الحديث رقم 263
نص الحلقة
في باب لين الجانب وحسن الخلق، أخرج مسلم عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا بني. قوله صلى الله عليه وسلم: يا بني، وسيأتي قوله للمغيرة: أي بني، وما ينصبك منه يعني الدجال. قال النووي: هو بفتح الياء المشددة وكسرها، وقرئ بهما في السبع، الأكثرون بالكسر وبعضهم بإسكانها. وفي هذين الحديثين جواز قول الإنسان لغير ابنه ممن هو أصغر سناً منه: يا بني، وما ينصبك منه يعني الدجال. قال: إنما هو تلطف، وإنك عندي بمنزلة ولدي في الشفقة. وكذا يقال له ولمن هو في مثل سن المتكلم: يا أخي، للمعنى المذكور. وإذا قصد التلطف كان مستحباً كما فعله النبي صلى الله عليه وسلم. وأخرج البخاري ومسلم عن أنس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن الناس خلقاً، وكان لي أخ يقال له أبو عمير، كان فطيماً، وكان إذا جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فرآه قال: أبا عمير، ما فعل النغير؟ وفي رواية: إن كان ليخالطنا حتى يقول لأخ لي صغير: يا أبا عمير، ما فعل النغير؟ لنغر كان يلعب به. وربما حضرت الصلاة وهو في بيتنا، فيأمر بالبساط الذي تحته فيكنس، ثم ينضح، ثم يقوم ونقوم خلفه فيصلي بنا. قوله: فطيم، أي فطمته أمه. والنغير تصغير النغر بوزن عمر، طائر يشبه العصفور، وقيل هي فراخ العصافير. من حسن خلقه ولين جانبه صلى الله عليه وسلم يسأل هذا الطفل الصغير عن لعبته، ويدعوه بكنيته لا باسمه صلى الله عليه وسلم. وفيه جواز تكنية من لم يولد له، وتكنية الصغير. وأخرج البخاري عن أبي تميمة الهجيمي قال: شهدت صفوان وأصحابه وجندبًا يوصيهم، فقالوا: هل سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئًا؟ قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من سمع سمع الله به يوم القيامة، ومن يشاقق يشقق الله عليه يوم القيامة. فقالوا: أوصنا. فقال: إن أول ما ينتن من الإنسان بطنه، فمن استطاع ألا يأكل إلا طيبًا فليفعل، ومن استطاع ألا يحول بينه وبين الجنة ملء كف من دم أهراقه فليفعل. صفوان هو ابن محرز بن زياد التابعي الثقة المشهور، وجندب هو ابن عبد الله البجلي الصحابي المشهور، وكان يوصيهم أيام الفتنة زمن يزيد وابن الزبير. وقوله: سمع، أي عمل للرياء والسمعة، وسمع فلان بفلان فضحه، وسمع الله به أظهر سريرته للناس وملأ أسماعهم بما يخفي. والمراد بالحديث النهي عن القول القبيح في المؤمنين، وكشف مساويهم ومشاقتهم والإضرار بهم، والأمر بلزوم جماعتهم. وتقدم في باب تعريف الإسلام ولوازمه نصيحة جندب رضي الله عنه لعسعس بن سلامة وأصحابه زمن الفتنة. وأخرج مسلم عن النواس بن سمعان رضي الله عنه قال: أقمت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة سنة، ما يمنعني من الهجرة إلا المسألة. كان أحدنا إذا هاجر لم يسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شيء. قال: فسألته عن البر والإثم، فقال: البر حسن الخلق، والإثم ما حاك في صدرك، وكرهت أن يطلع عليه الناس. النواس بن سمعان كان من أصحاب الصفة رضي الله عنهم. قال النووي: قوله ما يمنعني من الهجرة إلا المسألة، معناه أنه يكون بالمدينة كالزائر من غير نقلة إليها، رغبة في السؤال عن أمور الدين، إذ كان يسمح بذلك للطارئين دون المهاجرين. وقوله حاك في صدرك أي تحرك فيه وتردد، ولم ينشرح له صدرك، وخفت كونه ذنبًا. وأخرج البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم فاحشًا ولا متفحشًا، وكان يقول: إن من خياركم أحاسنكم أخلاقًا. الفاحش ذو الفحش في كلامه وفعاله، والمتفحش الذي يتكلف ذلك ويتعمده. وقد تكرر ذكر الفحش والفاحشة والفواحش في الحديث، وهو كل ما يشتد قبحه من الذنوب والمعاصي. وكثيرًا ما تجد الفاحشة بمعنى الزنا، وكل خصلة قبيحة فهي فاحشة من الأقوال أو الأفعال. وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والبخاري في الأدب، وابن ماجه وأبو داود والنسائي، وابن خزيمة وابن حبان، والطبراني في الكبير، والحاكم والبيهقي في السنن، والضياء المقدسي في المختارة، رحمهم الله، بسند الحسن عن أسامة بن شريك العامري قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما خير ما أُعطي الناس؟ قال: خُلُق حسن. وأخرج أحمد والترمذي وابن حبان والبيهقي في الشعب بسند الحسن عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقف على ناس جلوس فقال: ألا أخبركم بخيركم من شركم؟ فسكتوا، فقال ذلك ثلاث مرات، فقال رجل: بلى يا رسول الله، أخبرنا بخيرنا من شرنا. فقال: خيركم من يُرجى خيره ويؤمن شره، وشركم من لا يُرجى خيره ولا يؤمن شره. وأخرج أحمد والدارمي والترمذي والحاكم والبيهقي في السنن بسند الحسن عن أبي بكرة نفيع بن الحارث الثقفي رضي الله عنه أن رجلًا قال: يا رسول الله، أي الناس خير؟ قال: من طال عمره وحسن عمله. قال: فأي الناس شر؟ قال: من طال عمره وساء عمله. وأخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أكرم الناس؟ قال أتقاهم لله. قالوا ليس عن هذا نسألك. قال فأكرم الناس يوسف نبي الله ابن نبي الله ابن نبي الله ابن خليل الله. قالوا ليس عن هذا نسألك. قال فعمَّ عادٍ العرب تسألوني؟ قالوا نعم. قال فخيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا. وفي رواية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: تجدون الناس معادن، خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا، وتجدون من خير الناس أشد الناس كراهية لهذا الشأن قبل أن يقع فيه، وتجدون شر الناس ذا الوجهين، الذي يأتي هؤلاء بوجه وهؤلاء بوجه. وفي رواية: تجدون من شر الناس عند الله يوم القيامة ذا الوجهين، الذي يأتي هؤلاء بوجه وهؤلاء بوجه. قولهم معادن أي أصولًا مختلفة، والمعادن جمع معدن، وهو الشيء المستقر في الأرض، فمنه نفيس ومنه خسيس، وكذلك الناس. قال ابن حجر: قوله إذا فقهوا فيه إشارة إلى أن الشرف الإسلامي لا يتم إلا بالتفقه في الدين. وأخرج البخاري ومسلم رحمهما الله عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنما الناس كالإبل المئة لا تكاد تجد فيها راحلة. هذه رواية البخاري، ولمسلم قال: تجدون الناس كإبل مئة لا يجد الرجل فيها راحلة. الراحلة هي البعير النجيب المختار، القادر على الأحمال والأسفار. أي لا تكاد تجد في مئة إنسان إنسانًا واحدًا صالحًا مرضيًا. وكلمات الشراح متقاربة، وأفضلها قول القرطبي الذي يناسب التمثيل أن الرجل الجواد الذي يحمل أثقال الناس والحمالات عنهم ويكشف كربهم عزيز الوجود كالراحلة في الإبل الكثيرة.