَأَةٌ النَّارَ فِي هِرَّةٍ رَبَطَتْهَا، فَلَا هِيَ أَطْعَمَتْهَا، وَلَا هِيَ أَرْسَلَتْهَا تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الْأَرْضِ حَتَّى مَاتَتْ هَزْلًا. قال الزهري: ذلك لألا يتكل رجل ولا ييأس رجل. حدثني أبو الربيع سليمان بن داود، حدثنا محمد بن حرب، حدثني الزبيدي، قال الزهري: حدثني حميد بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: أسرف عبد على نفسه، بنحو حديث معمر إلى قوله: فغفر الله له، ولم يذكر حديث المرأة في قصة الهرة. وفي حديث الزبيدي قال: فقال الله عز وجل: لكل شيء أخذ منه شيئًا، الدماء أخذت منه. حدثني عبيد الله بن معاذ العنبري، حدثنا أبي، حدثنا شعبة عن قتادة، سمع عقبة بن عبد الغافر يقول: سمعت أبا سعيد الخدري يحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم أن رجلًا فيمن كان قبلكم راشه الله مالًا وولدًا، فقال لولده: لتفعلن ما آمركم به أو لأولين ميراثي غيركم، إذا أنا مت فأحرقوني، وأكثروا علمي أنه قال: ثم اسحقوني وذروني في الريح، فإني لم أبتهر عند الله خيرًا، وإن الله يقدر علي أن يعذبني. قال: فأخذ منهم ميثاقًا، ففعلوا ذلك به وربي، فقال الله: ما حملك على ما فعلت؟ فقال: مخافتك. قال: فما تلافاه غيرها. وَحَدَّثَنَاهُ يَحْيَى بْنُ حَبِيبِ بْنِ الْحَارِثِيِّ، حَدَّثَنَا مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: قَالَ لِي أَبِي، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، حا، وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، حا، وَحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ. هما عن قتادة، ذكروا جميعا بإسناد شعبة نحو حديثه، وفي حديث شيبان وأبي عوانة: أن رجلا من الناس رغسه الله مالا وولدا، وفي حديث التيمي: فإنه لم يبتئر عند الله خيرا. قال فسرها قتادة: لم يدخر عند الله خيرا. وفي حديث شيبان: فإنه والله ما ابتأر عند الله خيرا. وفي حديث أبي عوانة: ممتئر بالميم. باب قبول التوبة من الذنوب، وإن تكررت الذنوب والتوبة. حدثني عبد الأعلى بن حماد، حدثنا حماد بن سلمة، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن عبد الرحمن بن أبي عمرة، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يحكي عن ربه عز وجل قال: أذنب عبد ذنبا، فقال: اللهم اغفر لي ذنبي. فقال تبارك وتعالى: أذنب عبدي ذنبا، فعلم أن له ربا يغفر الذنب ويأخذ بالذنب، ثم عاد فأذنب، فقال: أي رب اغفر لي ذنبي. فقال تبارك وتعالى: عبدي أذنب ذنبا، فعلم أن له ربا يغفر الذنب ويأخذ بالذنب، ثم عاد فأذنب فقال: أي رب اغفر لي ذنبي. فقال تبارك وتعالى: عبدي أذنب ذنبا، فعلم أن له ربا يغفر الذنب ويأخذ بالذنب، اعمل ما شئت فقد غفرت لك. قال عبد الأعلى: لا أدري أقال في الثالثة أو الرابعة: اعمل ما شئت. قال أبو أحمد: حدثني محمد بن زنجويه القرشي القشيري، حدثنا عبد الأعلى بن حماد النرسي بهذا الإسناد. حدثني عبد بن حميد، حدثني أبو الوليد، حدثنا همام، حدثنا إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، قال: كان بالمدينة قاص يقال له عبد الرحمن بن أبي عمرة، قال: فسمعته يقول: سمعت أبا هريرة يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن عبدا أذنب ذنبا، بمعنى حديث حماد بن سلمة، وذكر ثلاث مرات: أذنب ذنبا، وفي الثالثة: قد غفرت لعبدي فليعمل ما شاء. حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة عن عمرو بن مرة، قال: سمعت أبا عبيدة يحدث عن أبي موسى، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن الله عز وجل يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، حتى تطلع الشمس من مغربها. وحدثنا محمد بن بشار، حدثنا أبو داود، حدثنا شعبة بهذا الإسناد نحوه. بابُ غَيْرَةِ اللهِ تَعَالَى وَتَحْرِيمِ الفَوَاحِشِ. حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ إِسْحَاقُ أَخْبَرَنَا وَقَالَ عُثْمَانُ حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَيْسَ أَحَدٌ أَحَبَّ إِلَيْهِ المَدْحُ مِنَ اللهِ، مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ مَدَحَ نَفْسَهُ، وَلَيْسَ أَحَدٌ أَغْيَرَ مِنَ اللهِ، مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ حَرَّمَ الفَوَاحِشَ. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالَا حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ ح، وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَاللَّفْظُ لَهُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ وَأَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَا أَحَدٌ أَغْيَرُ مِنَ اللهِ، وَلِذَلِكَ حَرَّمَ الفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ، وَلَا أَحَدٌ أَحَبَّ إِلَيْهِ المَدْحُ مِنَ اللهِ. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَا حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا وَائِلٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ مَسْعُودٍ يَقُولُ، قُلْتُ لَهُ: أَأَنْتَ سَمِعْتَهُ مِنْ عَبْدِ اللهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَرَفَعَهُ، أَنَّهُ قَالَ: لَا أَحَدٌ أَغْيَرُ مِنَ اللهِ، وَلِذَلِكَ حَرَّمَ الفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ، وَلَا أَحَدٌ أَحَبَّ إِلَيْهِ المَدْحُ مِنَ اللهِ، وَلِذَلِكَ مَدَحَ نَفْسَهُ. حدثنا عثمان بن أبي شيبة وزهير بن حرب وإسحاق بن إبراهيم، قال إسحاق: أخبرنا، وقال الآخران: حدثنا جرير، عن الأعمش، عن مالك بن الحارث، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ليس أحد أحب إليه المدح من الله عز وجل، من أجل ذلك مدح نفسه، وليس أحد أغير من الله، من أجل ذلك حرم الفواحش، وليس أحد أحب إليه العذر من الله، من أجل ذلك أنزل الكتاب وأرسل الرسل. حدثنا عمرو الناقد، حدثنا إسماعيل بن إبراهيم بن علية، عن حجاج بن أبي عثمان قال: قال يحيى، وحدثني أبو سلمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله يغار، وإن المؤمن يغار، وغيرة الله أن يأتي المؤمن ما حرم عليه. قال يحيى: وحدثني أبو سلمة أن عروة بن الزبير حدثه أن أسماء بنت أبي بكر حدثته أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ليس شيء أغير من الله عز وجل. حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا أبو داود، حدثنا أبان بن يزيد وحرب بن شداد، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم. بمثل رواية حجاج حديث أبي هريرة خاصة، ولم يذكر حديث أسماء. وحدثنا محمد بن أبي بكر المقدمي، حدثنا بشر بن المفضل عن هشام، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن عروة، عن أسماء، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: لا شيء أغير من الله عز وجل. ثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا عبد العزيز، يعني ابن محمد، عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: المؤمن يغار، والله أشد غيرة. وحدثنا محمد بن المثنى، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، قال: سمعت العلاء بهذا الإسناد. باب قوله تعالى: إن الحسنات يذهبن السيئات. حدثنا قتيبة بن سعيد وأبو كامل، فضيل بن حسين الجحدري، كلاهما عن يزيد بن زريع، واللفظ لأبي كامل. حدثنا يزيد، حدثنا التيمي، عن أبي عثمان، عن عبد الله بن مسعود، أن رجلاً أصاب من امرأة قبلة، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له، قال: فنزلت: أقم الصلاة طرفي النهار وزلفاً من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين. قال فقال الرجل: ألي هذه يا رسول الله؟ قال: لمن عمل بها من أمتي. حدثنا محمد بن عبد الأعلى، حدثنا المعتمر عن أبيه، حدثنا أبو عثمان، عن ابن مسعود، أن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر أنه أصاب من امرأة إما قبلة أو مساً بيده أو شيئاً، كأنه يسأل عن كفارتها، قال: فأنزل الله عز وجل، ثم ذكر بمثل حديث يزيد. حدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا جرير عن سليمان التيمي بهذا الإسناد، قال: أصاب رجل من امرأة شيئًا دون الفاحشة، فأتى عمر بن الخطاب فعظم عليه، ثم أتى أبا بكر فعظم عليه، ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر بمثل حديث يزيد والمعتمر. حدثنا يحيى بن يحيى وقتيبة بن سعيد وأبو بكر بن أبي شيبة واللفظ ليحيى، قال يحيى: أخبرنا، وقال الآخران: حدثنا أبو الأحوص عن سماك عن إبراهيم عن علقمة والأسود عن عبد الله قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إني عالجت امرأة في أقصى المدينة، وإني أصبت منها ما دون أن أمسها، فأنا هذا، فاقض في ما شئت. فقال له عمر: لقد سترك الله لو سترت نفسك. قال: فلم يرد النبي صلى الله عليه وسلم شيئًا، فقام الرجل فانطلق، فأتبعه النبي صلى الله عليه وسلم رجلًا دعاه، وتلا عليه هذه الآية: أقم الصلاة طرفي النهار وزلفًا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين. فقال رجل من القوم: يا نبي الله، هذا له خاصة؟ قال: بل للناس كافة. حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا أبو النعمان الحكم بن عبد الله العجلي، حدثنا شعبة عن سماك بن حرب، قال: سمعت إبراهيم يحدث عن خاله الأسود عن عبد الله، عن النبي صلى الله عليه وسلم، بمعنى حديث أبي الأحوص، وقال في حديثه، فقال معاذ: يا رسول الله، هذا لهذا خاصة أو لنا عامة؟ قال: بل لكم عامة. حدثنا الحسن بن علي الحلواني، حدثنا عمرو بن عاصم، حدثنا همام عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، أصبت حدا فأقمه علي. قال: وحضرت الصلاة، فصلى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما قضى الصلاة قال: يا رسول الله، إني أصبت حدا فأقم في كتاب الله. قال: هل حضرت الصلاة معنا؟ قال: نعم. قال: قد غفر لك. حدثنا نصر بن علي الجهضمي، وزهير بن حرب، واللفظ لزهير، قالا: حدثنا عمر بن يونس، حدثنا عكرمة بن عمار، حدثنا شداد، حدثنا أبو أمامة، قال: بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد ونحن قعود معه، إذ جاء رجل فقال: يا رسول الله، إني أصبت حدا فأقمه علي. فسكت عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم أعاد فقال: يا رسول الله، إني أصبت حدا فأقمه علي. فسكت عنه وأقيمت الصلاة، فلما انصرف نبي الله صلى الله عليه وسلم قال أبو أمامة: فاتبع الرجل رسول الله صلى الله عليه وسلم حين انصرف، واتبعت رسول الله صلى الله عليه وسلم أنظر ما يرد على الرجل، فلحق الرجل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إني أصبت حدا فأقمه علي. قال أبو أمامة: فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: أرأيت حين خرجت من بيتك أليس قد توضأت فأحسنت الوضوء؟ قال: بلى يا رسول الله. قال: ثم شهدت الصلاة معنا؟ فقال: نعم يا رسول الله. قال: فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: فإن الله قد غفر لك حدك، أو قال: ذنبك. باب قبول توبة القاتل وإن كثر قتله. حدثنا محمد بن المثنى ومحمد بن بشار، واللفظ لابن المثنى، قالا: حدثنا معاذ بن هشام، حدثني أبي عن قتادة، عن أبي الصديق، عن أبي سعيد الخدري، أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: كان فيمن كان قبلكم رجل قتل تسعة وتسعين نفسا، فسأل عن أعلم أهل الأرض، فدل على راهب، فأتاه فقال: إنه قتل تسعة وتسعين نفسا، فهل له من توبة؟ فقال: لا. فقتله، فكمل به مئة. ثم سأل عن أعلم أهل الأرض، فدل على رجل عالم، فقال: إنه قتل مئة نفس، فهل له من توبة؟ فقال: نعم، ومن يحول بينه وبين التوبة؟ انطلق إلى أرض كذا وكذا، فإن بها أناسًا يعبدون الله. فاعبدِ اللهَ معهم، ولا ترجع إلى أرضك فإنها أرض سوء. فانطلق حتى إذا نصف الطريق أتاه الموت، فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، فقالت ملائكة الرحمة: جاء تائبًا مقبلًا بقلبه إلى الله، وقالت ملائكة العذاب: إنه لم يعمل خيرًا قط. فأتاهم ملك في صورة آدمي فجعلوه بينهم، فقال: قيسوا ما بين الأرضين، فإلى أيتهما كان أدنى فهو له. فقاسوه فوجدوه أدنى إلى الأرض التي أراد، فقبضته ملائكة الرحمة. قال قتادة: فقال الحسن: ذُكر لنا أنه لما أتاه الموت نأى بصدره. حدثني عبيد الله بن معاذ العنبري، حدثنا أبي، حدثنا شعبة عن قتادة، أنه سمع أبا الصديق الناجي، عن أبي سعيد الخدري، عن النبي صلى الله عليه وسلم، أن رجلًا قتل تسعةً وتسعين نفسًا، فجعل يسأل: هل له من توبة؟ فأتى راهبًا فسأله فقال: ليست لك توبة، فقتل الراهب، ثم جعل يسأل، ثم خرج من قرية إلى قرية فيها قوم صالحون، فلما كان في بعض الطريق أدركه الموت، فنأى بصدره، ثم مات، فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، فكان إلى القرية الصالحة أقرب منها بشبر، فجعل من أهلها. حدثنا محمد بن بشار، حدثنا ابن أبي عدي، حدثنا شعبة عن قتادة بهذا الإسناد نحو حديث معاذ بن معاذ، وزاد فيه: فأوحى الله إلى هذه أن تباعدي، وإلى هذه أن تقربي. حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا أبو أسامة عن طلحة بن يحيى، عن أبي بردة عن أبي موسى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا كان يوم القيامة دفع الله عز وجل إلى كل مسلم يهوديًا أو نصرانيًا، فيقول: هذا فكاكك من النار. حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا عفان بن مسلم، حدثنا همام، حدثنا قتادة، أن عونًا وسعيد بن أبي بردة حدثاه أنهما شهدا أبا بردة يحدث عمر بن عبد العزيز عن أبيه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا يموت رجل مسلم إلا أدخل الله مكانه النار يهوديًا أو نصرانيًا. قال: فاستحلفه عمر بن عبد العزيز بالله الذي لا إله إلا هو ثلاث مرات أن أباه حدثه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فحلف له. قال: فلم يحدثني سعيد أنه استحلفه، ولم ينكر على عون قوله. حدثنا إسحاق بن إبراهيم ومحمد بن المثنى جميعًا عن عبد الصمد بن عبد الوارث، أخبرنا همام، حدثنا قتادة بهذا الإسناد نحو حديث عفان، وقال: عون بن عتبة. حدثنا محمد بن عمرو بن عباد بن جبلة بن أبي رواد، حدثنا حرمي بن عمارة، حدثنا شداد أبو طلحة الراسبي، عن غيلان بن جرير، عن أبي بردة عن أبيه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: يجيء يوم القيامة ناس من المسلمين بذنوب أمثال الجبال، فيغفرها الله لهم ويضعها على اليهود والنصارى فيما أحسب أنا. قال أبو روح: لا أدري ممن الشك. قال أبو بردة: فحدثت به عمر بن عبد العزيز فقال: أبوك حدثك هذا عن النبي صلى الله عليه وسلم؟ قلت: نعم. حدثنا زهير بن حرب، حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، عن هشام الدستوائي، عن قتادة، عن صفوان بن محرز قال: قال رجل لابن عمر: كيف سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في النجوى؟ قال: سمعته يقول: يدنى المؤمن يوم القيامة من ربه عز وجل حتى يضع عليه كنفه، فيقرره بذنوبه، فيقول: هل تعرف؟ فيقول: أي رب أعرف. قال: فإني قد سترتها عليك في الدنيا، وإني أغفرها لك اليوم، فيعطى صحيفة حسناته، وأما الكفار والمنافقون فينادى بهم على رؤوس الخلائق: هؤلاء الذين كذبوا على الله. باب حديث توبة كعب بن مالك وصاحبيه. حدثني أبو الطاهر أحمد بن عمرو بن عبد الله بن عمرو بن سرح، مولى بني أمية، أخبرني ابن وهب، أخبرني يونس عن ابن شهاب، قال: ثم غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم غزوة تبوك، وهو يريد الروم ونصارى العرب بالشام. قال ابن شهاب: فأخبرني عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك أن عبد الله بن كعب كان قائد كعب من بنيه حين عمي، قال: سمعت كعب بن مالك يحدث حديثه حين تخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك. قال كعب بن مالك: لم أتخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة غزاها قط إلا في غزوة تبوك، غير أني قد تخلفت في غزوة بدر، ولم يعاتب أحدا تخلف عنه، إنما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون يريدون عير قريش حتى جمع الله بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد، ولقد شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة حين توافقنا على الإسلام، وما أحب أن لي بها مشهد بدر، وإن كانت بدر أذكر في الناس منها. وكان من خبري حين تخلفت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك أني لم أكن قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنه في تلك الغزوة. والله ما جمعت قبلها راحلتين قط حتى جمعتهما في تلك الغزوة، فغزاها رسول الله صلى الله عليه وسلم في حر شديد. استقبل سفراً بعيداً ومفازاً، واستقبل عدواً كثيراً، فجلا للمسلمين أمرهم ليتأهبوا أهبة غزوهم، فأخبرهم بوجههم الذي يريد، والمسلمون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم كثير، ولا يجمعهم كتاب حافظ يريد بذلك الديوان. قال كعب: فقل رجل يريد أن يتغيب يظن أن ذلك سيخفى له ما لم ينزل فيه وحي من الله عز وجل. وغزا رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك الغزوة حين طابت الثمار والظلال، فأنا إليها أصعر، فتجهز رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون معه، وطفقت أغدو لكي أتجهز معهم، فأرجع ولم أقض شيئاً، وأقول في نفسي: أنا قادر على ذلك إذا أردت، فلم يزل ذلك يتمادى بي حتى استمر بي الناس الجد، فأصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم غادياً والمسلمون معه، ولم أقض من جهازي شيئاً، ثم غدوت فرجعت ولم أقض شيئاً، فلم يزل ذلك يتمادى بي حتى أسرع وتفارط الغزو، فهممت أن أرتحل فأدركهم، فيا ليتني فعلت، ثم لم يقدر ذلك لي، فطفقت إذا خرجت في الناس بعد خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم يحزنني أني لا أرى لي أسوة إلا رجلاً مغموصاً عليه في النفاق، أو رجلاً ممن عذر الله من الضعفاء. ولم يذكرني رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بلغ تبوك، فقال وهو جالس في القوم بتبوك: ما فعل كعب بن مالك؟ قال رجل من بني سلمة: يا رسول الله، حبسه برداه والنظر في عطفيه. فقال له معاذ بن جبل: بئس ما قلت، والله يا رسول الله ما علمنا عليه إلا خيرًا. فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم. فبينما هو على ذلك رأى رجلًا مبيضًا يزول به السراب، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كن أبا خيثمة. فإذا هو أبو خيثمة الأنصاري، وهو الذي تصدق بصاع التمر حين لمزه المنافقون. فقال كعب بن مالك: فلما بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد توجه قافلًا من تبوك حضرني بثي، فطفقت أتذكر الكذب وأقول: بم أخرج من سخطه غدًا؟ وأستعين على ذلك كل ذي رأي من أهلي. فلما قيل لي: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أظل قادمًا، زاح عني الباطل حتى عرفت أني لن أنجو منه بشيء أبدًا، فأجمعت صدقه. وصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم قادمًا، وكان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد فركع فيه ركعتين ثم جلس للناس. فلما فعل ذلك جاءه المخلفون، فطفقوا يعتذرون إليه ويحلفون له، وكانوا بضعةً وثمانين رجلاً، فقبل منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم علانيتهم، وبايعهم واستغفر لهم، ووكل سرائرهم إلى الله حتى جئت، فلما سلمت تبسم تبسم المغضب، ثم قال: تعال. فجئت أمشي حتى جلست بين يديه، فقال لي: ما خلفك؟ ألم تكن قد ابتعت ظهرك؟ قال: قلت: يا رسول الله، إني والله لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت أني سأخرج من سخطه بعذر، ولقد أوتيت جدلاً، ولكنني والله لقد علمت لئن حدثتك اليوم حديث كذب ترضى به عني، ليوشكن الله أن يسخطك علي، ولئن حدثتك حديث صدق تجد علي فيه، إني لأرجو فيه عقبى الله، والله ما كان لي عذر، والله ما كنت قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنك. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما هذا فقد صدق، فقم حتى يقضي الله فيك. فقمت، وثار رجال من بني سلمة فاتبعوني، فقالوا لي: والله ما علمناك أذنبت ذنباً قبل هذا، لقد عجزت في أن لا تكون اعتذرت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بما اعتذر به إليه المخلفون، فقد كان كافيك ذنبك استغفار رسول الله صلى الله عليه وسلم لك. قال فوالله ما زالوا يؤنبونني حتى أردت أن أرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأكذب نفسي. قال ثم قلت لهم: هل لقي هذا معي من أحد؟ قالوا نعم، لقيه معك رجلان. قالا مثل ما قلت، فقيل لهما مثل ما قيل لك. قال قلت: من هما؟ قالوا مرارة بن الربيع العامري، وهلال بن أمية الواقفي. قال فذكروا لي رجلين صالحين قد شهدا بدرا فيهما أسوة. قال فمضيت حين ذكروهما لي. قال ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين عن كلامنا أيها الثلاثة من بين من تخلف عنه. قال فاجتنبنا الناس، وقال: تغيروا لنا حتى تنكرت لي في نفسي الأرض، فما هي بالأرض التي أعرف. فلبثنا على ذلك خمسين ليلة. فأما صاحباي فاستكانا وقعدا في بيوتهما يبكيان، وأما أنا فكنت أشب القوم وأجلدهم، فكنت أخرج فأشهد الصلاة وأطوف في الأسواق ولا يكلمني أحد، وآتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم عليه وهو في مجلسه بعد الصلاة، فأقول في نفسي: هل حرك شفتيه برد السلام أم لا؟ ثم أصلي قريبا منه وأسارقه النظر، فإذا أقبلت على صلاتي نظر إلي. وَإِذَا الْتَفَتُّ نَحْوَهُ أَعْرَضَ عَنِّي، حَتَّى إِذَا طَالَ ذَلِكَ عَلَيَّ مِنْ جَفْوَةِ الْمُسْلِمِينَ، مَشَيْتُ حَتَّى تَسَوَّرْتُ جِدَارَ حَائِطِ أَبِي قَتَادَةَ، وَهُوَ ابْنُ عَمِّي وَأَحَبُّ النَّاسِ إِلَيَّ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَوَاللَّهِ مَا رَدَّ عَلَيَّ السَّلَامَ، فَقُلْتُ لَهُ: يَا أَبَا قَتَادَةَ، أَنْشُدُكَ بِاللَّهِ، هَلْ تَعْلَمَنَّ أَنِّي أُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ؟ قَالَ فَسَكَتَ، فَعُدْتُ فَنَاشَدْتُهُ فَسَكَتَ، فَعُدْتُ فَنَاشَدْتُهُ، فَقَالَ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ. أعلم، ففاضت عيناي، وتوليت حتى تسورت الجدار، فبينا أنا أمشي في سوق المدينة إذا نبطي من نبط أهل الشام ممن قدم بالطعام يبيعه بالمدينة، يقول: من يدل على كعب بن مالك؟ قال: فطفق الناس يشيرون له إلي، حتى جاءني فدفع إلي كتابًا من ملك غسان، وكنت كاتبًا، فقرأته فإذا فيه: أما بعد، فإنه قد بلغنا أن صاحبك قد جفاك، ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة، فالحق بنا نواسك. قال: فقلت حين قرأتها، وهذه أيضًا من البلاء، فتيممت بها التنور فسجرتها بها، حتى إذا مضت أربعون من الخمسين، واستلبث الوحي إذا رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتيني، فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرك أن تعتزل امرأتك. قال: فقلت: أطلقها أم ماذا أفعل؟ قال: لا، بل اعتزلها فلا تقربنها. قال: فأرسل إلى صاحبي بمثل ذلك. قال: فقلت لامرأتي: الحقي بأهلك فكوني عندهم حتى يقضي الله في هذا الأمر. قال: فجاءت امرأة هلال بن أمية رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت له: يا رسول الله، إن هلال بن أمية شيخ ضائع ليس له خادم. فَهَلْ تَكْرَهُ أَنْ آخُذَ مَعَهُ؟ قال: لا، ولكن لا يقربنك. فقالت: إنه والله ما به حركة إلى شيء، ووالله ما زال يبكي منذ كان من أمره ما كان إلى يومه هذا. قال: فقال لي بعض أهلي: لو استأذنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في امرأتك، فقد أذن لامرأته هلال بن أمية أن تخدمه. قال: فقلت: لا أستأذن فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما يدريني ماذا يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا استأذنته فيها وأنا رجل شاب. قال: فلبثت بذلك عشر ليال، فكمل لنا خمسون ليلة من حين نهي عن كلامنا. قال: ثم صليت صلاة الفجر صباح خمسين ليلة على ظهر بيت من بيوتنا، فبينا أنا جالس على الحال التي ذكر الله عز وجل منا، قد ضاقت علي نفسي، وضاقت علي الأرض بما رحبت، سمعت صوت صارخ أوفى على سلع يقول بأعلى صوته: يا كعب بن مالك، أبشر. قال: فخررت ساجدا، وعرفت أن قد جاء فرج. قال: فآذن رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس بتوبة الله علينا حين صلى صلاة الفجر، فذهب الناس يبشروننا، فذهب قبل صاحبي مبشرون، وركض رجل إلي فرسا، وسعى ساع من أسلم قبلي، وأوفى الجبل، فكان الصوت أسرع من الفرس. فلما جاءني الذي سمعت صوته يبشرني، فنزعت له ثوبي فكسوتهما إياه ببشارته، والله ما أملك غيرهما يومئذ، واستعرت ثوبين فلبستهما، فانطلقت أتأمم رسول الله صلى الله عليه وسلم، يتلقاني الناس فوجًا فوجًا يهنئونني بالتوبة ويقولون: لتهنئك توبة الله عليك، حتى دخلت المسجد، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس في المسجد وحوله الناس، فقام طلحة بن عبيد الله يهرول حتى صافحني وهنأني، والله ما قام رجل من المهاجرين غيره، قال فكان كعب لا ينساها لطلحة. قال كعب: فلما سلمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال وهو يبرق وجهه من السرور ويقول: أبشر بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك. قال فقلت: أمن عندك يا رسول الله أم من عند الله؟ فقال: لا، بل من عند الله. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سر استنار وجهه كأن وجهه قطعة قمر، قال وكنا نعرف ذلك. قال فلما جلست بين يديه قلت: يا رسول الله، إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله وإلى رسوله صلى الله عليه وسلم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أمسك بعض مالك فهو خير لك. قال فقلت فإني أمسك سهمي الذي بخيبر، قال وقلت يا رسول الله، إن الله إنما أنجاني بالصدق، وإن من توبتي ألا أحدث إلا صدقًا ما بقيت. قال فوالله ما علمت أن أحدًا من المسلمين أبلاه الله في صدق الحديث منذ ذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يومي هذا أحسن مما أبلاني الله به، والله ما تعمدت كذبة منذ قلت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يومي هذا، وإني لأرجو أن يحفظني الله فيما بقي. قال فأنزل الله عز وجل: لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم ثم تاب عليهم إنه بهم رؤوف رحيم، وعلى الثلاثة الذين خلفوا حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم حتى بلغ يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين. قال كعب: والله ما أنعم الله علي من نعمة قط بعد إذ هداني الله للإسلام أعظم في نفسي من صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا أكون كذبته فأهلك كما هلك الذين كذبوا. إِنَّ اللَّهَ قَالَ لِلَّذِينَ كَذَبُوا حِينَ أَنْزَلَ الْوَحْيَ شَرَّ مَا قَالَ لِأَحَدٍ، وَقَالَ اللَّهُ: سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ، فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ، إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ. يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ، فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ. قَالَ كَعْبٌ: كُنَّا خُلِّفْنَا. اثْنَا أَيُّهَا الثَّلَاثَةَ عَنْ أَمْرِ أُولَئِكَ الَّذِينَ قَبِلَ مِنْهُمْ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ حَلَفُوا لَهُ، فَبَايَعَهُمْ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ، وَأَرْجَأَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمْرَنَا حَتَّى قَضَى اللهُ فِيهِ، فَبِذَلِكَ قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا، وَلَيْسَ الَّذِي ذَكَرَ اللهُ مِمَّا خُلِّفْنَا تَخَلُّفَنَا عَنِ الْغَزْوِ، وَإِنَّمَا هُوَ تَخْلِيفُهُ إِيَّانَا وَإِرْجَاؤُهُ أَمْرَنَا عَمَّنْ حَلَفَ لَهُ وَاعْتَذَرَ إِلَيْهِ فَقَبِلَ مِنْهُ. وَحَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا حُجَيْنُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، بِإِسْنَادِ يُونُسَ عَنِ الزُّهْرِيِّ سَوَاءً. وَحَدَّثَنِي عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُسْلِمٍ، ابْنُ أَخِي الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَمِّهِ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ الزُّهْرِيِّ، أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ عُبَيْدَ اللهِ بْنَ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، وَكَانَ قَائِدَ كَعْبٍ حِينَ عَمِيَ، قَالَ: سَمِعْتُ كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ يُحَدِّثُ حَدِيثَهُ حِينَ تَخَلَّفَ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ وَزَادَ فِيهِ عَلَى يُونُسَ، فَكَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَلَّمَا يُرِيدُ غَزْوَةً إِلَّا وَرَّى بِغَيْرِهَا حَتَّى كَانَتْ تِلْكَ الْغَزْوَةُ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِي حَدِيثِ ابْنِ أَخِي الزُّهْرِيِّ أَبَا خَيْثَمَةَ وَلُحُوقَهُ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَحَدَّثَنِي سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَعْيَنَ، حَدَّثَنَا مَعْقِلٌ وَهُوَ ابْنُ عُبَيْدِ اللهِ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ عَمِّهِ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ كَعْبٍ، وَكَانَ قَائِدَ كَعْبٍ حِينَ أُصِيبَ بَصَرُهُ، وَكَانَ أَعْلَمَ قَوْمِهِ وَأَوْعَاهُمْ لِأَحَادِيثِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ، وَهُوَ أَحَدُ الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ تِيبَ عَلَيْهِمْ، يُحَدِّثُ أَنَّهُ لَمْ يَتَخَلَّفْ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزْوَةٍ غَزَاهَا قَطُّ غَيْرَ غَزْوَتَيْنِ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ وَقَالَ فِيهِ: وَغَزَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِنَاسٍ كَثِيرٍ يَزِيدُونَ عَلَى عَشَرَةِ آلَافٍ، وَلَا يَجْمَعُهُمْ دِيوَانٌ حَافِظٌ. بَابٌ فِي حَدِيثِ الْإِفْكِ وَقَبُولِ تَوْبَةِ الْقَاذِفِ. حَدَّثَنَا حِبَّانُ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، أَخْبَرَنَا يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ الْأَيْلِيُّ، ح، وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ ابْنُ رَافِعٍ: حَدَّثَنَا، وَقَالَ الْآخَرَانِ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، وَالسِّيَاقُ حَدِيثُ مَعْمَرٍ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدٍ وَابْنِ رَافِعٍ، قَالَ يُونُسُ وَمَعْمَرٌ جَمِيعًا عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ وَعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ وَعَلْقَمَةُ بْنُ وَقَّاصٍ وَعُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ قَالَ لَهَا أَهْلُ الْإِفْكِ مَا قَالُوا، فَبَرَّأَهَا اللهُ مِمَّا قَالُوا. وَكُلُّهُمْ حَدَّثَنِي طَائِفَةً مِنْ حَدِيثِهَا، وَبَعْضُهُمْ كَانَ أَوْعَى لِحَدِيثِهَا مِنْ بَعْضٍ، وَأَثْبَتَ اقْتِصَاصًا، وَقَدْ وَعَيْتُ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمُ الْحَدِيثَ الَّذِي حَدَّثَنِي، وَبَعْضُ حَدِيثِهِمْ يُصَدِّقُ بَعْضًا. ذَكَرُوا أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ سَفَرًا أَقْرَعَ بَيْنَ نِسَائِهِ، فَأَيَّتُهُنَّ خَرَجَ سَهْمُهَا خَرَجَ بِهَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَهُ. قَالَتْ عَائِشَةُ: فَأَقْرَعَ بَيْنَنَا فِي غَزْوَةٍ غَزَاهَا، فَخَرَجَ فِيهَا سَهْمِي، فَخَرَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَذَلِكَ بَعْدَمَا أُنْزِلَ الْحِجَابُ، فَأَنَا أُحْمَلُ فِي هَوْدَجِي وَأُنْزَلُ فِيهِ مَسِيرَنَا، حَتَّى إِذَا فَرَغَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ غَزْوِهِ وَقَفَلَ وَدَنَوْنَا مِنَ الْمَدِينَةِ، آذَنَ لَيْلَةً بِالرَّحِيلِ، فَقُمْتُ حِينَ آذَنُوا بِالرَّحِيلِ، فَمَشَيْتُ حَتَّى جَاوَزْتُ الْجَيْشَ، فَلَمَّا قَضَيْتُ مِنْ شَأْنِي أَقْبَلْتُ إِلَى الرَّحْلِ، فَلَمَسْتُ صَدْرِي، فَإِذَا عِقْدِي مِنْ جَزْعِ ظَفَارَ قَدِ انْقَطَعَ، فَرَجَعْتُ فَالْتَمَسْتُ عِقْدِي فَحَبَسَنِي ابْتِغَاؤُهُ، وَأَقْبَلَ الرَّهْطُ الَّذِينَ كَانُوا يَرْحَلُونَ لِي، فَحَمَلُوا هَوْدَجِي فَرَحَلُوهُ عَلَى بَعِيرِيَ الَّذِي كُنْتُ أَرْكَبُ، وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنِّي فِيهِ. قَالَتْ: وَكَانَتِ النِّسَاءُ إِذْ ذَاكَ خِفَافًا لَمْ يُهَبَلْنَ وَلَمْ يَغْشَهُنَّ اللَّحْمُ، إِنَّمَا يَأْكُلْنَ الْعُلْقَةَ مِنَ الطَّعَامِ. فَلَمْ يَسْتَنْكِرِ الْقَوْمُ ثِقَلَ الْهَوْدَجِ حِينَ رَحَلُوهُ وَرَفَعُوهُ، وَكُنْتُ جَارِيَةً حَدِيثَةَ السِّنِّ، فَبَعَثُوا الْجَمَلَ وَسَارُوا، وَوَجَدْتُ عِقْدِي بَعْدَمَا اسْتَمَرَّ الْجَيْشُ، فَجِئْتُ مَنَازِلَهُمْ وَلَيْسَ بِهَا دَاعٍ وَلَا مُجِيبٌ، فَتَيَمَّمْتُ مَنْزِلِيَ الَّذِي كُنْتُ فِيهِ، وَظَنَنْتُ أَنَّ الْقَوْمَ سَيَفْقِدُونَنِي فَيَرْجِعُونَ إِلَيَّ، فَبَيْنَا أَنَا جَالِسَةٌ فِي مَنْزِلِي غَلَبَتْنِي عَيْنِي فَنِمْتُ، وَكَانَ صَفْوَانُ بْنُ الْمُعَطَّلِ السُّلَمِيُّ ثُمَّ الذَّكْوَانِيُّ قَدْ عَرَّسَ مِنْ وَرَاءِ الْجَيْشِ فَادَّلَجَ، فَأَصْبَحَ عِنْدَ مَنْزِلِي، فَرَأَى سَوَادَ إِنْسَانٍ نَائِمٍ، فَأَتَانِي فَعَرَفَنِي حِينَ رَآنِي، وَقَدْ كَانَ يَرَانِي قَبْلَ أَنْ يُضْرَبَ الْحِجَابُ عَلَيَّ، فَاسْتَيْقَظْتُ بِاسْتِرْجَاعِهِ حِينَ عَرَفَنِي، فَخَمَّرْتُ وَجْهِي بِجِلْبَابِي، وَوَاللَّهِ مَا يُكَلِّمُنِي كَلِمَةً وَلَا سَمِعْتُ مِنْهُ كَلِمَةً غَيْرَ اسْتِرْجَاعِهِ، حَتَّى أَنَاخَ رَاحِلَتَهُ، فَوَطِئَ عَلَى يَدِهَا فَرَكِبْتُهَا، فَانْطَلَقَ يَقُودُ بِالرَّاحِلَةِ حَتَّى أَتَيْنَا الْجَيْشَ بَعْدَمَا نَزَلُوا مُوغِرِينَ فِي نَحْرِ الظَّهِيرَةِ، فَهَلَكَ مَنْ هَلَكَ فِي شَأْنِي، وَكَانَ الَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ، فَقَدِمْنَا الْمَدِينَةَ فَاشْتَكَيْتُ حِينَ قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ شَهْرًا، وَالنَّاسُ يُفِيضُونَ فِي قَوْلِ أَهْلِ الْإِفْكِ، وَلَا أَشْعُرُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، وَهُوَ يُرِيبُنِي فِي وَجَعِي أَنِّي لَا أَعْرِفُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اللُّطْفَ الَّذِي كُنْتُ أَرَى مِنْهُ حِينَ أَشْتَكِي. إنما يدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم فيسلم ثم يقول: كيف تيكم؟ فذاك يريبني، ولا أشعر بالشر حتى خرجت بعد ما نقهت. خرجت معي أم مصطح قبل المناصع، وهو متبرزنا، ولا نخرج إلا ليلا إلى ليل، وذلك قبل أن نتخذ الكنف قريبا من بيوتنا، وأمرنا أمر العرب الأول في التنزه، وكنا نتأذى بالكنف أن نتخذها عند بيوتنا، فانطلقت أنا وأم مصطح، وهي بنت أبي رهم بن المطلب بن عبد مناف، وأمها بنت صخر بن عامر، خالة أبي بكر الصديق، وابنها مصطح بن أثاثة بن عباد بن المطلب، فأقبلت أنا وبنت أبي رهم قبل بيتي حين فرغنا من شأننا، فعثرت أم مصطح في مرطها، فقالت: تعس مصطح. فقلت لها: بئس ما قلت، أتسبين رجلا قد شهد بدرا؟ قالت: أي هنتاه، أو لم تسمعي ما قال؟ قلت: وماذا قال؟ قالت: فأخبرتني بقول أهل الإفك، فازددت مرضا إلى مرضي، فلما رجعت إلى بيتي، فدخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسلم ثم قال: كيف تيكم؟ قلت: أتأذن لي أن آتي أبوي؟ قالت: وأنا حينئذ أريد أن أتيقن الخبر من قبلهما، فأذن لي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجئت أبوي، فقلت لأمي: يا أمتاه، ما يتحدث الناس؟ فقالت: يا بنية، هوني عليك، فوالله لقلما كانت امرأة قط وضيئة عند رجل يحبها ولها ضرائر إلا كثرن عليها. قالت قلت سبحان الله، وقد تحدث الناس بهذا. قالت فبكيت تلك الليلة حتى أصبحت، لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم، ثم أصبحت أبكي، ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب وأسامة بن زيد حين استلبث الوحي يستشيرهما في فراق أهله. قالت فأما أسامة بن زيد فأشار على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالذي يعلم من براءة أهله، وبالذي يعلم في نفسه لهم من الود، فقال: يا رسول الله، هم أهلك ولا نعلم إلا خيرا. وأما علي بن أبي طالب فقال: لم يضيق الله عليك، والنساء سواها كثير. وإن تسأل الجارية تصدق. قالت فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بريرة فقال: أي بريرة، هل رأيت من شيء يريبك من عائشة؟ قالت له بريرة: والذي بعثك بالحق، إن رأيت عليها أمرا قط أغمصه عليها أكثر من أنها جارية حديثة السن، تنام عن عجين أهلها فتأتي الداجن فتأكله. قالت فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر، فاستعذر من عبد الله بن أبي بن سلول. قالت فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على المنبر: يا معشر المسلمين، من يعذرني من رجل قد بلغ أذاه في أهل بيتي. فَوَاللهِ مَا عَلِمْتُ عَلَى أَهْلِي إِلَّا خَيْرًا، وَلَقَدْ ذَكَرُوا رَجُلًا مَا عَلِمْتُ عَلَيْهِ إِلَّا خَيْرًا، وَمَا كَانَ يَدْخُلُ عَلَى أَهْلِي إِلَّا مَعِي. فَقَامَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ الْأَنْصَارِيُّ فَقَالَ: أَنَا أَعْذِرُكَ مِنْهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنْ كَانَ مِنَ الْأَوْسِ ضَرَبْنَا عُنُقَهُ، وَإِنْ كَانَ مِنْ إِخْوَانِنَا الْخَزْرَجِ أَمَرْتَنَا فَفَعَلْنَا أَمْرَكَ. قَالَتْ: فَقَامَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ، وَهُوَ سَيِّدُ الْخَزْرَجِ، وَكَانَ رَجُلًا صَالِحًا، وَلَكِنِ اجْتَهَلَتْهُ الْحَمِيَّةُ، فَقَالَ لِسَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ: كَذَبْتَ لَعَمْرُ اللَّهِ لَا تَقْتُلُهُ وَلَا تَقْدِرُ عَلَى قَتْلِهِ. فَقَامَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ، وَهُوَ ابْنُ عَمِّ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ، فَقَالَ لِسَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ: كَذَبْتَ لَعَمْرُ اللَّهِ لَنَقْتُلَنَّهُ، فَإِنَّكَ مُنَافِقٌ تُجَادِلُ عَنِ الْمُنَافِقِينَ. فَثَارَ الْحَيَّانِ الْأَوْسُ وَالْخَزْرَجُ حَتَّى هَمُّوا أَنْ يَقْتَتِلُوا، وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَائِمٌ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُخَفِّضُهُمْ حَتَّى سَكَتُوا وَسَكَتَ. قَالَتْ: وَبَكَيْتُ يَوْمَ ذَلِكَ لَا يَرْقَأُ لِي دَمْعٌ وَلَا أَكْتَحِلُ بِنَوْمٍ، ثُمَّ بَكَيْتُ لَيْلَتِي الْمُقْبِلَةَ لَا يَرْقَأُ لِي دَمْعٌ وَلَا أَكْتَحِلُ بِنَوْمٍ، وَأَبَوَايَ يَظُنَّانِ أَنَّ الْبُكَاءَ فَالِقٌ كَبِدِي. فَبَيْنَمَا هُمَا جَالِسَانِ عِنْدِي وَأَنَا أَبْكِي، اسْتَأْذَنَتْ عَلَيَّ امْرَأَةٌ مِنَ الْأَنْصَارِ فَأَذِنْتُ لَهَا، فَجَلَسَتْ تَبْكِي. قَالَتْ: فَبَيْنَا نَحْنُ عَلَى ذَلِكَ دَخَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَلَّمَ ثُمَّ جَلَسَ. قَالَتْ: وَلَمْ يَجْلِسْ عِنْدِي مُنْذُ قِيلَ لِي مَا قِيلَ، وَقَدْ لَبِثَ شَهْرًا لَا يُوحَى إِلَيْهِ فِي شَأْنِي بِشَيْءٍ. قالت فتشهد رسول الله صلى الله عليه وسلم حين جلس، ثم قال: أما بعد يا عائشة، فإنه قد بلغني عنك كذا وكذا، فإن كنت بريئة فسيبرئك الله، وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله وتوبي إليه، فإن العبد إذا اعترف بذنب ثم تاب تاب الله عليه. قالت: فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم مقالته، قال: صدمعي حتى ما أحس منه قطرة، فقلت لأبي: أجب عني رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما قال. فقال: والله ما أدري ما أقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم. فقلت لأمي: أجيبي عني رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقالت: والله ما أدري ما أقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم. فقلت: وأنا جارية حديثة السن لا أقرأ كثيرًا من القرآن، إني والله لقد عرفت أنكم قد سمعتم بهذا حتى استقر في نفوسكم وصدقتم به، فإن قلت لكم إني بريئة، والله يعلم أني بريئة، لا تصدقوني بذلك، ولئن اعترفت لكم بأمر، والله يعلم أني بريئة، لتصدقونني، وإني والله ما أجد لي ولكم مثلًا إلا كما قال أبو يوسف: فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ. قالت ثم تحولت فاضطجعت على فراشي، قالت وأنا والله حينئذ أعلم أني بريئة، وأن الله مبرئي ببراءتي، ولكن والله ما كنت أظن أن ينزل في شأني وحي يتلى، ولشأ... كان أحقر في نفسي من أن يتكلم الله عز وجل فيَّ بأمر يُتلى، ولكنني كنت أرجو أن يرى رسول الله صلى الله عليه وسلم في النوم رؤيا يبرئني الله بها. قالت: فوالله ما رام رسول الله صلى الله عليه وسلم مجلسه، ولا خرج من أهل البيت أحد، حتى أنزل الله عز وجل على نبيه صلى الله عليه وسلم، فأخذه ما كان يأخذه من البُرحاء عند الوحي، حتى إنه ليتحدر منه مثل الجمان من العرق في اليوم الشات من ثقل القول الذي أُنزل عليه. قالت: فلما سُري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يضحك، فكان أول كلمة تكلم بها أن قال: أبشري يا عائشة، أما الله فقد برأك. فقالت لي أمي: قومي إليه. فقلت: والله لا أقوم إليه، ولا أحمد إلا الله، هو الذي أنزل براءتي. قالت: فأنزل الله عز وجل: إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ عَشْرَ آيَاتٍ، فأنزل الله عز وجل هؤلاء الآيات براءتي. قالت: فقال أبو بكر، وكان ينفق على مسطح لقرابته منه وفقره: والله لا أنفق عليه شيئًا أبدًا بعد الذي قال لعائشة. فأنزل الله عز وجل: وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى إلى قوله: أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ. قال حبان بن موسى، قال عبد الله بن المبارك: هذه أرجى آية في كتاب الله. فقال أبو بكر: والله إني لأحب أن يغفر الله لي، فرجع إلى مصطح النفقة التي كان ينفق عليه، وقال: لا أنزعها منه أبداً. قالت عائشة: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم سأل زينب بنت جحش زوج النبي صلى الله عليه وسلم عن أمري: ما علمت أو ما رأيت؟ فقالت: يا رسول الله، أحمي سمعي وبصري، والله ما علمت إلا خيراً. قالت عائشة: وهي التي كانت تساميني من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، فعصمها الله بالورع، وطفقت أختها حمنة بنت جحش تحارب لها، فهلكت فيمن هلك. قال الزهري: فهذا منتهى إلينا من أمر هؤلاء الرهط. وقال في حديث يونس: احتملته الحمية. وحدثني أبو الربيع العتكي، حدثنا فليح بن سليمان، ح، وحدثنا الحسن بن علي الحلواني وعبد بن حميد، قالا: حدثنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد، حدثنا أبي عن صالح بن كيسان، كلاهما عن الزهري بمثل حديث يونس ومعمر بإسنادهما. وفي حديث فليح: اجتهلته الحمية، كما قال معمر. وفي حديث صالح: احتملته الحمية، كقول يونس. وزاد في حديث صالح قال عروة: كانت عائشة تكره أن يسب عندها حسان، وتقول: فإنه قال. فَإِنَّ أَبِي وَوَالِدَهُ وَعِرْضِي لِعِرْضِ مُحَمَّدٍ مِنْكُمْ وِقَاءٌ. وَزَادَ أَيْضًا، قَالَ عُرْوَةُ: قَالَتْ عَائِشَةُ: وَاللَّهِ إِنَّ الرَّجُلَ الَّذِي قِيلَ لَهُ مَا قِيلَ لَيَقُولُ سُبْحَانَ اللَّهِ، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا كَشَفْتُ عَنْ كَنَفِ أُنْثَى قَطُّ. قَالَتْ: ثُمَّ قُتِلَ بَعْدَ ذَلِكَ شَهِيدًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ. وَفِي حَدِيثِ يَعْقُوبَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ: مُعْرِينَ فِي نَحْرِ الظَّهِيرَةِ. وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: مُغِرِّينَ. قَالَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ: قُلْتُ لِعَبْدِ الرَّزَّاقِ: مَا قَوْلُهُ مُغِرِّينَ؟ قَالَ: الْوَغْرَةُ شِدَّةُ الْحَرِّ. حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: لَمَّا ذُكِرَ مِنْ شَأْنِ الَّذِي ذُكِرَ وَمَا عَلِمْتُ بِهِ، قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطِيبًا، فَتَشَهَّدَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ، أَشِيرُوا عَلَيَّ فِي أُنَاسٍ أَبَنُوا أَهْلِي، وَايْمُ اللَّهِ مَا عَلِمْتُ عَلَى أَهْلِي مِنْ سُوءٍ قَطُّ، وَأَبَنُوهُمْ بِمَنْ؟ وَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قَطُّ، وَلَا دَخَلَ بَيْتِي قَطُّ إِلَّا وَأَنَا حَاضِرٌ، وَلَا غِبْتُ فِي سَفَرٍ إِلَّا غَابَ مَعِي. وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِقِصَّتِهِ، وَفِيهِ: وَلَقَدْ دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْتِي، فَسَأَلَ جَارِيَتِي، فَقَالَتْ: وَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ عَلَيْهَا عَيْبًا إِلَّا أَنَّهَا كَانَتْ تَرْقُدُ حَتَّى تَدْخُلَ الشَّاةُ فَتَأْكُلَ عَجِينَهَا. أو قالت خميرها شك هشام، فانتهرها بعض أصحابه فقال: اصدقي رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أسقطوا لها به، فقالت: سبحان الله، والله ما علمت عليها إلا ما يعلم الصائغ على تبر الذهب الأحمر، وقد بلغ الأمر ذلك الرجل الذي قيل له، فقال: سبحان الله، والله ما كشفت عن كنف أنثى قط. قالت عائشة: وقتل شهيدًا في سبيل الله. وفيه أيضًا من الزيادة: وكان الذين تكلموا به مسطح وحمنة وحسان، وأما المنافق عبد الله بن أبي فهو الذي كان يستوشيه ويجمعه، وهو الذي تولى كبره وحمنة. باب براءة حرم النبي صلى الله عليه وسلم من الريبة. حدثني زهير بن حرب، حدثنا عفان، حدثنا حماد بن سلمة، أخبرنا ثابت عن أنس أن رجلًا كان يُتهم بأم ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي: اذهب فاضرب عنقه. فأتاه علي فإذا هو في ركي يتبرد فيها، فقال له علي: اخرج، فناوله يده فأخرجه، فإذا هو مجبوب ليس له ذكر، فكف علي عنه، ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إنه لمجبوب ما له ذكر.