الحديث رقم 264
نص الحلقة
في باب لين الجانب وحسن الخلق، أخرج مسلم عن أبي ذر قال: قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أرأيت الرجل يعمل العمل من الخير ويحمده الناس عليه، وفي رواية: ويحبه الناس عليه؟ قال: تلك عاجل بشرى المؤمن. قال النووي: قال العلماء معناه هذه البشرى المعجلة له بالخير، وهذا كله إذا حمده الناس من غير تعرض منه لحمدهم، وإلا فالتعرض مذموم. وأخرج البخاري ومسلم عن عمران بن حصين رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: الحياء لا يأتي إلا بخير، وفي رواية: الحياء خير كله، أو قال: الحياء كله خير. فقال بشير بن كعب: إنه مكتوب في الحكمة: إن منه وقارًا، ومنه سكينة، ومنه ضعف. فقال عمران: أحدثك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتحدثني عن صحفك؟ ولمسلم قال: فغضب عمران حتى احمرت عيناه، وقال: ألا أرى أحدثك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتعارض فيه؟ فأعاد عمران الحديث، فأعاد بشير، فغضب عمران، فما زلنا نقول فيه: إنه منا يا أبا نجيد، إنه لا بأس به. قوله: احمرت عيناه كذا عند مسلم، وهي لغة معروفة، وعند أبي داود: واحمرت عيناه من غير ألف. وقوله: فما زلنا نقول فيه إنه منا، إنه لا بأس به. أي ليس ممن يُتَّهَم بنفاق ولا زندقة، يهدئون عمران لما رأوا من شدة غضبه وإنكاره رضي الله عنه. وأخرج البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أشد حياءً من العذراء في خدرها، فإذا رأى شيئًا يكرهه عرفناه في وجهه. قوله عرفناه في وجهه، أي لا يتكلم به لحيائه، بل يتغير وجهه، فنفهم نحن كراهته له. وأخرج البخاري ومسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر على رجل من الأنصار وهو يعظ أخاه في الحياء، وفي رواية مر على رجل وهو يعاتب أخاه في الحياء، يقول: إنك لتستحي، حتى كأنه يقول: قد أضر بك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: دعه، فإن الحياء من الإيمان. وأخرج البخاري عن أبي مسعود البدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستحِ فاصنع ما شئت. قال ابن حجر: قال النووي في الأربعين: الأمر فيه للإباحة، أي إذا أردت فعل شيء، فإن كان مما لا تستحي إذا فعلته من الله ولا من الناس فافعله، وإلا فلا. وعلى هذا مدار الإسلام، وقيل هو أمر تهديد. ومعناه إذا نزع منك الحياء فافعل ما شئت، فإن الله مجازيك عليه. وفيه إشارة إلى تعظيم أمر الحياء. وقيل: هو أمر بمعنى الخبر، أي من لا يستحي يصنع ما أراد. وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والترمذي وابن حبان والحاكم بسند حسن عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: الحياء من الإيمان، والإيمان في الجنة، والبذاء من الجفاء، والجفاء في النار. البذاء: الفحش في القول، يقال: فلان بذي اللسان، وقيل: البذي الذي لا حياء عنده. والجفاء: غلظ الطبع، وعدم الرقة والرحمة، والتباعد من الناس، وأصله التباعد، قال تعالى: تتجافى جنوبهم عن المضاجع. وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وأبو داود والترمذي والبيهقي في السنن بسند حسن عن عبد الله بن عامر بن العاص أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن الله يبغض البليغ من الرجال الذي يتخلل بلسانه كما تتخلل البقرة بلسانها. قال في عون المعبود: يتخلل بلسانه أي يأكل بلسانه، أو يدير لسانه حول أسنانه مبالغة في إظهار بلاغته. قال الخطابي: وإنما كره صلى الله عليه وسلم ذلك لما يدخله من الرياء والتصنع، وما يخالطه من الكذب والتزيد، وأمر أن يكون الكلام بقدر الحاجة. غير زائد عليها، يوافق ظاهره باطنه، وسره علانيته، وأما من بلاغته خلقية فغير مبغوض، كذا في السراج المنير. وأخرج مسلم عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيء إلا شانه. وفي رواية: ركبت عائشة بعيرًا وكانت فيه صعوبة، فجعلت تردده، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: عليك بالرفق، ثم ذكر مثله. وفي أخرى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن الله رفيق يحب الرفق، ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف، وما لا يعطي على ما سواه. وأخرج مسلم عن جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من يحرم الرفق يحرم الخير. وأخرج البخاري ومسلم عن سعيد بن أبي بردة عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم بعثه ومعاذًا إلى اليمن، فقال: ادعوا الناس وبشرا ولا تنفرا، ويسرا ولا تعسرا، وتطاوعا ولا تختلفا. وأخرج البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: دخل رهط من اليهود على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: السام عليك. قالت عائشة: ففهمتها، فقلت: عليكم السام واللعنة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: مهلًا يا عائشة، إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله. فقلت: يا رسول الله، ألم تسمع ما قالوا؟ قال صلى الله عليه وسلم: قد قلت، وعليكم. وفي رواية: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قد قلت: وعليكم، ولم يذكر الواو. وللبخاري أن اليهود أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: السام عليك، فقال: وعليكم. فقالت عائشة: السام عليكم، ولعنكم الله وغضب عليكم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا عائشة، عليك بالرفق، وإياك والعنف والفحش. قالت: أولم تسمع ما قالوا؟ قال: أولم تسمعي ما قلت؟ رددت عليهم، فيستجاب لي فيهم ولا يستجاب لهم في. ولمسلم قال: أتى النبي صلى الله عليه وسلم ناس من اليهود فقالوا: السام عليك يا أبا القاسم، قال: وعليكم. قالت عائشة: بل عليكم السام والذام. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا عائشة، لا تكوني فاحشة. فقالت: أما سمعت ما قالوا؟ فقال: أوليس قد رددت عليهم الذي قالوا؟ قلت: وعليكم. وفي أخرى له قال: ففطنت بهم عائشة، وسبتهم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: مه يا عائشة، فإن الله لا يحب الفحش ولا التفحش. فأنزل الله عز وجل: وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ. ولمسلم عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سلم عليه ناس من اليهود. فقالوا السام عليك يا أبا القاسم، فقال وعليكم. فقالت عائشة وغضبت: ألم تسمع ما قالوا؟ قال: بلى، قد سمعت، فرددت عليهم، وإنا نجاب عليهم ولا يجابون علينا. السام: الموت، والذام بتخفيف الميم وتشديدها العيب، يهمز ولا يهمز. قال تعالى: مَذُومًا مَدْحُورًا. وقوله: وعليكم روي بواو وبلا واو، ولكليهما وجه ظاهر.