الحديث رقم 298
نص الحلقة
في باب تحريم الظلم والتحذير منه، أخرج البخاري ومسلم رحمهما الله عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إذا قاتل، وفي رواية: إذا ضرب أحدكم أخاه، فليجتنب الوجه، وفي أخرى: فلا يلطمن الوجه، وفي أخرى: فليتق الوجه. زاد مسلم: فإن الله خلق آدم على صورته. قال ابن حجر رحمه الله: اختلف في الضمير في قوله على صورته، وقال القرطبي: أعاد بعضهم الضمير على الله، مستمسكًا بما ورد في بعض طرقه: إن الله خلق آدم على صورة الرحمن، وقد أنكر المازري ومن تبعه صحة هذه الزيادة، ثم قال: وعلى تقدير صحتها فيحمل على ما يليق بالبارئ سبحانه وتعالى. قال ابن حجر: قلت: الزيادة أخرجها ابن أبي عاصم في السنة، والطبراني من حديث ابن عمر بإسناد رجاله ثقات، وأخرجها ابن أبي عاصم عن أبي هريرة بلفظ يرد التأويل الأول، قال: من قاتل فليجتنب الوجه، فإن صورة وجه الإنسان على صورة وجه الرحمن، فتعين إجراء ما في ذلك على ما تقرر بين أهل السنة من إمراره كما جاء. انتهى. وسيأتي في كتاب الخلق وصفات المخلوقات أنه لم يكن بين السلف. من القرون الثلاثة نزاع في عود الضمير إلى الله جل وعلا، بل وأنه أيضًا مذكور فيما عند أهل الكتابين من الكتب كالتوراة وغيرها، ولم يقل أحد بعود الضمير إلى غير الله تعالى إلا في المئات الثالثة لما انتشرت الجهمية المعطلة الذين يعطلون صفات الله وينكرونها، كما بيَّنه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في كتابه نقض التأسيس، سبحان الله وتعالى عما يقولون علوًّا كبيرًا. وأخرج البخاري عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا. فقال رجل: يا رسول الله، أنصره إذا كان مظلومًا، أفرأيت إذا كان ظالمًا كيف أنصره؟ قال: تحجزه أو تمنعه من الظلم، فإن ذلك نصره. وفي رواية قال: تأخذ فوق يديه. وأخرج الشيخان رحمهما الله عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: إن الناس نزلوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على الحِجر أرض ثمود في غزوة تبوك، فاستقوا من آبارها وعجنوا به العجين، فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يهريقوا ما استقوا، ويعلفوا الإبل العجين، وأمرهم أن يستقوا من البئر التي كانت تردها الناقة. وفي رواية: لما مر النبي صلى الله عليه وسلم بالحِجر قال: لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم أن يصيبكم ما أصابهم إلا أن تكونوا باكين. ثم قنع رأسه وأسرع السير حتى جاز الوادي. وللبخاري أنه قال لأصحاب الحجر: لا تدخلوا على هؤلاء القوم إلا أن تكونوا باكين، فإن لم تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم أن يصيبكم مثل ما أصابهم. وأمرهم أن لا يشربوا من آبارها ولا يستقوا منها، فقالوا: قد عجننا منها واستقينا. فأمرهم أن يطرحوا ذلك العجين ويهريقوا ذلك الماء. ولمسلم أنه قال: لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين، ثم ذكر مثله. الحجر هي مدائن صالح، وقنع رأسه أي غطاه، كما يقال مقنع بالحديد أي مغطى الرأس به. وأخرج البخاري عن أبي الأسود محمد بن عبد الرحمن قال: قطع على أهل المدينة بعث فكتبت فيه، فلقيت عكرمة مولى ابن عباس فأخبرته، فنهاني عن ذلك أشد النهي، ثم قال: أخبرني ابن عباس أن ناسا من المسلمين كانوا مع المشركين، يكثرون سواد المشركين على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي رواية: على رسول الله صلى الله عليه وسلم، يأتي السهم يرمى به فيصيب أحدهم فيقتله أو يضربه فيقتل، فأنزل الله: إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرا. بوب عليه البخاري رحمه الله بقوله. باب من كره أن يكثر سواد الفتن والظلم. وقوله: قُطِعَ على أهل المدينة بعث، أي أُلزموا بإخراج جيش لقتال أهل الشام، وكان ذلك زمن ابن الزبير. وأخرج أحمد والدارمي وأبو داود والنسائي وابن حبان والطبراني في الكبير والحاكم والبيهقي في السنن رحمهم الله، بسند حسن عن أبي رمثة التيمي رضي الله عنه قال: انطلقت أنا وأبي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال لأبي: من هذا معك؟ قال: هذا ابني. قال: أتحبه؟ قال: نعم. قال: أما إنك لا تجني عليه ولا يجني عليك. قال: وتلا رسول الله صلى الله عليه وسلم: ولا تزر وازرة وزر أخرى. باب الأيمان والنذور. أخرج مسلم رحمه الله عن جندب بن عبد الله رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حدث أن رجلاً قال: والله لا يغفر الله لفلان، وأن الله تعالى قال: من ذا الذي يتألى عليَّ ألا أغفر لفلان، فإني قد غفرت له وأحبطت عملك. قوله: يتألى عليَّ، أي يحلف عليَّ، يقال: آلى يؤلي، وتألى يتألى، أي حلف. وأخرج البخاري عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: الكبائر الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وقتل النفس، واليمين الغموس. وفي رواية أن أعرابيًا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، ما الكبائر؟ قال: الإشراك بالله. قال: ثم ماذا؟ قال: ثم عقوق الوالدين. قال: ثم ماذا؟ قال: اليمين الغموس. قلت: وما اليمين الغموس؟ قال: الذي يقتطع مال امرئ مسلم هو فيها كاذب. وأخرج مسلم عن وائل بن حجر رضي الله عنه قال: جاء رجل من حضرموت ورجل من كندة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال الحضرمي: يا رسول الله، إن هذا قد غلبني على أرض كانت لأبي. فقال الكندي: هي أرضي في يدي أزرعها، ليس له فيها حق. فقال النبي صلى الله عليه وسلم للحضرمي: ألك بينة؟ قال: لا. قال: فلك يمينه. قال: يا رسول الله، إن الرجل فاجر لا يبالي على ما حلف عليه، وليس يتورع عن شيء. فقال: ليس لك منه إلا ذلك. فانطلق ليحلف. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أدبر: أما لئن حلف على ماله ليأكله ظلمًا، ليلقين الله وهو عنه معرض. وفي رواية قال: كنت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتاه رجلان يختصمان في أرض، فقال أحدهما: إن هذا انتزى على أرضي يا رسول الله في الجاهلية. فقال: بينتك. فقال: ليس لي بينة. قال: يمينه. قال: إذن يذهب بها. قال: ليس لك إلا ذاك. فلما قام ليحلف، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من اقتطع أرضًا ظالمًا لقي الله وهو عليه غضبان. الفاجر هو المنبعث في المعاصي والحرام، وقوله: انتزع على أرضي، أي غلب عليها.