الحديث رقم 294

كتاب الأدب والتربية · المدة 8:27 · المقطع 36 من 60

☆ أضف للمفضلة

نص الحلقة

في باب النصيحة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أخرج البخاري رحمه الله عن أنس رضي الله عنه قال: لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم فاحشًا ولا لعانًا ولا سبابًا، كان يقول لأحدنا عند المعتبة: ما له ترب جبينه. المعتبة: العتاب أو الغضب، وترب جبينه أي خر لوجهه فأصاب التراب جبينه، كقولهم: رغم أنفه. وقوله: ولا لعانًا ولا سبابًا، قال القاري: المقصود نفي اللعن والسب مطلقًا، وكل ما يكون من قبيل فحش القول، لا نفي المبالغة فيهما، وكأنه نظر إلى أن المعتاد هو المبالغة فيهما فنفاهما على صيغة المبالغة، والمقصود نفيهما مطلقًا كما يدل عليه آخر كلامه. والمعنى غاية ما يقوله عند المعاتبة أو المخاصمة هذه الكلمة. وأخرج البخاري في الأدب المفرد وابن ماجه وأبو داود والترمذي والبزار والنسائي والطبراني في الكبرى والحاكم والبيهقي في السنن والبغوي رحمهم الله جميعًا، بسند حسن عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: المستشار مؤتمن. وأخرج مسلم عن طارق بن شهاب رضي الله عنه قال: أول من بدأ بالخطبة يوم العيد قبل الصلاة مروان، فقام إليه رجل فقال: الصلاة قبل الخطبة. قال: قد ترك ما هنالك. فقال أبو سعيد الخدري رضي الله عنه: أما هذا فقد قضى ما عليه. سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان. وأخرج البخاري ومسلم عن سعيد بن المسيب قال: اجتمع علي وعثمان رضي الله عنهما بعسفان، فكان عثمان ينهى عن المتعة أو العمرة، فقال له علي: ما تريد إلى أمر فعله النبي صلى الله عليه وسلم تنهى الناس عنه؟ فقال له عثمان: دعنا منك. قال: إني لا أستطيع أن أدعك. فلما رأى ذلك علي أهل بهما جميعاً. وللبخاري قال مروان بن الحكم: إنه شهد عثمان وعلياً بين مكة والمدينة، وعثمان ينهى عن المتعة وأن يجمع بينهما، فلما رأى ذلك علي أهل بهما: لبيك بعمرة وحجة. فقال عثمان: تراني أنهى الناس وأنت تفعله؟ فقال: ما كنت لأدع سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لقول أحد. ولمسلم عن عبد الله بن شقيق قال: كان عثمان ينهى عن المتعة وكان علي يأمر بها. فقال عثمان لعلي كلمة، فقال علي: لقد علمت أنا تمتعنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: أجل، ولكننا كنا خائفين. المختار أن المتعة التي نهى عنها عثمان هي التمتع المعروف في الحج، وكان عمر وعثمان رضي الله عنهما ينهيان عنها نهي تنزيه لا نهي تحريم. وأخرج مسلم عن غنيم بن قيس قال: سألت سعد بن أبي وقاص عن المتعة في الحج. فقال: فعلناها، وهذا يومئذٍ، يعني معاوية، كافرٌ بالعرش، يعني بالعرش بيوت مكة، والعرش جمع عريش. وقال سعد ذلك لأن معاوية كان ينهى عن متعة الحج، وقد تمتع رسول الله صلى الله عليه وسلم سنة سبع في عمرة القضاء قبل أن يسلم معاوية. وأخرج مسلم عن أبي الأشعث الصنعاني قال: غزونا غزاةً وعلى الناس معاوية، فغنمنا غنائم كثيرة، فكان فيما غنمنا آنيةٌ من فضة، فأمر معاوية رجلاً أن يبيعها فيعطيها الناس، فتسارع الناس في ذلك، فبلغ عبادة بن الصامت، فقام فقال: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى عن بيع الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، إلا سواءً بسواء، عيناً بعين، فمن زاد أو ازداد فقد أربى. فرد الناس ما أخذوا، فبلغ ذلك معاوية، فقام خطيباً فقال: ألا ما بال رجال يتحدثون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أحاديث قد كنا نشهده ونصحبه فلم نسمعها منه؟ فقام عبادة بن الصامت فأعاد القصة، وقال: لنحدثن بما سمعنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن كره معاوية، أو قال: وإن رغم، ما أبالي ألا أصحبه في جنده ليلة سوداء. قوله: آنية هي جمع إناء كأوعية ووعاء. وعبادة بن الصامت الأنصاري رضي الله عنه كان أحد النقباء ليلة العقبة، وشهد بدراً والمشاهد كلها. وأخرج مسلم عن نافع بن جبير أن مروان بن الحكم خطب الناس، فذكر مكة وأهلها وحرمتها، فناداه رافع بن خديج، فقال: ما لي أسمعك ذكرت مكة وأهلها وحرمتها، ولم تذكر المدينة وأهلها وحرمتها، وقد حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم ما بين لابتيها، وذلك عندنا في أديم خولاني، إن شئت أقرأتكه. فسكت مروان، ثم قال: قد سمعت بعض ذلك. قوله: في أديم خولاني، أي مكتوب عندنا في جلد مدبوغ منسوب إلى خولان، وهي مدينة من مدن اليمن، وقرية كانت بقرب الشام خربت. وأخرج البخاري عن النعمان بن بشير رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: مثل القائم على حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة، فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم، فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقاً ولم نؤذ من فوقنا، فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعاً، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعاً. وفي رواية: مثل المدهن في حدود الله والواقع فيها مثل قوم استهموا سفينة، فصار بعضهم في أسفلها وبعضهم في أعلاها. فَكَانَ الَّذِي فِي أَسْفَلِهَا يَمُرُّونَ بِالْمَاءِ عَلَى الَّذِينَ فِي أَعْلَاهَا فَتَأَذَّوْا بِهِ، فَأَخَذَ فَأْسًا فَجَعَلَ يَنْقُرُ أَسْفَلَ السَّفِينَةِ، فَأَتَوْهُ فَقَالُوا: مَا لَكَ؟ قَالَ: تَأَذَّيْتُمْ بِي وَلَا بُدَّ لِي مِنَ الْمَاءِ، فَإِنْ أَخَذُوا عَلَى يَدَيْهِ أَنْجَوْهُ وَنَجَّوْا أَنْفُسَهُمْ، وَإِنْ تَرَكُوهُ أَهْلَكُوهُ وَأَهْلَكُوا أَنْفُسَهُمْ. الْمُدْهِنُ هُوَ الْمُحَابِي، وَالْمُدْهِنُ وَالْمُدَاهِنُ وَاحِدٌ، وَالْمُرَادُ بِهِ مَنْ يُرَاءِي وَيُضَيِّعُ الْحُقُوقَ وَلَا يُغَيِّرُ مُنْكَرًا. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَهَذَا يَشْمَلُ الْفِرَقَ الثَّلَاثَ، وَهِيَ النَّاهِي عَنِ الْمَعْصِيَةِ، وَالْوَاقِعُ فِيهَا، وَالْمُرَاءِي فِي ذَلِكَ. وَبَيَانُ وُجُودِ الْفِرَقِ الثَّلَاثِ فِي الْمَثَلِ الْمَضْرُوبِ أَنَّ الَّذِينَ أَرَادُوا خَرْقَ السَّفِينَةِ بِمَنْزِلَةِ الْوَاقِعِ فِي حُدُودِ اللَّهِ، ثُمَّ مَنْ عَدَاهُمْ إِمَّا مُنْكِرٌ وَهُوَ الْقَائِمُ عَلَى حُدُودِ اللَّهِ، وَإِمَّا سَاكِتٌ وَهُوَ الْمُدْهِنُ. قَالَ الْمُهَلَّبُ وَغَيْرُهُ: فِي هَذَا الْحَدِيثِ تَعْذِيبُ الْعَامَّةِ بِذَنْبِ الْخَاصَّةِ.