الحديث رقم 268
نص الحلقة
في باب حفظ اللسان، أخرج مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ادع الله على المشركين، فقال: إني إنما بعثت رحمة، ولم أبعث لعانًا. وأخرج أبو داود والترمذي والبزار وابن حبان والطبراني في الكبير والبيهقي في الشعب والضياء في المختارة بسند حسن عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رجلًا نازعته الريح رداءه على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فلعنها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تلعنها، فإنها مأمورة، وإنه من لعن شيئًا ليس له بأهل رجعت عليه. وأخرج مسلم عن البراء بن عازب رضي الله عنهما قال: نزلت هذه الآية: حافظوا على الصلوات وصلاة العصر، فقرأناها ما شاء الله، وفي رواية: قرأناها مع النبي صلى الله عليه وسلم زمانًا ثم نسخها الله، فنزلت: حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى، فقال له رجل: هي إذن صلاة العصر؟ قال البراء: قد أخبرتك كيف نزلت وكيف نسخها الله، والله أعلم. وأخرج البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: إني لأعلم إذا كنت عني راضية، وإذا كنت علي غضبى. وفي رواية: إني لأعرف غضبك من رضاك. فقلت: ومن أين تعرف ذلك؟ فقال: أما إذا كنت عني راضية فإنك تقولين: لا ورب محمد، وإذا كنت علي غضبى قلت: لا ورب إبراهيم. وَإِذَا كُنْتَ عَلَيَّ غَضْبَى قُلْتُ: لَا وَرَبِّ إِبْرَاهِيمَ. قُلْتُ: أَجَلْ، وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا أَهْجُرُ إِلَّا اسْمَكَ. وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ عَنْ هَمَّامِ بْنِ الْحَارِثِ أَنَّ رَجُلًا جَعَلَ يَمْدَحُ عُثْمَانَ، فَعَمِدَ الْمِقْدَادُ فَجَثَا عَلَى رُكْبَتَيْهِ، وَكَانَ رَجُلًا ضَخْمًا، وَجَعَلَ يَحْثُو فِي وَجْهِهِ الْحَصْبَاءَ، فَقَالَ عُثْمَانُ: مَا شَأْنُكَ؟ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: إِذَا رَأَيْتُمُ الْمَدَّاحِينَ فَاحْثُوا فِي وُجُوهِهِمُ التُّرَابَ. قَالَ النَّوَوِيُّ: هَذَا الْحَدِيثُ حَمَلَهُ عَلَى ظَاهِرِهِ الْمِقْدَادُ الَّذِي هُوَ رَاوِيهِ، وَوَافَقَهُ طَائِفَةٌ، وَكَانُوا يَحْثُونَ التُّرَابَ فِي وُجُوهِ الْمَدَّاحِينَ حَقِيقَةً. وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَاهُ خَيِّبُوهُمْ فَلَا تُعْطُوهُمْ شَيْئًا. وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ عَنْ أَبِي مُوسَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: سَمِعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلًا يُثْنِي عَلَى رَجُلٍ وَيُطْرِيهِ فِي الْمِدْحَةِ، وَفِي رِوَايَةٍ: فِي مَدْحِهِ، فَقَالَ: أَهْلَكْتُمْ أَوْ قَطَعْتُمْ ظَهْرَ الرَّجُلِ. الْإِطْرَاءُ الْمُبَالَغَةُ فِي الْمَدْحِ وَمُجَاوَزَةُ الْحَدِّ، وَقَوْلُهُ: قَطَعْتُمْ ظَهْرَ الرَّجُلِ، أَيْ أَهْلَكْتُمُوهُ؛ لِمَا قَدْ يُصِيبُهُ مِنَ الْإِعْجَابِ بِنَفْسِهِ فَيَهْلِكُ. وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ عَنْ أَبِي بَكْرَةَ قَالَ: أَثْنَى رَجُلٌ عَلَى رَجُلٍ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: وَيْلَكَ، قَطَعْتَ عُنُقَ أَخِيكَ ثَلَاثًا، ثُمَّ قَالَ: مَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَادِحًا أَخَاهُ لَا مَحَالَةَ فَلْيَقُلْ: أَحْسِبُ فُلَانًا، وَاللَّهُ حَسِيبُهُ، وَلَا أُزَكِّي عَلَى اللَّهِ أَحَدًا، أَحْسِبُهُ كَذَا وَكَذَا، إِنْ كَانَ يَعْلَمُ ذَلِكَ مِنْهُ. وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذُكِرَ عِنْدَهُ رَجُلٌ. فقال رجل: يا رسول الله، ما من رجل بعد رسول الله أفضل منه في كذا وكذا. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ويحك، قطعت عنق صاحبك، قطعت عنق صاحبك، مرارًا يقول ذلك. ثم قال صلى الله عليه وسلم: إن كان أحدكم مادحًا أخاه لا محالة، فليقل: أحسب فلانًا إن كان يُرى أنه كذلك، ولا أزكي على الله أحدًا. قوله: لا أزكي على الله أحدًا، أي لا أقطع على عاقبة أحد ولا ضميره؛ لأن ذلك مغيب عنا، ولكن أحسب وأظن لوجود الظاهر المقتضي، وفيه النهي عن المدح المفرط، وما خيف منه فتنة على الممدوح، وبهذا بوب عليه مسلم. وقال النووي: جاءت أحاديث كثيرة في الصحيحين بالمدح في الوجه. قال العلماء: والجمع بينها أن النهي محمول على المجازفة في المدح والزيادة، أو على من يُخاف عليه فتنة، وأما من لا يُخاف عليه ذلك لكمال تقواه فلا نهي إذا لم يكن فيه مجازفة، بل إن كان يحصل به مصلحة كدفعه للخير أو الاقتداء به كان مستحبًا. وسيأتي أنه صلى الله عليه وسلم نهى أن يبالغ في مدحه هو، فقال: لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، فإنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله. وقال: قولوا بقولكم، أو بعض قولكم، ولا يستجرينكم الشيطان. وأخرج البخاري ومسلم عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه. قال أعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم رهطًا وأنا جالس فيهم، فترك منهم رجلًا لم يعطه، وهو أعجبهم إلي. فقمت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فساررته، فقلت: يا رسول الله، ما لك عن فلان؟ والله إني لأراه مؤمنًا. قال: أو مسلمًا. فسكت قليلًا، ثم غلبني ما أعلم منه، فقلت: يا رسول الله، ما لك عن فلان؟ فوالله إني لأراه مؤمنًا. قال: أو مسلمًا. فسكت قليلًا، ثم غلبني ما أعلم منه، وفي رواية: ما أعلم فيه، فقلت: يا رسول الله، ما لك عن فلان؟ فوالله إني لأراه مؤمنًا. قال: أو مسلمًا. ثم قال: يا سعد، إني لأعطي الرجل وغيره أحب إلي منه، خشية أن يكب في النار على وجهه. ولمسلم قال: فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده بين عنقي وكتفي، ثم قال: أقتالًا يا سعد؟ إني لأعطي الرجل. وذكر الحديث. قال الزهري: فنرى أن الإسلام الكلمة، والإيمان العمل. وأخرج البخاري عن أم العلاء رضي الله عنها، وهي امرأة من الأنصار بايعت النبي صلى الله عليه وسلم، أنه مقتسم المهاجرين قرعة. قالت: فطار لنا عثمان بن مظعون، وأنزلناه في أبياتنا، فوجعه الذي توفي منه، فلما توفي وغسل وكفن في أثوابه، دخل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: رحمة الله عليك أبا السائب، فشهادتي عليك لقد أكرمك الله. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: وما يدريك أن الله أكرمه؟ فقلت: لا أدري، بأبي أنت وأمي يا رسول الله، فمن يكرمه الله؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما هو فقد جاءه اليقين، والله إني لأرجو له الخير، والله ما أدري وأنا رسول الله ما يفعل بي. وفي رواية: ما يفعل به. قالت: فوالله لا أزكي أحدًا بعده أبدًا يا رسول الله. قالت: وأحزنني ذلك، فنمت، فرأيت لعثمان عينًا تجري، فجئت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته، فقال: ذلك عمله. قوله: ما أدري وأنا رسول الله ما يفعل بي. قال ابن حجر: إنما قال ذلك موافقةً لقول الله تعالى في سورة الأحقاف: قل ما كنت بدعًا من الرسل وما أدري ما يفعل بي ولا بكم، وكان ذلك قبل نزول قوله تعالى: ليغفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، لأن الأحقاف مكية، وسورة الفتح مدنية بلا خلاف، وقد ثبت أنه صلى الله عليه وسلم قال: أنا أول من يدخل الجنة، وغير ذلك من الأخبار الصريحة في معناه، أي أنه قال ذلك قبل أن يوحى إليه هذا صلى الله عليه وسلم. وأخرج البخاري عن ابن عباس قال: سمعت عمر يقول على المنبر: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، فإنما أنا عبد، فقولوا عبد الله ورسوله. الإطراء: المبالغة في المدح. قال ابن حجر: وقد ضبط العلماء المبالغة الجائزة من الممنوعة. بأن الجائزة يصحبها شرط أو تقريب، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: فليقل أحسبه كذلك، والممنوعة بخلافها. ويستثنى من ذلك ما جاء عنه صلى الله عليه وسلم، فإنه لا يحتاج إلى قيد، كقوله لابن عمر: نعم الرجل عبد الله. وأخرج أحمد والبخاري في الأدب وأبو داود والنسائي بسند صحيح عن مطرف بن عبد الله بن الشخير قال: قال أبي: انطلقت في وفد بني عامر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلنا: أنت سيدنا. فقال السيد الله تبارك وتعالى. قلنا: وأفضلنا فضلاً وأعظمنا طولاً. فقال: قولوا بقولكم أو بعض قولكم، ولا يستجرينكم الشيطان. وفي رواية: ولا يستهوينكم. وفي أخرى: ليقل أحدكم بقوله، ولا يستجرنه الشيطان. قوله: ولا يستجرينكم، أي لا يتخذنكم جرياً، أي رسولاً ووكيلاً، يريد تكلموا بما حضركم من القول، ولا تكلفوا كأنكم وكلاء الشيطان تنطقون عن لسانه. ورواية: لا يستجرنه من الجر، وهو صحيح. قال في المرقاة: وحاصله لا تبالغوا في مدحي فضلاً عن مدح غيري.