الحديث رقم 308
نص الحلقة
في باب الرؤى ورؤى النبي صلى الله عليه وسلم، أخرج البخاري ومسلم رحمهما الله عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان مما يقول لأصحابه: من رأى منكم رؤيا فليقصها أعبرها له. قال: فجاء رجل منصرفه من أحد، فقال: يا رسول الله، رأيت الليلة في المنام ظلة تنطف السمن والعسل، وأرى الناس يتكففون منها بأيديهم، فالمستكثر والمستقل، وإذا سبب واصل من الأرض إلى السماء، فأراك أخذت به فعلوت، ثم أخذ به رجل آخر فعلا به، ثم أخذ به رجل آخر فعلا به، ثم أخذ به رجل فانقطع به، ثم وصل له فعلا. فقال أبو بكر: يا رسول الله، بأبي أنت، والله لتدعني فأعبرها. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: اعبرها. قال أبو بكر: أما الظلة فظلة الإسلام، وأما الذي ينطف من السمن والعسل فالقرآن حلاوته تنطف، وأما ما يتكفف الناس من ذلك فالمستكثر من القرآن والمستقل، وأما السبب الواصل من السماء إلى الأرض فالحق الذي أنت عليه، تأخذ به فيعليك الله به، ثم يأخذ به رجل من بعدك فيعلو به، ثم يأخذ به رجل آخر فيعلو به، ثم يأخذ به رجل آخر فينقطع به، ثم يوصل له فيعلو به. فأخبرني يا رسول الله بأبي أنت. أصبت أم أخطأت؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم: أصبت بعضًا وأخطأت بعضًا. قال فوالله لا تحدثني بالذي أخطأت. قال لا تقسم. قوله: كان مما يقول، أي كان كثيرًا ما يفعل ذلك. والظلة كالسحابة تظل من تحتها، وتنطف بضم الطاء وكسرها، بمعنى تقطر، ويتكففون أي يأخذون بأكفهم، والسبب الحبل، ومنه قوله تعالى: فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ. قال النووي: هذا الحديث دليل لما قاله العلماء أن إبرار المقسم المأمور به في الأحاديث الصحيحة إنما هو إذا لم تكن في إبراره مفسدة ولا مشقة ظاهرة، فإن كان لم يؤمر بإبراره؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يبر قسم أبي بكر لما رأى في إبراره من المفسدة، ولعل المفسدة ما علمه من سبب انقطاع السبب مع عثمان، وهو قتله، والحروب، والفتن المترتبة عليه، فكره ذكرها مخافة من شيوعها. وذكر احتمالات أخرى من المفاسد. قال: وفي الحديث الحث على علم الرؤيا والسؤال عنها وتأويلها. وأخرج أحمد والنسائي وأبو يعلى وابن حبان والضياء المقدسي بسند صحيح عن أنس رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم تعجبه الرؤيا الحسنة، فربما قال: هل رأى أحد منكم رؤيا؟ فإذا رأى الرؤيا الرجل الذي لا يعرفه رسول الله صلى الله عليه وسلم سأل عنه، فإن كان ليس به بأس... كان أعجب لرؤياه إليه، فجاءت امرأة فقالت: يا رسول الله، رأيت كأني دخلت الجنة، فسمعت بها وجبة ارتجت لها الجنة، فنظرت فإذا قد جيء بفلان ابن فلان وفلان ابن فلان حتى عُدَّ اثني عشر رجلاً، وقد بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية قبل ذلك. قالت: فجيء بهم عليهم ثياب طلس تشخب أوداجهم، فقيل: اذهبوا بهم إلى نهر البيدخ أو نهر البيدح، فغمسوا فيه، فخرجوا منه وجوههم كالقمر ليلة البدر، ثم أوتوا بكراسي من ذهب فقعدوا عليها، وأوتي بصحفة أو كلمة نحوها فيها بسرة فأكلوا منها، فما يقلبونها لشق إلا أكلوا من فاكهة ما أرادوا، وأكلت معهم. قال: فجاء البشير من تلك السرية، فقال: يا رسول الله، كان من أمرنا كذا وكذا، وأصيب فلان وفلان حتى عُدَّ الاثني عشر الذين عدتهم المرأة. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: عليَّ بالمرأة. فجاءت، قال: قصي على هذا رؤياك. فقصت، فقال: هو كما قالت. طلس: جمع أطلس، وهو الأسود والوسخ، وأصل الطلسة الغبرة إلى السواد، وقوله تشخب أي تسيل دماً، والبدح بكسر الباء وبالدال، والحاء المهملتين: السعة، والأبدح المكان الواسع، وامرأة بيدح: بادن ضخمة. والبذخ بالتحريك، وبالذال والخاء المعجمتين، الكبر والتطاول. والباذخ هو العالي، وامرأة بيذخ، أي بادن ضخمة، مثل بيدح، فكأن هذا منه، والله أعلم. وأخرج البخاري رحمه الله عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن من أفرى الفرى أن يري الرجل عينيه ما لم تريا. قوله أفرى الفرى، أي أكذب الكذبات، والفرية الكذبة العظيمة. واتفقت كلمة الشراح على أن كذب المنام جعل أعظم من كذب اليقظة؛ لأنه كذب على الله سبحانه وتعالى؛ لأن الرؤيا من الله، ولأنه ادعاء جزء من أجزاء النبوة كذبًا. وأخرج البخاري عن واثلة بن الأسقع رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن من أعظم الفرى أن يدعي الرجل إلى غير أبيه، أو يري عينيه ما لم تر، أو يقول على رسول الله ما لم يقل. وأخرج البخاري عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من تحلم بحلم لم يره كلف أن يعقد بين شعيرتين، ولن يفعل. قوله كلف أن يعقد بين شعيرتين، قال في المرقاة: قال القاضي: أي عذب حتى يفعل ذلك، فيجمع بين ما لا يمكن أن يعقد، كما عقد بين ما سرده واختلقه من الرؤيا. وأخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه. أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من رآني في المنام فسيراني في اليقظة، أو لكأنما رآني في اليقظة، ولا يتمثل الشيطان بي. ولمسلم: من رآني في المنام فقد رآني، فإن الشيطان لا يتمثل بي. قال أبو عبد الله البخاري: قال ابن سيرين إذا رآه في صورته.