الحديث رقم 310

كتاب الأدب والتربية · المدة 9:54 · المقطع 52 من 60

☆ أضف للمفضلة

نص الحلقة

في باب الرؤى ورؤى النبي صلى الله عليه وسلم، وقف بنا الحديث عند حديث سمرة بن جندب في رؤيا النبي صلى الله عليه وسلم. قال: قلت لهما: ما هؤلاء؟ قالا لي: انطلق انطلق. فانطلقنا فأتينا على نهر حسبت أنه يقول أحمر مثل الدم، وفي رواية: حتى أتينا على نهر من دم، ولم يشك. وإذا في النهر رجل سابح يسبح، وإذا على شط النهر رجل قد جمع عنده حجارة كثيرة، وإذا ذلك السابح يسبح ما يسبح، ثم يأتي ذلك الذي قد جمع عنده الحجارة، فيفغر فاه فيلقمه حجرا، فينطلق فيسبح، ثم يرجع إليه، كلما رجع إليه فغر فاه فألقمه حجرا. قلت لهما: ما هذان؟ قالا لي: انطلق انطلق. فانطلقنا فأتينا على رجل كريه المرآة، أو كأكره ما أنت راءٍ رجلا مرأى، وإذا عنده نار يحشها ويسعى حولها. قلت لهما: ما هذان؟ قالا لي: انطلق انطلق. فانطلقنا فأتينا على روضة معتمة معشبة فيها من كل لون الربيع، وإذا بين ظهري الروضة رجل طويل لا أكاد أرى رأسه طولا في السماء، وإذا حول الرجل من أكثر ولدان رأيتهم قط. قلت لهما: ما هذا؟ ما هؤلاء؟ قالا لي: انطلق انطلق. فانطلقنا. فانتهينا إلى روضة عظيمة لم أر روضة قط أعظم منها ولا أحسن. قال لي: ارق فيها. فارتقينا فيها، فانتهينا إلى مدينة مبنية بلبن ذهب ولبن فضة، فأتينا باب المدينة فاستفتحنا، ففتح لنا فدخلناها، فتلقانا رجال شطر من خلقهم كأحسن ما أنت راء، وشطر كأقبح ما أنت راء. قال لهم: اذهبوا فقعوا في ذلك النهر، وإذا نهر معترض يجري كأن ماءه المحض في البياض، فذهبوا فوقعوا فيه، ثم رجعوا إلينا قد ذهب ذلك السوء عنهم، فصاروا في أحسن صورة. قال لي: هذه جنة عدن، وهذاك منزلك. فسما بصري صعودا، فإذا قصر مثل الربابة البيضاء. قال لي: هذاك منزلك. قلت لهما: بارك الله فيكما، فذراني فأدخله. قالا: أما الآن فلا، وأنت داخله. قلت لهما: فإني رأيت منذ الليلة عجبا، فما هذا الذي رأيت؟ قالا لي: أما إنا سنخبرك. أما الرجل الأول الذي أتيت عليه يثلغ رأسه بالحجر، فإنه الرجل يأخذ القرآن فيرفضه وينام عن الصلاة المكتوبة. وفي رواية: فرجل علمه الله القرآن فنام عنه بالليل ولم يعمل فيه بالنهار، يفعل به إلى يوم القيامة. وأما الرجل الذي أتيت عليه يشرشر شدقه إلى قفاه، ومنخره إلى قفاه، وعينه إلى قفاه. فَإِنَّهُ الرَّجُلُ يَغْدُو مِنْ بَيْتِهِ فَيَكْذِبُ الْكَذْبَةَ تَبْلُغُ الْآفَاقَ، فَيُصْنَعُ بِهِ مَا رَأَيْتَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. وَأَمَّا الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ الْعُرَاةُ الَّذِينَ هُمْ فِي مِثْلِ بِنَاءِ التَّنُّورِ فَإِنَّهُمُ الزُّنَاةُ وَالزَّوَانِي. وَأَمَّا الرَّجُلُ الَّذِي أَتَيْتَ عَلَيْهِ يَسْبَحُ فِي النَّهَرِ وَيُلْقَمُ الْحِجَارَةَ فَإِنَّهُ آكِلُ الرِّبَا. وَأَمَّا الرَّجُلُ الْكَرِيهُ الْمَرَآةَ الَّذِي عِنْدَ النَّارِ يَحُشُّهَا وَيَسْعَى حَوْلَهَا فَإِنَّهُ مَالِكٌ خَازِنُ جَهَنَّمَ. وَأَمَّا الرَّجُلُ الطَّوِيلُ الَّذِي فِي الرَّوْضَةِ فَإِنَّهُ إِبْرَاهِيمُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَأَمَّا الْوِلْدَانُ الَّذِينَ حَوْلَهُ فَكُلُّ مَوْلُودٍ مَاتَ عَلَى الْفِطْرَةِ. فَقَالَ بَعْضُ الْمُسْلِمِينَ: يَا رَسُولَ اللهِ، وَأَوْلَادُ الْمُشْرِكِينَ؟ فَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَأَوْلَادُ الْمُشْرِكِينَ. وَأَمَّا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَانُوا شَطْرٌ مِنْهُمْ حَسَنٌ وَشَطْرٌ مِنْهُمْ قَبِيحٌ فَإِنَّهُمْ قَوْمٌ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا تَجَاوَزَ اللهُ عَنْهُمْ. وَفِي رِوَايَةٍ: فَانْطَلَقْنَا حَتَّى انْتَهَيْنَا إِلَى رَوْضَةٍ خَضْرَاءَ فِيهَا شَجَرَةٌ عَظِيمَةٌ، وَفِي أَصْلِهَا شَيْخٌ وَصِبْيَانٌ، وَإِذَا رَجُلٌ قَرِيبٌ مِنَ الشَّجَرَةِ بَيْنَ يَدَيْهِ نَارٌ يُوقِدُهَا، ثُمَّ أَخْرَجَانِي مِنْهَا فَصَعِدَا بِيَ الشَّجَرَةَ، فَأَدْخَلَانِي دَارًا هِيَ أَحْسَنُ وَأَفْضَلُ، فِيهَا شُيُوخٌ وَشَبَابٌ. قُلْتُ: طَوَّفْتُمَانِي اللَّيْلَةَ فَأَخْبِرَانِي عَمَّا رَأَيْتُ. قَالَا: نَعَمْ. وَفِيهَا، وَالشَّيْخُ فِي أَصْلِ الشَّجَرَةِ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ. والصبيان حوله، فأولاد الناس، والذي يوقد النار مالك خازن النار، والدار الأولى التي دخلت دار عامة المؤمنين، وأما هذه الدار فدار الشهداء، وأنا جبريل وهذا ميكائيل، فارفع رأسك. فرفعت رأسي، فإذا فوقي مثل السحاب، قال: ذاك منزلك. قلت: دعاني أدخل. قال: إنه بقي لك عمر لم تستكمله، فلو استكملته أتيت منزلك. قوله: يتدهده، يعني يتدحرج، والكلوب حديدة معوجة الرأس، وقوله: كريه المرآة، أي كريه المنظر، وقوله: يحشها، أي يوقدها ويحركها، روضة معتمة، ولبعضهم بفتح الميم المثناة وتشديد الميم: معتمة، أي غطاها الخصب، وصفها بشدة الخضرة كقول الله تعالى: مُدْهَامَّتَانِ، وقوله: من كل لون الربيع، كذا للأكثر، وفي رواية: نور الربيع، وهو الزهر، وقوله: فانتهينا إلى روضة عظيمة، لم أر روضة قط أعظم منها ولا أحسن، قال: قال لي: ارقَ فارتقيت فيها، في رواية أحمد والنسائي وأبي عوانة والإسماعيلي: إلى دوحة بدل روضة، والدوحة الشجرة الكبيرة، وفيه: فصعد بي في الشجرة، وهي التي تناسب الرقي والصعود، وقوله: كأنه المحض، المحض هو اللبن الخالص. وقوله مثل الربابة، الربابة هي السحابة. وأخرج البخاري ومسلم عن أبي موسى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: رأيت في المنام أني أهاجر من مكة إلى أرض بها نخل، فذهب وهلي إلى أنها اليمامة أو هجر، فإذا هي المدينة يثرب، ورأيت في رؤياي هذه أني هززت سيفًا فانقطع صدره، فإذا هو ما أُصيب به المؤمنون يوم أحد، ثم هززته أخرى فعاد أحسن ما كان، فإذا هو ما جاء الله به من الفتح واجتماع المؤمنين، ورأيت فيها أيضًا بقرًا، والله خير، فإذا هم النفر من المؤمنين يوم أحد، وإذا الخير ما جاء الله به من الخير بعد، وثواب الصدق الذي آتانا الله بعد يوم بدر. قوله: ذهب وهلي، أي ذهب وهمي. قال النووي: قد جاء في غير مسلم زيادة في هذا الحديث: ورأيت بقرًا تنحر، وبهذه الزيادة يتم تأويل الرؤيا بما ذُكر، فنحر البقر هو قتل الصحابة رضي الله عنهم الذين قُتلوا بأحد. قال القاضي عياض: ضبطنا هذا الحرف عن جميع الرواة: والله خير، وبعد يوم بدر بضم دال بعد ونصب يوم. قال: ورُوي بنصب الدال: بعد يوم بدر. قال: ومعناهما جاء الله به بعد بدر الثانية من تثبيت قلوب المؤمنين، لأن الناس جمعوا لهم وخوفوهم، فزادهم ذلك إيمانًا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل، فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء. وتفرق العدو عنهم هيبةً لهم. قال القاضي: قال أكثر شراح الحديث معناه ثواب الله خير، أي صنع الله بالمقتولين خير لهم من بقائهم في الدنيا. قال القاضي: والأولى قول من قال: والله خير من جملة الرؤيا، بدليل تأويله لها بقوله صلى الله عليه وسلم: وإذا الخير ما جاء الله به، والله أعلم. وأخرج أحمد والدارمي والنسائي والضياء عن جابر، وأحمد والحاكم والبيهقي في السنن عن ابن عباس بسند حسن، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: رأيت كأني في درع حصينة، ورأيت بقراً تنحر، فأولت أن الدرع الحصينة المدينة، وأن البقر نفر، والله خير.