الحديث رقم 276
نص الحلقة
في كتاب الآداب والتربية، باب حقوق الجار. أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن. قيل: من يا رسول الله؟ قال: الذي لا يأمن جاره بوائقه. ولمسلم قال: لا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه. وللبخاري عن أبي شريح العدوي الخزاعي مثل الرواية الأولى. البوائق جمع بائقة، وبوائقه غوائله وشروره وظلمه، قاله الكسائي وغيره. وأخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا يمنع جار جاره أن يغرز خشبة، وفي رواية: خشبه في جداره. ثم يقول أبو هريرة: ما لي أراكم عنها معرضين؟ والله لأرمين بها بين أكتافكم. قال القاضي: روينا قوله خشبة في صحيح مسلم وغيره من الأصول المصنفات خشبة بالإفراد، وخشبه بالجمع. قال النووي: واختلف العلماء في معنى هذا الحديث: هل هو على الندب أم على الإيجاب؟ وفيه قولان للشافعي وأصحاب مالك، أصحهما في المذهبين الندب. وبه قال أبو حنيفة والكوفيون، والثاني الإيجاب. وبه قال أحمد وأبو ثور وأصحاب الحديث، وهو ظاهر الحديث. ومن قال بالندب. قال: إعراضهم يدل على أنهم ظهم ومنهن ندب، ولو كان واجبًا لما أطبقوا على الإعراض عنه. وأخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: يا نساء المسلمات، لا تحقرن جارة لجارتها ولو فرسن شاة. قوله: يا نساء المسلمات، ذكر القاضي في إعرابه ثلاثة أوجه، أصحها وأشهرها نصب النساء وجر المسلمات على الإضافة، من باب إضافة الشيء إلى نفسه، والموصوف إلى صفته، كمسجد الجامع، وجانب الغربي، ولدار الآخرة. والفرسن بكسر الفاء والسين كزبرج هو الظلف، والمراد مهما قل من المعروف والهدية فلا تحتقره المهدية ولا المهدى إليها. وأخرج مسلم عن أبي ذر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا أبا ذر، إذا طبخت مرقة فأكثر ماءها وتعاهد جيرانك. وفي رواية قال: إن خليلي أوصاني: إذا طبخت مرقًا فأكثر ماءه، ثم انظر أهل بيت من جيرانك فأصبهم منها بمعروف. وأخرج أحمد والدارمي والبخاري في الأدب والترمذي وابن خزيمة وابن حبان والحاكم والبيهقي في الشعب بسند حسن عن عبد الله بن عامر بن العاص رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: خير الأصحاب عند الله خيرهم لصاحبه. وخير الجيران عند الله خيرهم لجاره. وأخرج البخاري عن عائشة قالت: قلت يا رسول الله، إن لي جارين، فإلى أيهما أهدي؟ قال: إلى أقربهما منك بابًا. باب فضل قضاء حوائج الناس. أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله، وأحسبه قال: يشك القعنبي، وكالقائم لا يفتر، وكالصائم لا يفطر. وللبخاري قال: الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله، أو كالذي يصوم النهار ويقوم الليل. وأخرج الشيخان رحمهما الله عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يسلمه، من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه بها كربة من كرب يوم القيامة، ومن ستر مسلمًا ستره الله يوم القيامة. قوله: لا يسلمه، أي لا يخذله ولا يتخلى عنه، يقال: أسلم فلان فلانًا إذا تركه لعدوه ولم يحمه منه. وفي هذا فضل إعانة المسلم، وتفريج الكرب عنه، وستر زلاته، وسيأتي في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بيان الستر المندوب إليه في هذه الأحاديث. وأخرج مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلما ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه. وأخرج مسلم عن جابر قال: لدغت رجلا منا عقرب ونحن جلوس مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رجل من القوم: أرقيه يا رسول الله؟ قال: من استطاع منكم أن ينفع أخاه فليفعل. وأخرج البخاري ومسلم عن سعيد بن أبي بردة عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: على كل مسلم صدقة. قيل: أرأيت إن لم يجد؟ قال: يعمل بيديه فينفع نفسه ويتصدق. قيل: أرأيت إن لم يستطع؟ قال: يعين ذا الحاجة الملهوف. قيل: أرأيت إن لم يستطع؟ قال: يأمر بالمعروف أو الخير. قيل: أرأيت إن لم يفعل؟ قال: يمسك عن الشر فإنها صدقة. وفي رواية قال: فليعمل بالمعروف وليمسك عن الشر فإنها له صدقة. وأخرج البخاري عن جابر ومسلم عن حذيفة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: كل معروف صدقة. قوله: كل معروف صدقة، أي له حكمها في الثواب. وأن اسم الصدقة يقع على كل نوع من المعروف. وأخرج مسلم عن أبي ذر رضي الله عنه قال: قال لي النبي صلى الله عليه وسلم: لا تحقرن من المعروف شيئًا، ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق. قوله طلق روي بثلاثة أوجه: إسكان اللام، وكسرها، وطليق، ومعناه سهل منبسط، وهذا كقوله فيما سبق: لا تحقرن جارة لجارتها ولو فرسن شاة. وأخرج مسلم عن أبي مسعود البدري رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إني أبدع بي فاحملني، فقال: ما عندي. فقال رجل: يا رسول الله، أنا أدله على من يحمله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من دل على خير فله مثل أجر فاعله. قوله أبدع بي أي أعيت راحلتي، وأبدعت الراحلة انقطعت عن السير، وقوله احملني أي ركبني على دابة غيرها، كما قال الله تعالى: ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه. وأخرج البخاري ومسلم رحمهما الله عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا جاءه السائل أو طُلبت إليه حاجة أقبل على جلسائه فقال: اشفعوا تؤجروا، ويقضي الله على لسان نبيه ما شاء. وفي رواية: وليقض الله على لسان نبيه ما أحب.