الحديث رقم 292
نص الحلقة
في باب الغيرة والحجاب وغض البصر. أخرج أبو داود والبيهقي في السنن، والبغوي والضياء في المختارة بسند حسن، عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى فاطمة ابنته بعبد قد وهبه لها. قال: وعلى فاطمة ثوب إذا قنعت به رأسها لم يبلغ رجليها، وإذا غطت به رجليها لم يبلغ رأسها. فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما تلقى، قال: إنه ليس عليك بأس، إنما هو أبوك وغلامك. قال ابن تيمية: قوله تعالى: أو ما ملكت أيمانهن يدل على أن لها أن تبدي الزينة الباطنة لمملوكها، وفيه قولان: قيل المراد الإماء والإماء الكتابيات، كما قاله ابن مسيب، ورجحه أحمد وغيره. وقيل هو المملوك الرجل، كما قاله ابن عباس وغيره، وهو الرواية الأخرى عن أحمد. فهذا يقتضي جواز نظر العبد إلى مولاته، وقد جاءت في ذلك أحاديث، وهذا لأجل الحاجة؛ لأنها محتاجة إلى مخاطبة عبدها أكثر من حاجتها إلى رؤية الشاهد والخاطب. فإذا جاز نظر أولئك فنظر العبد أولى، وليس في هذا ما يوجب أن يكون محرماً يسافر بها، كغير أولي الإربة، فإنهم يجوز لهم النظر، وليسوا محارم يسافرن بها، فليس كل من جاز له النظر جاز له السفر بها، ولا الخلوة بها، بل عبدها ينظر إليها للحاجة. وَإِنْ كَانَ لَا يَخْلُو بِهَا وَلَا يُسَافِرُ بِهَا، فَإِنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ فِي قَوْلِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَا تُسَافِرُ امْرَأَةٌ إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا إِذَا أَعْتَقَ. قَالَ: وَقَوْلُهُ أَوْ نِسَائِهِنَّ احْتِرَازٌ عَنْ النِّسَاءِ الْمُشْرِكَاتِ، فَلَا تَكُونُ الْمُشْرِكَةُ قَابِلَةً لِلْمُسْلِمَةِ، وَلَا تَدْخُلُ مَعَهُنَّ الْحَمَّامَ، لَكِنْ قَدْ كُنَّ النِّسْوَةُ الْيَهُودِيَّاتُ يَدْخُلْنَ عَلَى عَائِشَةَ وَغَيْرِهَا فَيَرَيْنَ وَجْهَهَا وَيَدَيْهَا بِخِلَافِ الرِّجَالِ، فَيَكُونُ هَذَا فِي الزِّينَةِ الظَّاهِرَةِ فِي حَقِّ النِّسَاءِ الذِّمِّيَّاتِ، وَلَيْسَ لِلذِّمِّيَّاتِ أَنْ يَطَّلِعْنَ عَلَى الزِّينَةِ الْبَاطِنَةِ، وَيَكُونُ الظُّهُورُ وَالْبُطُونُ فِي الزِّينَةِ بِحَسَبِ مَا يَجُوزُ لَهَا إِظْهَارُهُ، وَلِهَذَا كَانَ أَقَارِبُهَا تُبْدِي لَهُنَّ الْبَاطِنَةَ، وَلِلزَّوْجِ خَاصَّةً لَيْسَتْ لِلْأَقَارِبِ. قَالَ: وَقَوْلُهُ وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهَا تُغَطِّي الْعُنُقَ، فَيَكُونُ مِنَ الْبَاطِنِ لَا الظَّاهِرِ، مَا فِيهِ مِنَ الْقِلَادَةِ وَغَيْرِهَا. وَقَالَ ابْنُ عُثَيْمِينَ: عَوْرَةُ الْمَرْأَةِ مَعَ الْمَرْأَةِ مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ، وَلَكِنْ يَجِبُ أَنْ نَعْرِفَ أَنَّ النَّظَرَ شَيْءٌ وَأَنَّ اللِّبَاسَ شَيْءٌ، فَأَمَّا النَّظَرُ فَقَدْ عُلِمَ حُكْمُهُ مِنَ الْحَدِيثِ، لَا يَنْظُرُ الرَّجُلُ إِلَى عَوْرَةِ الرَّجُلِ وَلَا الْمَرْأَةُ إِلَى عَوْرَةِ الْمَرْأَةِ، وَأَمَّا اللِّبَاسُ فَلَا يَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَلْبَسَ لِبَاسًا لَا يَسْتُرُ إِلَّا الْعَوْرَةَ، وَهِيَ مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ. قَالَ: وَلَا أَظُنُّ أَحَدًا يُبِيحُ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَخْرُجَ إِلَى النِّسَاءِ كَاشِفَةً صَدْرَهَا وَبَطْنَهَا فَوْقَ السُّرَّةِ وَسَاقَهَا. قال ابن عثيمين: قال شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى حين الكلام على قول النبي صلى الله عليه وسلم: كاسيات عاريات، بأن تكتسي ما لا يسترها، فهي كاسية وهي في الحقيقة عارية، مثل من تكتسي الثوب الرقيق الذي يصف بشرتها، أو الثوب الضيق الذي يبدي تقاطيع خلقها، مثل عجزتها وساعدها ونحو ذلك، وإنما كسوة المرأة ما يسترها ولا يبدي جسمها ولا حجم أعضائها لكونه كثيفًا واسعًا. انتهى. قال ابن عثيمين: والخلاصة أن اللباس شيء، والنظر إلى العورة شيء آخر. أما اللباس، فلباس المرأة مع المرأة المشروع فيه أن يستر ما بين كف اليد إلى كعب الرجل، هذا هو المشروع. ولكن لو احتاجت المرأة إلى تشمير ثوبها لشغل أو نحوه، فلها أن تشمر إلى الركبة، وكذلك لو احتاجت أن تشمر الذراع إلى العضد، فإنها تفعل ذلك بقدر الحاجة فقط. وأما أن يكون هذا هو اللباس المعتاد الذي تلبسه، فلا. والحديث لا يدل عليه بأي حال من الأحوال. ولهذا وُجِّه الخطاب إلى الناظرة لا إلى المنظورة. ولم يتعرض الرسول صلى الله عليه وسلم لذكر اللباس إطلاقًا، فلم يقل: لباس المرأة ما بين السرة والركبة، حتى يكون في هذا شبهة لهؤلاء النساء. وأما محارمهن في النظر، فنظر المرأة إلى المرأة، بمعنى أنه يجوز للمرأة أن تكشف عند محارمها ما تكشفه عند النساء، تكشف الرأس والرقبة والقدم والكف والذراع والساق وما أشبه ذلك، ولكن لا تجعل اللباس قصيرًا. وأخرج البخاري ومسلم عن ابن عباس قال: ما رأيت شيئًا أشبه باللمم مما قال أبو هريرة، إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنا، أدرك ذلك لا محالة، فزنا العينين النظر، وزنا اللسان النطق، والنفس تمنى وتشتهي، والفرج يصدق ذلك أو يكذبه. ولمسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: كتب على ابن آدم نصيبه من الزنا، مدرك ذلك لا محالة، العينان زناهما النظر، والأذنان زناهما الاستماع، واللسان زناه الكلام، واليد زناها البطش، والرجل زناها الخطا، والقلب يهوى ويتمنى، ويصدق ذلك الفرج أو يكذبه. أخرجه في باب القدر، وأخرجه البخاري في غيره. واللمم صغار الذنوب، وقيل مقاربتها، وأراد ابن عباس قول الله تعالى: الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم. وأخرج البخاري ومسلم رحمهما الله عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: أردف رسول الله صلى الله عليه وسلم الفضل بن عباس يوم النحر خلفه على عجز راحلته، وكان الفضل رجلًا وضيئًا، فوقف النبي صلى الله عليه وسلم للناس يفتيهم، وأقبلت امرأة من خثعم وضيئة تستفتي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فطفق الفضل ينظر إليها وأعجبه حسنها، فالتفت النبي صلى الله عليه وسلم والفضل ينظر إليها. فَأَخْلَفَ بِيَدِهِ، فَأَخَذَ بِذَقَنِ الفَضْلِ فَعَدَلَ وَجْهَهُ عَنِ النَّظَرِ إِلَيْهَا. هذه رواية البخاري. ولمسلم قال: فَجَعَلَ الفَضْلُ يَنْظُرُ إِلَيْهَا وَتَنْظُرُ إِلَيْهِ، وَجَعَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصْرِفُ وَجْهَ الفَضْلِ إِلَى الشِّقِّ الآخَرِ. قال النووي: فيه تحريم النظر إلى الأجنبية، وإزالة المنكر باليد لمن أمكنه. وقال ابن حجر: والذي يظهر لي من مجموع هذه الطرق أن السائل رجل، وكانت ابنته معه، فسألت أيضًا، والمسؤول عنه أبو الرجل وأمه جميعًا. ويقرب ذلك ما رواه أبو يعلى بإسناد قوي عن الفضل بن عباس قال: كنت رديف النبي صلى الله عليه وسلم، وأعرابي معه بنت له حسناء، فجعل الأعرابي يعرضها لرسول الله صلى الله عليه وسلم رجاء أن يتزوجها، وجعلت ألتفت إليها، ويأخذ النبي صلى الله عليه وسلم برأسي فيلويه. وأخرج الشيخان عن عائشة رضي الله عنها قالت: لقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي الفجر، فيشهد معه نساء من المؤمنات متلفعات في مروطهن، ثم يرجعن إلى بيوتهن ما يعرفهن أحد. وللبخاري: لا يُعْرَفْنَ من الغلس، أو لا يعرف بعضهن بعضًا. وله في أخرى قالت: يرحم الله نساء المهاجرات الأول، لما أنزل الله: وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ شققن مروطهن فاختمرن بها. سبق الحديث في كتاب الصلاة باب المواقيت. وقولها متلفعات في مروطهن، أي متجللات متلففات بأكسيتهن، ساترات وجوههن وأبدانهن. واختمرن بها، أي غطين بوجوههن بها. قال النووي: قولهما يُعرفن من الغلس هو بقاء ظلام الليل. قال الداودي: معناه ما يُعرفن أنساء هن أم رجال. وقيل ما تُعرف أعيانهن، وهذا ضعيف؛ لأن المتلفعة لا تُعرف عينها في النهار أيضًا، فلا يبقى في الكلام فائدة. وأخرج البخاري عن أم سلمة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا سلم يمكث في مكانه يسيرًا. قالت: فنرى، والله أعلم، لكي ينصرف النساء قبل أن يدركهن الرجال. وفي رواية: أن النساء في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كن إذا سلمن من المكتوبة قمن، وثبت رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن صلى من الرجال ما شاء الله، فإذا قام رسول الله صلى الله عليه وسلم قام الرجال. وأخرج مسلم عن جرير بن عبد الله رضي الله عنه قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نظر الفجاءة، فقال: اصرف بصرك. وفي رواية: فأمرني أن أصرف بصري. الفجاءة: البغتة. قال النووي: معنى نظر الفجأة أن يقع بصره على الأجنبية من غير قصد، فلا إثم عليه في أول ذلك، ويجب عليه أن يصرف بصره في الحال، فإن صرفه في الحال وإلا أثم. لهذا الحديث.