الحديث رقم 301

كتاب الأدب والتربية · المدة 11:02 · المقطع 43 من 60

☆ أضف للمفضلة

نص الحلقة

في باب الأيمان والنذور، أخرج مسلم رحمه الله عن عبد الرحمن بن سمرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا تحلفوا بالطواغي ولا بآبائكم. الطواغي جمع طاغية، وهي الأصنام، وقيل المراد من طغى من الكفار وجاوز الحد في الشر وهم عظماؤهم. وأخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من حلف منكم فقال في حلفه باللات والعزى فليقل لا إله إلا الله، ومن قال لصاحبه تعال أقامرك فليتصدق بشيء. قال الإمام مسلم: هذا الحرف، يعني قوله تعالى أقامرك فليتصدق، لا يرويه أحد غير الزهري. قال: وللزهري نحو من تسعين حديثًا يرويه عن النبي صلى الله عليه وسلم لا يشاركه فيه أحد بأسانيد جياد. وقال النووي: من حلف بغير الله لم تنعقد يمينه، بل عليه أن يستغفر الله تعالى ويقول لا إله إلا الله، ولا كفارة عليه، سواء فعله أم لا، هذا مذهب جماهير العلماء. وأخرج الشيخان رحمهما الله عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم أدرك عمر في ركب وهو يحلف بأبيه، فقال: إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، فمن كان حالفًا فليحلف بالله أو ليصمت. قال عمر: فوالله ما حلفت بها منذ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى عنها، ذاكراً ولا آثراً. قوله: ولا آثراً، أي ولا راوياً لها عن أحد حلف بأبيه. يقال: أثر الحديث يأثره ويأثره أثراً وأثارة، أي رواه. قال تعالى: أو أثارة من علم، أي خبر منقول. وأخرج أبو داود والنسائي وأبو يعلى وابن حبان والبيهقي في السنن بسند حسن عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا تحلفوا بآبائكم ولا بأمهاتكم ولا بالأنداد، ولا تحلفوا إلا بالله، ولا تحلفوا إلا وأنتم صادقون. وأخرج أحمد وأبو داود والنسائي وابن حبان والحاكم والبيهقي في السنن بسند صحيح عن بريدة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من حلف بالأمانة فليس منا. قال في المرقاة: ليس منا، أي ليس ممن اقتدى بطريقتنا، ولا كفارة في هذا الحلف اتفاقاً. أما لو قال: وأمانة الله، فذهب الأكثرون إلى أنه لا كفارة فيه، وقال أبو حنيفة: إنه يمين تجب الكفارة بالحنث فيه. وأخرج أحمد وابن ماجه وأبو داود والنسائي والحاكم والبيهقي في السنن بسند حسن عن بريدة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من حلف فقال: إني بريء من الإسلام. فَإِنْ كَانَ كَاذِبًا فَهُوَ كَمَا قَالَ، وَإِنْ كَانَ صَادِقًا فَلَنْ يَرْجِعَ إِلَى الْإِسْلَامِ سَالِمًا. قوله: من قال إني بريء من الإسلام، أي لو فعلت كذا أو لم أفعله. قال الخطابي: فيه أن من حلف بالبراءة من الإسلام فإنه يأثم، ولا يلزمه الكفارة، وذلك لأنه إنما جعل عقوبتها في دينه، ولم يجعل في باله شيئًا، وفيه زجر شديد عن هذا اللفظ وأمثاله. وأخرج البخاري ومسلم عن أبي قلابة أن ثابت بن الضحاك أخبره أنه بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت الشجرة، وأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من حلف بملة غير الإسلام كاذبًا متعمدًا فهو كما قال. وفي رواية: من حلف على يمين بملة غير الإسلام كاذبًا متعمدًا فهو كما قال، وليس على الرجل نذر فيما لا يملك. قال النووي: الحلف بملة غير الإسلام كقوله: هو يهودي أو نصراني إن كان كذا، أو قوله: واللات والعزى وشبه ذلك، وفيه أنه لا يصح النذر فيما لا يملك، ولا يلزم بهذا النذر شيء. وأخرج الشيخان رحمهما الله عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن النذر، وقال: إنه لا يرد شيئًا، ولكنه يستخرج به من البخيل. وفي رواية قال: إن النذر لا يقدم شيئًا ولا يؤخر. ولكنه يُستخرج به من البخيل، وفي أخرى: إنه لا يأتي بخير، وإنما يُستخرج به من البخيل. وأخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا يأتي ابن آدم النذر بشيء لم يكن قُدِّر له، ولكن يلقيه النذر إلى القدر قد قُدِّر له، فيستخرج الله به من البخيل، فيؤتي عليه ما لم يكن يؤتي من قبل. هذه رواية البخاري. ولمسلم قال: إن النذر لا يقرب من ابن آدم شيئًا لم يكن الله قدَّره له، ولكن النذر يوافق القدر، فيخرج بذلك من البخيل ما لم يكن البخيل يريد أن يخرج. وفي أخرى له: لا تنذروا، فإن النذر لا يغني من القدر شيئًا، وإنما يُستخرج به من البخيل. وأخرج البخاري ومسلم عن زياد بن جبير قال: كنت مع ابن عمر، فسأله رجل، فقال: نذرت أن أصوم كل يوم ثلاثاء أو أربعاء ما عشت، فوافقت هذا اليوم يوم النحر. قال: أمر الله بوفاء النذر، ونهى أن نصوم يوم النحر. فأعاد عليه، فرد مثله، لا يزيد عليه. وفي رواية قال: أمر الله بوفاء النذر، ونهى النبي صلى الله عليه وسلم عن صوم هذا اليوم. وللبخاري عن حكيم بن أبي حرة الأسلمي أنه سمع عبد الله بن عمر سُئل عن رجل نذر أن لا يأتي عليه يوم إلا صام. فوافق يوم أضحى أو فطر، فقال: لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة. لم يكن يصوم يوم الأضحى والفطر ولا يرى صيامهما. قال ابن حجر: إن عقد الإجماع على أنه لا يجوز له أن يصوم يوم الفطر ولا يوم النحر لا تطوعًا ولا عن نذر، ولو نذر لم ينعقد نذره عند الجمهور. وعن الحسن قال: يصوم يومًا مكانه، وعند الحنابلة روايتان في وجوب القضاء. وجوز الكرماني بناءً على تعدد القصة أن ابن عمر تغير اجتهاده، فجزم بالمنع بعد أن كان يتردد. وقال الخطابي في معالم السنن: وقد ذهب عامة أهل العلم إلى أن الصيام لا يجوز في هذين اليومين، غير أن أهل العراق ذهبوا إلى أنه لو نذر صومهما لزمه قضاؤه، والنذر إنما يلزم في الطاعة دون المعصية، وصيام هذين اليومين معصية؛ لنهي النبي صلى الله عليه وسلم عنه، فالنذر لا ينعقد فيه ولا يصح، كما لا يصح من الحائض لو نذرت أن تصوم أيام حيضها. وأخرج مسلم عن عمران بن حصين رضي الله عنه قال: أُسرت امرأة من الأنصار وأصيبت العضباء، فكانت المرأة في الوثاق، وكان القوم يريحون نعمهم بين يدي بيوتهم، فانفلتت ذات ليلة من الوثاق فأتت الإبل، فجعلت إذا دنت من البعير رغا، فتتركه حتى تنتهي إلى العضباء فلم ترغ. قال وهي ناقة منوقة، وفي رواية ناقة مدربة، فقعدت في عجزها ثم زجرتها فانطلقت، ونذر بها فطلبوها فأعجزتهم، ونذرت لله إن نجاها الله عليها لتنحرنها، فلما قدمت المدينة رآها الناس فقالوا: العذباء ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت إنها نذرت إن نجاها الله عليها أن تنحرها، فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكروا ذلك له، فقال: سبحان الله، بئسما جزتها، نذرت لله إن نجاها الله عليها لتنحرنها، لا وفاء لنذر في معصية، ولا فيما لا يملك العبد، وفي رواية: لا نذر في معصية الله. قوله: أُسِرَت امرأة من الأنصار، قال النووي: هي امرأة أبي ذر رضي الله عنهما. وقوله: يريحون نعمهم، أي يؤون إبلهم إلى مراحها، وهو مبيتها ليلاً. وقوله: نذر بها، أي علم بها. قال النووي: في هذا دليل على أن من نذر معصية كشرب الخمر ونحو ذلك، فنذره باطل لا ينعقد، ولا تلزمه كفارة يمين ولا غيرها. وبهذا قال مالك والشافعي وأبو حنيفة وداود وجمهور العلماء. وقال أحمد: تجب فيه كفارة اليمين، بالحديث المروي عن عمران بن الحصين وعائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا نذر في معصية، وكفارته كفارة يمين. واحتج الجمهور بحديث عمران بن الحصين المذكور هنا. وأما حديث كفارته كفارة يمين فضعيف باتفاق المحدثين، وفي هذا الحديث جواز سفر المرأة وحدها إذا كان سفر ضرورة، كالهجرة من دار الحرب إلى دار الإسلام، وكالهرب ممن يريد منها فاحشة، ونحو ذلك، وفيه أن الكفار إذا غنموا مالًا لمسلم لا يملكونه.