الحديث رقم 271
نص الحلقة
في باب الصبر وكف الأذى، أخرج البخاري عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من يرد الله به خيرًا يصب منه. قوله: يصب منه، رواية الأكثر بكسر الصاد، وروي بفتحها: يُصَب منه. قال الحافظ: وفي هذه الأحاديث بشارة عظيمة لكل مؤمن. وأخرج البخاري ومسلم عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الصبر عند الصدمة الأولى. وفي رواية أنه أتى على امرأة تبكي على صبي لها، فقال: اتق الله واصبري. قالت: إليك عني، فإنك لم تصب بمصيبتي ولم تعرفه. فقيل لها: إنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخذها مثل الموت، فأتت بابه فلم تجد عنده بوابين، فقالت: يا رسول الله، لم أعرفك. قال: إنما الصبر عند أول صدمة، أو قال: عند أول الصدمة. وفي رواية: إنما الصبر عند الصدمة الأولى. قال النووي: قال أبو علي الدقاق: حقيقة الصبر أن لا يعترض على المقدور، فأما إظهار البلاء لا على وجه شكوى فلا ينافي الصبر. قال الله تعالى في أيوب عليه السلام: إنا وجدناه صابرًا نعم العبد، مع أنه قال: إني مسني الضر. وقال ابن حجر: قوله: فلم تجد عنده بوابين محمول على الأوقات التي يجلس فيها للناس، وسبق أنه احتجب حين آلى من نسائه، واستأذن عمر فلم يؤذن له. وأخرج البخاري ومسلم عن أنس قال: كان ابن لأبي طلحة يشتكي، فخرج أبو طلحة فقبض الصبي، فلما رجع أبو طلحة قال: ما فعل ابني؟ قالت أم سليم: هو أسكن ما كان عليه، فقربت له العشاء فتعشى، ثم أصاب منها، فلما فرغ قالت: واروا الصبي، فلما أصبح أبو طلحة أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره، فقال: أعرستم الليلة؟ قال: نعم. قال: اللهم بارك لهما، فولدت غلامًا. فقالت لأبي طلحة: احمله حتى تأتي به النبي صلى الله عليه وسلم، وبعثت معه بتمرات، فأخذه النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أمعه شيء؟ قالوا: نعم، تمرات. فأخذها النبي صلى الله عليه وسلم فمضغها، ثم أخذها من فيه فجعلها في في الصبي، ثم حنكه وسماه عبد الله. ولمسلم قال: مات ابن لأبي طلحة من أم سليم، فقالت لأهلها: لا تحدثوا أبا طلحة بابنه حتى أكون أنا أحدثه. فجاء، فقربت إليه عشاءً فأكل وشرب، ثم تصنعت له أحسن ما كانت تصنع قبل ذلك، فوقع بها، فلما رأت أنه قد شبع وأصاب منها قالت: يا أبا طلحة، أرأيت لو أن قومًا عاروا عارية هم أهل بيت، فطلبوا عاريتهم، ألهم أن يمنعوهم؟ قال: لا. قالت: فاحتسب ابنك. فغضب، وقال: تركتني حتى تلطخت، ثم أخبرتني بابني؟ فانطلق حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره بما كان. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بارك الله لكما في ليلتكما. قال: فحملت، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر وهي معه، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أتى المدينة من سفر لا يطرقها طروقًا، فدنا من المدينة فضربها المخاض، فاحتبس عليها أبو طلحة، فانطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: يقول أبو طلحة: إنك لتعلم يا ربي إنه يعجبني أن أخرج مع رسولك إذا خرج، وأدخل معه إذا دخل، وقد احتبست بما ترى. قالت: تقول أم سليم: يا أبا طلحة، ما أجد الذي كنت أجد، فانطلق. فانطلقنا، وضربها المخاض حين قدما، فولدت غلامًا، فقالت لي أم سليم: يا أنس، لا يرضعه أحد حتى تغدو به على رسول الله صلى الله عليه وسلم. فلما أصبح احتملته، فانطلقت به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: فصادفته ومعه ميسم، فلما رآني قال: لعل أم سليم ولدت؟ قلت: نعم. فوضع الميسم. قال: وجئت به فوضعته في حجره، ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعجوة من عجوة المدينة، فلاكها في فيه حتى ذابت، ثم قذفها في في الصبي، فجعل الصبي يتلمظها. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: انظروا إلى حب الأنصار التمر. فمسح وجهه وسماه عبد الله. زاد البخاري في رواية، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لعل الله أن يبارك لكما في ليلتكما. قال سفيان بن عيينة: فقال رجل من الأنصار: فرأيت لهما تسعة أولاد كلهم قد قرأ القرآن. الصبي المتوفى هو أبو عمير، الذي كان يقول له النبي صلى الله عليه وسلم: يا أبا عمير، ما فعل النغير؟ وهو أخو أنس لأمه رضي الله عنهم أجمعين. والميسم الشيء الذي يُوسم به، وكان صلى الله عليه وسلم يسم إبل الصدقة كما سيأتي. وقوله: يتلمظها، أي تتبع طعمها وبقاياها في فمه بلسانه. قال النووي: وفي الحديث تواضع النبي صلى الله عليه وسلم، وفعله الأشغال بنفسه، وفيه مناقب لأم سليم رضي الله عنها، من عظيم صبرها، وحسن رضاها بقضاء الله تعالى، وجزالة عقلها، وفيه استعمال المعاريض عند الحاجة، لقولها: هو أسكن ما كان، وشرط المعاريض المباحة أن لا يضيع بها حق أحد. قال ابن حجر: قد ذكر علي بن المديني من أسماء أولاد عبد الله بن أبي طلحة ممن حمل العلم وقرأ القرآن: إسحاق، وإسماعيل، ويعقوب، وعمير، وعمر، ومحمد، وعبد الله، وزيد، والقاسم، وذكر غيرهم أيضًا. وأخرج البخاري ومسلم عن أبي سعيد رضي الله عنه أن ناسًا من الأنصار سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعطاهم، ثم سألوه فأعطاهم، ثم سألوه فأعطاهم حتى نفد ما عنده، فقال: ما يكون عندي من خير فلن أدخره عنكم، ومن يستعفف يعفه الله، ومن يستغن يغنه الله، ومن يتصبر يصبره الله، وما أُعطي أحد عطاء خيرًا وأوسع من الصبر. وأخرج البخاري عن خباب بن الأرت. رضي الله عنه قال: شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة، فقلنا: ألا تستنصر لنا؟ ألا تدعو الله لنا؟ فقال: قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض فيجعل فيها، ثم يؤتى بالمنشار فيوضع على رأسه فيجعل نصفين، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه، ما يصده ذلك عن دينه، والله ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون. وفي رواية قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة، وقد لقينا من المشركين شدة، فقلت: ألا تدعو الله؟ فقعد وهو محمر وجهه، فقال: لقد كان من قبلكم ليمشط بأمشاط الحديد، ثم ذكر معناه. وأخرج البخاري عن أبي هريرة أن رجلاً قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أوصني ولا تكثر علي، أو قال: مرني بأمر وأقلله كي لا أنسى. قال: لا تغضب. وفي رواية قال له: مرني بأمر وأقلله علي كي أعقله. قال: لا تغضب. فردد مراراً، قال: لا تغضب. قال الخطابي: معنى قوله لا تغضب اجتنب أسباب الغضب، ولا تتعرض لما يجلبه، وأما نفس الغضب فلا يتأتى النهي عنه. وقيل معناه: لا تفعل ما يأمرك به الغضب. وقيل غير ذلك. وسيأتي في الحديث التالي أن الشديد المحمود هو الذي يملك نفسه عند الغضب، ومن قال أنا لا أملك نفسي قيل له كيف بك إذا أغضبك من تخافه؟ وأخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب. ولمسلم عن ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ما تعدون الصرعة فيكم؟ قال: قلنا الذي لا يصرعه الرجال. قال: ليس بذلك، ولكنه الذي يملك نفسه عند الغضب. الصرعة هو الذي يصرع الناس بقوته، فنقله إلى الذي يملك نفسه عند الغضب ويقهرها؛ لأنه قهر أقوى أعدائه نفسه وشيطانه.