الحديث رقم 270

كتاب الأدب والتربية · المدة 9:15 · المقطع 12 من 60

☆ أضف للمفضلة

نص الحلقة

في باب الأمانة وذم الخيانة، أخرج مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من حمل علينا السلاح فليس منا، ومن غشنا فليس منا. وقد تقدم في باب الإيمان قول العلماء في مثل هذه الأحاديث، كقوله: لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض، وقوله: أيما رجل قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما، وقوله: ليس من رجل ادعى لغير أبيه وهو يعلمه إلا كفر، ونحوها. وهو أن ظاهر هذه الأحاديث غير مراد، لأن المذهب الحق أن المسلم لا يكفر بالمعاصي، ولا يخلد بها في النار، ولهم فيها تأويلات، منها أنها محمولة على من استحل ذلك، ومنها أن ذلك يؤول به إلى الكفر، لأن المعاصي بريد الكفر، وغير ذلك. خلافًا للمعتزلة، فإنهم يزعمون أن ارتكاب المعاصي يخرج صاحبه عن الإيمان ويخلده في النار، ولا يسمونه كافرًا بل فاسقًا مخلدًا في النار. وخلافًا للخوارج، فإنهم يكفرون أصحاب المعاصي، والأحاديث كثيرة متظاهرة على أن كل ما دون الشرك من المعاصي لا يكفر صاحبه، ولا يخلد في النار، بل هو تحت مشيئة الله تعالى. قال تعالى: إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء. وفي حديث الشفاعة: وعزتي وجلالي وكبريائي وعظمتي لأخرجن منها من قال لا إله إلا الله. رواه الشيخان. أما قوله ليس منا، فقال العلماء معناه ليس على هدينا وجميل طريقتنا، كما يقول الرجل لابنه لست مني. وفي الحديث تحريم حمل السلاح على المسلمين، وتحريم غشهم. باب الصبر وكف الأذى. أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: مثل المؤمن كمثل الزرع، لا تزال الريح تميله، ولا يزال المؤمن يصيبه البلاء. ومثل المنافق كمثل شجرة الأرز، لا تهتز حتى تستحصد. وللبخاري عنه قال: مثل المؤمن كمثل خامة الزرع، من حيث أتتها الريح تكفئها، فإذا سكنت اعتدلت، وكذلك المؤمن يكفأ بالبلاء. ومثل الكافر كمثل الأرزة، صماء معتدلة حتى يقصمها الله إذا شاء. ولهما عن كعب بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: مثل المؤمن كمثل الخامة من الزرع تفيئها الرياح، تصرعها مرة وتعدلها مرة حتى يأتيه أجله. وفي رواية: حتى تهيج. ومثل المنافق، وفي رواية الكافر، مثل الأرزة المجذية التي لا يصيبها شيء حتى يكون انجعافها مرة واحدة. الخامة هي الغضة اللينة، والأرزة واحدة الأرز، وهو شجر عظيم صلب كالصنوبر تصنع من خشبه السفن. وقوله صماء أي قوية مكتنزة. وتفيئها الرياح، أي تميلها، وتهييج، أي تيبس وتصفر، والمجذية، الثابتة المنتصبة. وأخرج مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر. وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والدارمي وابن ماجه والترمذي والبزار وابن حبان والحاكم والبيهقي في السنن بسند حسن عن سعد رضي الله عنه قال: قلت يا رسول الله، أي الناس أشد بلاء؟ قال: الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل، يبتلى الرجل على حسب دينه، فإن كان دينه صلبا اشتد بلاؤه، وإن كان في دينه رقة ابتلي على حسب دينه، فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض ما عليه خطيئة. وأخرج مسلم عن صهيب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: عجبا لأمر المؤمن، إن أمره كله له خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له. وأخرج البخاري ومسلم رحمهما الله عن أبي سعيد وأبي هريرة رضي الله عنهما أنهما سمعا رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب ولا هم ولا حزن ولا أذى ولا غم حتى الشوكة يشاكها، وفي رواية: حتى الهم يهمه. إلا كفر الله به سيئاته. وفي رواية: حتى الهم يهمه إلا كفر الله به سيئاته. النصب: التعب، والوصب: المرض، وقيل هو الوجع اللازم، كقوله تعالى: ولهم عذاب واصب، أي لازم. قال النووي: قوله يهمه، قال القاضي: هو بضم الياء وفتح الهاء على ما لم يسم فاعله، وضبطه غيره يهمه، بفتح الياء وضم الهاء، أي يغمه، وكلاهما صحيح. وأخرج البخاري ومسلم عن الأسود عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ما من مصيبة تصيب المسلم إلا كفر الله عنه بها، حتى الشوكة يشاكها. ولمسلم: إلا رفعه الله بها درجة، وحط عنه بها خطيئة. وفي أخرى له قال: دخل شباب من قريش على عائشة وهي بمنى، وهم يضحكون، فقالت: ما يضحككم؟ قالوا: خرف فلان على طنب فسطاط، فكادت عنقه أو عينه أن تذهب. فقالت: لا تضحكوا، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ما من مسلم يشاك شوكة فما فوقها إلا كتبت له بها درجة، ومحيت عنه بها خطيئة. الطنب والطنب: الحبل الذي يشد به الفسطاط والخباء ونحوهما، والفسطاط هو البيت من الشعر، وقد يطلق على غير الشعر. وأخرج البخاري عن أنس قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول. إن الله قال: إذا ابتليت عبدي بحبيبتيه فصبر، عوضته منهما الجنة. يريد عينيه. وأخرج البخاري عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: يقول الله تعالى: ما لعبدي المؤمن عندي جزاء إذا قبضت صفيه من أهل الدنيا ثم احتسبه إلا الجنة. صفيه هو الحبيب المصافي، كالولد والأخ، وكل من يحبه الإنسان. وقوله احتسبه أي صبر على فقده راجياً الأجر من الله، راضياً بقضائه. قال الحافظ ابن حجر: ولم يقع التقييد بالاحتساب في بعض الأحاديث، وقد عُرف من القواعد الشرعية أن الثواب لا يترتب إلا على النية، فلا بد من قيد الاحتساب، والأحاديث المطلقة محمولة على المقيدة. وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والبخاري في الأدب وأبو يعلى والبغوي بسند حسن عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا ابتلى الله العبد المسلم ببلاء في جسده، قال الله للملك: اكتب له صالح عمله الذي كان يعمل، فإن شفاه غسله وطهره، وإن قبضه غفر له ورحمه. وأخرج مسلم عن أبي هريرة قال: لما نزلت: من يعمل سوءاً يجز به، بلغت من المسلمين مبلغاً شديداً. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قاربوا وسددوا، ففي كل ما يصاب به المسلم كفارة، حتى النكبة ينكبها أو الشوكة يشاكها. قوله قاربوا أي اقتصدوا، فلا تغلوا ولا تقصروا بل توسطوا، وسددوا أي اقصدوا السداد وهو الصواب، والنكبة ينكبها قال النووي هي مثل العثرة يعثرها برجله، وربما جرحت إصبعه، وأصل النكب الكب والقلب.