الحديث رقم 280

كتاب الأدب والتربية · المدة 9:36 · المقطع 22 من 60

☆ أضف للمفضلة

نص الحلقة

في باب السلام والاستئذان، أخرج البخاري رحمه الله عن قتادة قال: قلت لأنس: أكانت المصافحة في أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال: نعم. قال النووي: المصافحة سنة مجمع عليها عند التلاقي بلا خلاف. وقال ابن حجر: يستثنى من عموم الأمر بالمصافحة المرأة الأجنبية والأمرد الحسن. وقال البغوي: المكروه من المعانقة والتقبيل ما كان على وجه الملق والتعظيم، وفي الحضر، أما المأذون فيه فعند التوديع، وعند القدوم من السفر، وطول العهد بالصاحب، وشدة الحب في الله، ومن قبَّل فلا يقبل الفم، ولكن اليد والرأس والجبهة. وأخرج البخاري ومسلم رحمهما الله عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم يبايع النساء بالكلام بهذه الآية: لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ. وَمَا مَسَّتْ يَدُ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَدَ امْرَأَةٍ إِلَّا امْرَأَةً يَمْلِكُهَا. وفي رواية: كان المؤمنات إذا هاجرن إلى النبي صلى الله عليه وسلم يمتحنهن بقول الله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ إلى آخر الآية. قالت عائشة: فمن أقر بهذا الشرط من المؤمنات فقد أقر بالمحنة، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم. إذا أقررن بذلك من قولهن، قال لهن صلى الله عليه وسلم: انطلقن فقد بايعتكن. لا والله ما مست يد رسول الله صلى الله عليه وسلم يد امرأة قط، غير أنه بايعهن بالكلام. والله ما أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم على النساء إلا بما أمره الله، وكان يقول لهن إذا أخذ عليهن: قد بايعتكن كلامًا. في الحديث أن كلام الأجنبية يباح سماعه عند الحاجة، وأن صوتها ليس بعورة، وأن الرجل لا يلمس بشرة الأجنبية من غير ضرورة. قاله النووي وابن حجر رحمهما الله. وأخرج البخاري ومسلم عن أبي الجهيم الأنصاري رضي الله عنه قال: أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم من نحو بئر جمل، فلقيه رجل فسلم عليه، فلم يرد عليه النبي صلى الله عليه وسلم حتى أقبل على الجدار فمسح بوجهه ويديه ثم رد عليه السلام. قال النووي: بئر جمل، ورواية النسائي بئر الجمل، هو موضع بقرب المدينة. والحديث محمول على أنه صلى الله عليه وسلم كان عادمًا للماء، فإن التيمم مع وجود الماء لا يجوز للقادر على استعماله، وفيه جواز التيمم بالجدار إذا كان عليه غبار، واحتج به من جوز التيمم بغير التراب، وأجاب الآخرون بأنه محمول على جدار عليه تراب. وفيه جواز التيمم للنوافل والفضائل، كما يجوز للفرائض، وهذا مذهب العلماء كافة. قال ابن حجر: تيمم صلى الله عليه وسلم لرد السلام مع جوازه بلا طهارة. قيل: يحتمل أنه لم يرد رفع الحدث، ولا استباحة محظور، وإنما أراد التشبه بالمتطهرين، كما يشرع الإمساك في رمضان لمن يباح له الفطر، أو أراد تخفيف الحدث بالتيمم، كما يشرع تخفيف حدث الجنب بالوضوء. وأخرج مسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رجلاً مر ورسول الله صلى الله عليه وسلم يبول، فسلم، فلم يرد عليه. قال النووي: فيه أن المسلم في هذا الحال لا يستحق جواباً، وهذا متفق عليه، وفيه أنه يكره للقاعد على قضاء الحاجة أن يذكر الله تعالى بشيء من الأذكار، فلا يسبح ولا يهلل، ولا يرد السلام، ولا يشمت العاطس، ولا يحمد الله تعالى إذا عطس، ولا يقول مثل ما يقول المؤذن، كراهة تنزيه لا تحريم، وكذلك عند الجماع. هذا مذهب الأكثرين، وإذا عطس في هذه الأحوال يحمد الله تعالى في نفسه، ولا يحرك به لسانه. وأخرج أحمد والدارمي وأبو داود والترمذي والبزار والبيهقي في الشعب رحمهم الله جميعاً بسند حسن عن عمران بن الحصين رضي الله عنه. أن رجلاً جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: السلام عليكم، فرد عليه ثم جلس، فقال: عشر. ثم جاء آخر فقال: السلام عليكم ورحمة الله، فرد عليه ثم جلس، فقال: عشرون. ثم جاء آخر فقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فرد عليه ثم جلس، فقال: ثلاثون. وأخرج أحمد والبخاري في الأدب وأبو داود والترمذي والنسائي وأبو يعلى وابن حبان والحاكم والبيهقي في الشعب والبغوي بسند حسن عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إذا انتهى أحدكم إلى المجلس فليسلم، فإذا أراد أن يقوم فليسلم، فليست الأولى بأحق من الآخرة. وأخرج مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا تبدؤوا اليهود ولا النصارى بالسلام، وإذا لقيتم أحدهم في طريق فاضطروه إلى أضيقه. قال النووي: اختلف العلماء في رد السلام على الكفار وابتدائهم به، فذهب أكثر العلماء وعامة السلف إلى تحريم ابتدائهم به ووجوب رده عليهم بأن يقول: وعليكم، أو عليكم فقط. وذهب الطائفة إلى جواز ابتدائهم به، وهذا ضعيف لمصادمته صريح الحديث. وحكى القاضي عن جماعة أنه يجوز ابتداؤهم به لضرورة أو حاجة أو سبب. وقوله صلى الله عليه وسلم: فاضطروه إلى أضيقه. قال أصحابنا: لا يترك للذمي صدر الطريق، بل يضطر إلى أضيقه. إذا كان المسلمون يطرقون، فإن خلت الطريق عن الزحمة فلا حرج. قالوا: وليكن التضييق بحيث لا يقع في وحدة، ولا يصدمه جدار ونحوه. وقال القاري: لأن ابتداءهم بالسلام إعزاز لهم وموادة، وكل هذا لا يجوز. وأخرج البخاري ومسلم عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إذا سلم عليكم أهل الكتاب فقولوا: وعليكم. وللبخاري قال: مر يهودي برسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: السام عليك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وعليك. ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أتدرون ماذا قال هذا؟ قال: السام عليك. قالوا: يا رسول الله، ألا نقتله؟ قال: لا. إذا سلم عليكم أهل الكتاب فقولوا: وعليكم. ولمسلم أن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: إن أهل الكتاب يسلمون علينا، فكيف نرد عليهم؟ فقال: قولوا: وعليكم. وأخرج البخاري ومسلم رحمهما الله عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إذا سلم عليكم اليهود فإنما يقول أحدهم: السام عليك، فقل: وعليك. وأخرج البخاري ومسلم. عن جابر رضي الله عنه قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم في دين كان على أبي، فدققت الباب، فقال: من ذا؟ فقلت: أنا. فخرج وهو يقول: أنا أنا، كأنه كرهها. قال العلماء: إذا استأذن فقيل له: من؟ كره أن يقول: أنا، بل يقول اسمه، أو أنا فلان، كما قالت أم هانئ حين استأذنت، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: من هذه؟ فقالت: أنا أم هانئ. والأحسن في هذا أن يقول: أنا فلان المعروف بكذا. قاله النووي رحمه الله.