الحديث رقم 296
نص الحلقة
في باب النصيحة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أخرج أحمد وابن ماجه وأبو يعلى وابن حبان والبيهقي في الشعب بسند حسن عن أبي سعيد رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن الله ليسأل العبد يوم القيامة، وفي رواية: إن أحدكم ليسأل يوم القيامة، حتى يكون فيما يسأل عنه أن يقال: ما منعك أن تنكر المنكر إذ رأيته؟ فمن لقنه الله، وفي رواية: لقاه الله حجته، قال: رب رجوتك وخفت الناس. وفي رواية: وثقت بك وفارقت من الناس. الفرق بفتح الراء: الخوف. قال ابن حجر: قال الطبري: اختلف السلف في الأمر بالمعروف، فقالت طائفة: يجب مطلقا، واحتجوا بحديث طارق بن شهاب: أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر، وبعموم قوله: من رأى منكم منكرا فليغيره بيده. وقال بعضهم: يجب إنكار المنكر، لكن شرطه أن لا يلحق المنكر بلاء لا قبل له به من قتل ونحوه. وقال آخرون: ينكر بقلبه، لحديث أم سلمة: يستعمل عليكم أمراء بعدي، فمن كره فقد برئ. قال: والصواب اعتبار الشرط المذكور، ويدل عليه حديث: لا ينبغي لمؤمن أن يذل نفسه. ثم فسره بأن يتعرض من البلاء لما لا يطيق. انتهى ملخصا. وأخرج الشيخان عن شقيق عن حذيفة رضي الله عنه قال. كنا عند عمر، فقال: أيكم يحفظ حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم في الفتنة؟ فقلت: أنا أحفظه كما قال. قال: هات، إنك لجريء. وكيف قال؟ قلت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: فتنة الرجل في أهله وماله ونفسه وولده وجاره، يكفرها الصيام والصلاة والصدقة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. فقال عمر: ليس هذا أريد، إنما أريد التي تموج كموج البحر. قلت: ما لك ولها يا أمير المؤمنين؟ إن بينك وبينها بابًا مغلقًا. قال: فيكسر الباب أو يفتح؟ قلت: لا، بل يكسر. قال: ذاك أحرى أن لا يغلق أبدًا. فقلنا لحذيفة: هل كان عمر يعلم من الباب؟ قال: نعم، كما يعلم أن دون غد الليلة. إني حدثته حديثًا ليس بالأغاليط. فهبنا أن نسأل حذيفة: من الباب؟ فقلنا لمسروق: سله، فسأله، فقال: عمر. وفي رواية قال: الباب عمر. ولمسلم عن ربيع بن حراش عن حذيفة قال: كنا عند عمر، فقال: أيكم سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر الفتن؟ فقال قوم: نحن سمعناه. فقال: لعلكم تعنون فتنة الرجل في أهله وجاره. قالوا: أجل. قال: تلك يكفرها الصلاة والصيام والصدقة، ولكن أيكم سمع النبي صلى الله عليه وسلم يذكر التي تموج موج البحر؟ قال حذيفة: فأسكت القوم. فَقُلْتُ أَنَا، قالَ: أَنْتَ لِلَّهِ أَبُوكَ. قالَ حذيفة: سمعتُ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يقول: تُعرضُ الفتنُ على القلوبِ كالحصيرِ عودًا عودًا، فأيُّ قلبٍ أُشربها نُكِتَ فيه نكتةٌ سوداء، وأيُّ قلبٍ أنكرها نُكِتَ فيه نكتةٌ بيضاء، حتى تصيرَ على قلبين: أبيضَ مثلَ الصفا، فلا تضرُّه فتنةٌ ما دامتِ السماواتُ والأرض، والآخرُ أسودُ مُرْبادًّا كالكوزِ مُجَخِّيًا، لا يعرفُ معروفًا ولا يُنكرُ منكرًا إلا ما أُشربَ من هواه. قال حذيفة: وحدَّثتُه أن بينك وبينها بابًا مُغلقًا يوشك أن يُكسر. قال عمر: أَكَسرًا لا أبا لك؟ فلو أنه فُتح لعله كان يُعاد. قال: لا، بل يُكسر. وحدَّثتُه أن ذلك الباب رجلٌ يُقتل أو يموت، حديثًا ليس بالأغاليط. قال النووي: فتنةُ الرجلِ في أهله وماله وولده ضروبٌ من فرط محبته لهم، وشحِّه عليهم، وشغله بهم عن كثيرٍ من الخير. كما قال تعالى: إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ، أو لتفريطه بما يلزم من القيام بحقوقهم وتأديبهم وتعليمهم، فإنه راعٍ لهم ومسؤولٌ عن رعيته. وكذلك فتنةُ الرجلِ في جاره من هذا، فهذه كلها فتنٌ تقتضي المحاسبة، ومنها ذنوبٌ يُرجى تكفيرها بالحسنات. قوله: أَسْكَتَ القومُ، أَسْكَتَ مثلُ سَكَتَ، ثلاثيٌّ ورباعيٌّ. وقوله: إن بينك وبينها بابًا مُغلقًا. أيان تلك الفتن لا يخرج شيء منها في حياتك، ومعناه أن عمر هو الباب، فما دام حيًّا لا تدخل الفتن، فإذا مات دخلت الفتن، وكذا كان. والمرباد من الربدة، وهي سواد مختلط بين السواد والغبرة، وقيل هو أن يكون لونه كله سوادًا، والكوز إناء بعروة، والمجخي هو المائل أو المنكوس. قال القاضي عياض: ليس تشبيهه بالصفا لبياضه، لكن لصفة أخرى، وهي سلامته من الخلل، وأن الفتن لم تلتصق به ولم تؤثر فيه، كالصفا وهو الحجر الأملس الذي لا يعلق به شيء. وأخرج مسلم عن أبي رافع مولى النبي صلى الله عليه وسلم، عن ابن مسعود، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ما من نبي بعثه الله بأمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب يأخذون بسنته ويقتدون بأمره، وفي رواية يحتدون بهديه ويستنون بسنته، ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل. قال أبو رافع: فحدثت عبد الله بن عمر فأنكره علي، فقدم ابن مسعود فنزل بقناة، فاستتبعني إليه ابن عمر يعوده. فانطلقت معه، فلما جلسنا سألت ابن مسعود عن هذا الحديث، فحدثنيه كما حدثته ابن عمر. قوله: حواريون، الحواريون هم الخاصة والأنصار. وقناة وادٍ بالمدينة لا يُصرف للعلمية والتأنيث. قال النووي: قال القاضي عياض: ورُوي بفنائه، وهو تصحيف، إنما هو بقناة. وقال أبو عمرو بن الصلاح: وأما قوله: اصبروا حتى تلقوني، فذلك حيث يلزم منه سفك الدماء أو إثارة الفتن. وما ورد في هذا الحديث من الحث على جهاد المبطلين باليد واللسان، فذلك حيث لا يلزم منه إثارة فتنة. على أن هذا الحديث مسوق فيمن سبق من الأمم، وليس في لفظه ذكر لهذه الأمة.