الحديث رقم 269

كتاب الأدب والتربية · المدة 9:39 · المقطع 11 من 60

☆ أضف للمفضلة

نص الحلقة

في كتاب الآداب والتربية، باب الصدق وذم الكذب. أخرج البخاري ومسلم رحمهما الله عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، وإن الرجل ليصدق حتى يكتب عند الله صديقًا، وإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وإن الرجل ليكذب حتى يكتب عند الله كذابًا. ولمسلم قال: عليكم بالصدق، فإن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، وما يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقًا، وإياكم والكذب، فإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وما يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابًا. وأخرج مسلم عن ثابت بن الضحاك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من ادعى دعوى كاذبة ليتكثر بها لم يزده الله إلا قلة. قال النووي: ليتكثر بها ضبطناه بالثاء المثلثة، وكذا هو في معظم الأصول، وهو الظاهر، وضبطه بعض الأئمة المعتمدين في نسخته بالباء الموحدة، وله وجه، وهو بمعنى الأول، أي يصير ماله كبيرًا عظيمًا. وأخرج أحمد والترمذي والنسائي وأبو يعلى وابن خزيمة وابن حبان والطبراني في الكبير والحاكم بسند صحيح عن الحسن بن علي رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال. دع ما يريبك إلى ما لا يريبك، فإن الصدق طمأنينة، والكذب ريبة. قوله: يريبك بفتح الياء وضمها، والفتح أشهر، والريب الشك، وقيل هو الشك مع التهمة. قال في المرقاة: المقصود أن يبني المكلف أمره على اليقين البحت، والحق الصرف، ويكون على بصيرة في دينه. وقوله: هو الكذب ريبة، أي قلق للنفس واضطراب لها ضد الطمأنينة. وأخرج الشيخان رحمهما الله عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما أن امرأة قالت: يا رسول الله، إن لي ضرة، فهل علي جناح إن تشبعت من زوجي غير الذي يعطيني؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: المتشبع بما لم يُعطَ كلابس ثوبي زور. وفي رواية قالت: إن امرأة قالت: يا رسول الله، أقول إن زوجي أعطاني لما لم يعطني؟ وذكر مثله. قال النووي: قال العلماء: معناه المتكثر بما ليس عنده، بأن يُظهر أن عنده ما ليس عنده، يتكثر بذلك عند الناس ويتزين بالباطل، فهو مذموم كما يُذم من لبس ثوبي زور. وأخرج البخاري ومسلم عن أم كلثوم بنت عقبة أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ليس الكذاب الذي يصلح بين اثنين، أو قال: بين الناس، فيقول خيرًا أو ينمي خيرًا. ولمسلم قالت: ولم أسمعه يرخص في شيء مما يقول الناس. إلا في ثلاث، يعني الحرب والإصلاح بين الناس، وحديث الرجل لزوجته، وحديث المرأة زوجها. وفي رواية قال ابن شهاب: ولم أسمع يُرخَّص في شيء مما يقول الناس كذب إلا في ثلاث. وذكر الثلاث، فجعل هذه الزيادة من قول ابن شهاب. قال القاضي عياض رحمه الله: لا خلاف في جواز الكذب في هذه الصور، واختلفوا في المراد بالكذب المباح فيها، فقالت طائفة هو على إطلاقه، وقالوا الكذب المذموم ما فيه مضرة، واحتجوا بقول إبراهيم صلى الله عليه وسلم بل فعله كبيرهم، وإني سقيم، وقوله إنها أختي، وقول منادي يوسف عليه السلام أيتها العير إنكم لسارقون. قالوا: ولا خلاف أنه لو قصد ظالم قتل رجل هو عنده مختفٍ وجب عليه الكذب؛ فإنه لا يعلم أين هو. وقال آخرون: لا يجوز الكذب في شيء أصلاً، وإنما المراد بالإباحة هنا التورية واستعمال المعاريض. وأما كذبه لزوجته وكذبها له فالمراد به في إظهار الود والوعد بما لا يلزم ونحو ذلك. فأما المخادعة في منع ما عليه أو عليها، أو أخذ ما ليس له أو لها، فهو حرام بإجماع المسلمين، والله أعلم. باب الأمانة وذم الخيانة. أخرج البخاري ومسلم رحمهما الله عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال. إذا جمع الله الأولين والآخرين يوم القيامة، يرفع لكل غادر لواء يُعرف به، فيقال: هذه غدرة فلان بن فلان. وأخرج البخاري ومسلم عن ثابت البناني عن أنس قال: أسرَّ إليَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم سرًّا، فما أخبرت به أحدًا بعده، ولقد سألتني عنه أم سليم فما أخبرتها به. ولمسلم قال: أتى عليَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا ألعب مع الغلمان، فسلَّم علينا وبعثني إلى حاجة، فأبطأت على أمي، فلما جئت قالت: ما حبسك؟ قلت: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم في حاجة. قالت: ما حاجته؟ قلت: إنها سر. قالت: لا تُحدِّثنَّ بسر رسول الله صلى الله عليه وسلم أحدًا. قال أنس: والله لو حدَّثتُ أحدًا لحدَّثتك يا ثابت. وأخرج البخاري عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من قتل معاهدًا لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها يوجد من مسيرة أربعين عامًا. وأخرج البخاري ومسلم عن علي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ذمة المسلمين واحدة، يسعى بها أدناهم، فمن أخفر مسلمًا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه يوم القيامة عدلًا ولا صرفًا. الذمة هي العهد، وقوله: من أخفر مسلمًا معناه من نقض أمان مسلم، فتعرض لكافر أمَّنه مسلم. قال أهل اللغة: يقال أخفرت الرجل إذا نقضت عهده، وخفرته إذا أأمنته. وأخرج البخاري ومسلم عن حذيفة رضي الله عنه قال: حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثين قد رأيت أحدهما وأنا أنتظر الآخر. حدثنا أن الأمانة نزلت في جذر قلوب الرجال، ثم نزل القرآن، فعلموا من القرآن وعلموا من السنة، ثم حدثنا عن رفع الأمانة، فقال: ينام الرجل النومة فتقبض الأمانة من قلبه، فيظل أثرها مثل أثر الوكت، ثم ينام النومة فتقبض الأمانة من قلبه، فيظل أثرها مثل أثر المجل، كجمر دحرجته على رجلك فنفط، فتراه منتبرًا وليس فيه شيء. ثم أخذ حصًا فدحرجه على رجله، فيصبح الناس يتبايعون، فلا يكاد أحد يؤدي الأمانة، حتى يقال: إن في بني فلان رجلًا أمينًا. حتى يقال للرجل: ما أجلده، ما أظرفه، ما أعقله، وما في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان. ولقد أتى علي زمان وما أبالي أيكم بايعت، لئن كان مسلمًا ليردن علي دينه، وإن كان نصرانيًا أو يهوديًا ليردن علي ساعيه، وأما اليوم فما كنت أبايع منكم إلا فلانًا وفلانًا. قوله في جذر قلوب الرجال: جذر الشيء أصله. قال النووي، قال الواحدي: الأمانة في قول أكثر المفسرين الطاعة والفرائض. التي يتعلق بأدائها الثواب وبتضييعها العقاب. والوقت هو الأثر اليسير، والمجل هو التنفط الذي يصير في اليد من العمل بفأس أو نحوها، ويصير كالقبة فيه ماء قليل. وقوله: نفيط أي ورم، والمنتبر المنتفخ، ومنه المنبر لارتفاعه. وقوله: ولقد أتى علي زمان وما أبالي أيكم بايعت، هذا من كلام حذيفة رضي الله عنه، ومراده البيع والشراء. وقوله: ساعيه أي الوالي عليه، ومعناه إن لم يكن أمينًا فالوالي عليه أمين، وهذا قبل. أما الآن فذهبت الأمانة، فلا يبايع إلا أفرادًا أعرفهم.