الحديث رقم 286
نص الحلقة
في باب الضحك والمزاح واللهو والطرب، أخرج البخاري عن عائشة رضي الله عنها قالت: زففنا امرأة إلى رجل من الأنصار، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا عائشة، أما كان معكم لهو؟ فإن الأنصار يعجبهم اللهو. سبق الحديث في كتاب النكاح، باب إعلان النكاح. وأخرج مسلم عن بريدة بن الحصيب الأسلمي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من لعب بالنردشير فكأنما صبغ يده في لحم خنزير ودمه. النرد لعبة مثل الشطرنج، فارسي معرب، وشير بمعنى حلو. شبه اللعب بهما بغمس اليد في لحم الخنزير ودمه، لكونه نجسًا، فيكون أبلغ للرغبة عنه، وهو تشبيه لتحريمه بتحريم أكلهما، وهذا نص في النرد. أما الشطرنج فمن العلماء من ألحقه به فقال: هو حرام، ومنهم من قال: مكروه. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله حين سئل عن الشطرنج: اللعب بها منه ما هو محرم متفق على تحريمه، ومنه ما هو محرم عند الجمهور ومكروه عند بعضهم، وليس من اللعب بها ما هو مباح مستوي الطرفين عند أحد من أئمة المسلمين، فإن اشتمل اللعب بها على العوض كان حرامًا بالاتفاق. قال أبو عمر بن عبد البر إمام المغرب: أجمع العلماء على أن اللعب بها على العوض قمار لا يجوز. وكذلك لو اجتمل اللاعب بها على ترك واجب أو فعل محرم، مثل أن يتضمن تأخير الصلاة عن وقتها، أو ترك ما يجب فيها من أعمالها الواجبة باطناً أو ظاهراً، فإنها حينئذ تكون حراماً باتفاق العلماء. وأخرج مالك والبخاري في الأدب والبيهقي في السنن بسند صحيح عن نافع أن ابن عمر كان إذا وجد أحداً من أهله يلعب بالنرد ضربه وكسرها. قال الله تعالى: إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم، والإذن بتضييع الأوقات والأعمار في اللعب بعيد عن التي هي أقوم، بل هو مناقض لها، وتنزه عنه شريعة الله المحكمة. وقد قال سبحانه: فخذها بقوة وأمر قومك يأخذوا بأحسنها. وقال تعالى: والله يريد أن يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلاً عظيماً. وسيأتي في باب الحشر والحساب حديث أبي برزة: لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يُسأل عن عمره فيما أفناه، وعن علمه ما فعل به، وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه، وعن جسمه فيما أبلاه. وأخرج مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا تصحب الملائكة رفقة فيها كلب ولا جرس. وفي رواية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: الجرس مزامير الشيطان. الملائكة هنا أي ملائكة الرحمة وليس الحفظة، وقوله فيها كلب أي غير الصيد والحراسة. قال النووي: والسبب في عدم مصاحبة الملائكة مع الجرس أنه شبيه بالنواقيس، أو لأنه من المعاليق المنهي عنها لكراهة صوتها، ويؤيده قوله مزامير الشيطان، وهي كراهة تنزيه. وقال جماعة من متقدمي علماء الشام: يكره الجرس الكبير دون الصغير. وقال بعض العلماء: جرس الدواب منهي عنه إذا اتخذ للهو، وأما إذا كان فيه منفعة فلا بأس. وأخرج البخاري عن أبي مالك الأشعري رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف، ولينزلن أقوام إلى جنب علم يروح عليهم بسارحة لهم، يأتيهم يعني الفقير لحاجة، فيقولون: ارجع إلينا غدا، فيبيتهم الله ويضع العلم، ويمسخ آخرين قردة وخنازير إلى يوم القيامة. أخرجه البخاري معلقا، ورد ابن الصلاح بالتفصيل دعوى ابن حزم أن الحديث منقطع، وقال: الحديث صحيح معروف الاتصال بشرط الصحيح، والبخاري قد يفعل مثل ذلك، وانظر ما نقله عنه الحافظ في الفتح عند هذا الحديث. وقال ابن تيمية مثل ذلك، والحر هو الفرج، والمراد الزنا، وفي رواية الخز وهو الحرير، وقوله سارحة لهم هي ماشيتهم، والعلم الجبل، وكل ما يهتدى به في البرية من بناء أو جدار أو غير ذلك يقال له علم. قال شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوى الكبرى: دل هذا الحديث على تحريم المعازف، والمعازف هي آلات اللهو عند أهل اللغة، وهذا اسم يتناول هذه الآلات كلها. وذهب الأئمة الأربعة إلى أن آلات اللهو كلها حرام، ولم يذكر أحد من أتباع الأئمة في آلات اللهو نزاعًا. فأما السماع المشتمل على الشبابات والدفوف المصلصلة، فمذهب الأئمة الأربعة تحريمه. وقال في بيان الدليل على بطلان التحليل: المسخ لأجل الاستحلال بالاحتيال قد جاء في أحاديث معروفة، ولعل الحديث: ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الخز والحرير والخمر والمعازف، إنما ذاك إذا استحلوا هذه المحرمات بتأويلات فاسدة، فإنهم لو استحلوها مع اعتقاد أن الرسول حرمها كانوا كفارًا، ولم يكونوا من أمته، ولو كانوا معترفين بأنها حرام لأوشك أن لا يعاقبوا بالمسخ كسائر الذين لم يزالوا يفعلون هذه المعاصي، ولما قيل فيهم يستحلون، فإن المستحل للشيء هو الذي يأخذه معتقدًا حله، فيشبه أن يكون استحلالهم الخمر يعني به أنهم يسمونها بغير اسمها، كما جاء الحديث. واستحلالهم المعازف باعتقادهم أن آلات اللهو مجرد سماع صوت فيه لذة، وهذا لا يحرم كألحان الطيور. واستحلال الحرير وسائر أنواعه باعتقادهم أنه حلال للمقاتلة، وقد سمعوا أنه يباح لبسه عند القتال عند كثير من العلماء. فقاسوا سائر أحوالهم على ذلك.