الحديث رقم 291
نص الحلقة
في باب الغيرة والحجاب وغض البصر، أخرج مسلم عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان مع إحدى نسائه، فمر به رجل فدعاه فجاء، فقال: يا فلان، هذه زوجتي فلانة. فقال: يا رسول الله، من كنت أظن به فلم أكن أظن بك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الشيطان يجري من الإنسان مجرى الدم. بوب عليه مسلم رحمه الله بقوله: باب أنه يستحب لمن رؤي خالياً بامرأة، وكانت زوجته أو محرماً له، أن يقول: هذه فلانة، ليدفع ظن السوء به. وأخرج البخاري ومسلم عن أنس قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم، ورسول الله صلى الله عليه وسلم على راحلته، وقد أردف صفية بنت حيي، فعثرت ناقته فصرعا جميعاً، فاقتحم أبو طلحة، فقال: يا رسول الله، جعلني الله فداءك، هل أصابك شيء؟ قال: لا، ولكن عليك بالمرأة. فقلب أبو طلحة ثوباً على وجهه، وقصد قصدها، فألقى ثوبه عليها، فقامت المرأة وأصلح لهما مركبهما فركبا. وفي رواية قال: فعثرت مطية رسول الله صلى الله عليه وسلم فصرعت، يعني صفية. قال: فليس أحد من الناس ينظر إليها ولا إليه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنها أمكم. حتى قام رسول الله صلى الله عليه وسلم فسترها. فَأَتَيْنَاهُ فَقَالَ لَمْ نُضَرَّ. سبق الحديث بطوله في كتاب النكاح باب الوليمة. وصرع الراكب أي وقع عن ظهر مركوبه. وقوله اقتحم، يقال اقتحم الإنسان الأمر العظيم وتقحمه إذا رمى فيه بنفسه من غير روية ولا تثبت. وأخرج الشيخان عن أبي سعيد رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر سفراً يكون ثلاثة أيام فصاعداً إلا ومعها أبوها أو ابنها أو زوجها أو أخوها أو ذو محرم منها. وفي رواية: لا تسافر المرأة يومين من الدهر إلا ومعها ذو محرم منها أو زوجها. وأخرج الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرة يوم وليلة وليس معها ذو حرمة منها. وفي رواية: مسيرة يوم، ولمسلم: مسيرة ليلة. وفي أخرى له: لا يحل لامرأة تسافر ثلاثة إلا ومعها ذو محرم منها. قال النووي: وفي رواية لأبي داود: ولا تسافر بريداً، والبريد مسيرة نصف يوم. قال العلماء: اختلاف هذه الألفاظ لاختلاف السائلين واختلاف المواطن، وليس في النهي عن الثلاثة تصريح بإباحة اليوم والليلة أو البريد، فالحاصل أن كل ما يسمى سفراً. تنهى عنه المرأة بغير زوج أو محرم، بغض النظر عن مدته، لرواية ابن عباس المطلقة في الحديث الآتي. أخرج البخاري ومسلم عن ابن عباس أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يخطب يقول: لا يخلون رجل بامرأة إلا ومعها ذو محرم. وفي رواية: ولا يدخل عليها رجل إلا ومعها محرم، ولا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم. فقام رجل فقال: يا رسول الله، إن امرأتي خرجت حاجة، وإني اكتتبت في غزوة كذا وكذا. قال: انطلق فحج مع امرأتك. قوله: ذو محرم هو كل من تحرم عليه حرمة مؤبدة. وكره مالك رحمه الله سفرها مع ابن زوجها وإن كان محرماً على التأبيد لفساد الناس. وأخرج البخاري ومسلم رحمهما الله عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء. وأخرج مسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن الدنيا حلوة خضرة، وإن الله مستخلفكم فيها فينظر كيف تعملون، فاتقوا الدنيا واتقوا النساء، فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء. قوله: حلوة خضرة معناه غضة ناعمة طرية. وأخرج مسلم عن جابر رضي الله عنه. أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى امرأة، فأتت امرأته زينب وهي تمعس منيئةً لها، فقضى حاجته ثم خرج إلى أصحابه، فقال: إن المرأة تقبل في صورة شيطان، وتدبر في صورة شيطان، فإذا أبصر أحدكم امرأة فليأت أهله، فإن ذلك يرد ما في نفسه. وفي رواية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إذا أحدكم أعجبته المرأة فوقعت في قلبه، فليعمد إلى امرأته فليواقعها، فإن ذلك يرد ما في نفسه. قوله: تمعس منيئةً، أي تدلك جلدًا لم يتمم دباغه، والمعس المعك والدلك الشديد، والمنيئة الجلد أول ما يدبغ. وما وقع لرسول الله صلى الله عليه وسلم إنما هو غيب لا يعلمه إلا الله، لكنه أراد تعليم أمته صلى الله عليه وسلم، وفيه أنه يستحب لمن رأى امرأة فتحركت شهوته أن يأتي امرأته. وقوله في صورة شيطان، قال العلماء: لما جعله الله تعالى في نفوس الرجال من الميل إلى النساء والالتذاذ بنظرهن، وذلك مدعاة للهوى والفتنة كما يفعل الشيطان. قال النووي: ويستنبط منه أنه ينبغي لها ألا تخرج بين الرجال إلا لضرورة، وأنه ينبغي للرجل غض بصره والإعراض عنها مطلقًا. وأخرج الشيخان عن عائشة رضي الله عنها. أن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم كن يخرجن بالليل قبل المناصع، وهو صعيد أفيح، وكان عمر يقول للنبي صلى الله عليه وسلم: احجب نساءك، فلم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل. فخرجت سودة بنت زمعة زوج النبي صلى الله عليه وسلم ليلة من الليالي عشاءً، وكانت امرأة طويلة، فناداها عمر: ألا قد عرفناك يا سودة، حرصًا على أن ينزل الحجاب. وفي رواية قالت: خرجت سودة بعدما ضرب الحجاب لحاجتها، وكانت امرأة جسيمة تفرع النساء جسمًا، وفي رواية: يفرع النساء جسمها، لا تخفى على من يعرفها. فرآها عمر بن الخطاب فقال: يا سودة، أما والله ما تخفين علينا، فانظري كيف تخرجين. فانكفأت راجعة، ورسول الله صلى الله عليه وسلم في بيتي، وإنه ليتعشى وفي يده عرق، فدخلت فقالت: يا رسول الله، إني خرجت فقال لي عمر كذا وكذا. قالت: فأوحي إليه، ثم رفع عنه وإن العرق في يده ما وضعه، فقال: إنه قد أذن لكن أن تخرجن لحاجتكن. المناصع: المواضع التي يتخلى فيها لقضاء الحاجة. قال الأزهري: أراها مواضع مخصوصة خارج المدينة، وقولها أفيح بمعنى واسع، والعرق عظم عليه بقية لحم.