الحديث رقم 64
نص الحلقة
في باب المواقيت، أخرج الشافعي وابن أبي شيبة وأحمد وأبو داود والترمذي وابن خزيمة والطبراني في الكبير والدارقطني والبيهقي في السنن، بسند حسن، عن ابن عباس رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: أمني جبريل صلوات الله عليه عند البيت مرتين، فصلى الظهر في الأولى منهما حين كان الفيء مثل الشراك، ثم صلى العصر حين كان كل شيء مثل ظله، ثم صلى المغرب حين وجبت الشمس وأفطر الصائم، ثم صلى العشاء حين غاب الشفق، ثم صلى الفجر حين برق الفجر وحرم الطعام على الصائم، وصلى المرة الثانية الظهر حين كان ظل كل شيء مثله لوقت العصر بالأمس، ثم صلى العصر حين كان ظل كل شيء مثليه، ثم صلى المغرب لوقته الأول، ثم صلى العشاء الآخرة حين ذهب ثلث الليل، ثم صلى الصبح حين أسفرت الأرض، ثم التفت إليَّ جبريل فقال: يا محمد، هذا وقت الأنبياء من قبلك، والوقت فيما بين هذين الوقتين. قوله الفيء هو الظل، والشراك سير النعل الذي يمسك بها على ظهر القدم، وقوله وجبت الشمس أي سقطت. وأخرج مسلم عن أبي موسى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاه سائل يسأله عن مواقيت الصلاة، فلم يرد عليه شيئًا، قال: وأمر بلالًا. فأقام الفجر حين انشق الفجر، والناس لا يكاد يعرف بعضهم بعضا، ثم أمره فأقام بالظهر حين زالت الشمس، والقائل يقول قد انتصف النهار، وهو كان أعلم منهم، ثم أمره فأقام بالعصر والشمس مرتفعة، ثم أمره فأقام بالمغرب حين وقعت الشمس، ثم أمره فأقام العشاء حين غاب الشفق، ثم أخر الفجر من الغد حتى انصرف منها والقائل يقول قد طلعت الشمس أو كادت، ثم أخر الظهر حتى كان قريبا من وقت العصر بالأمس، ثم أخر العصر حتى انصرف منها والقائل يقول قد احمرت الشمس، ثم أخر المغرب حتى كان عند سقوط الشفق، وفي رواية فصلى المغرب قبل أن يغيب الشفق في اليوم الثاني، ثم أخر العشاء حتى كان ثلث الليل الأول، ثم أصبح فدعا السائل فقال: الوقت بين هذين. وأخرج البخاري ومسلم عن أبي المنهال قال: دخلت أنا وأبي على أبي برزة الأسلمي، فقال له أبي: كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي المكتوبة؟ فقال: كان يصلي الهجير التي تدعونها الأولى حين تدحض الشمس، ويصلي العصر ثم يرجع أحدنا إلى رحله في أقصى المدينة والشمس حية، ونسيت ما قال في المغرب، ولا يبالي بتأخير العشاء إلى ثلث الليل، ثم قال إلى شطر الليل، وكان يكره النوم قبلها والحديث بعدها، وكان ينفتل من صلاة الغداة حين يعرف الرجل جليسه. وفي رواية: فينصرف الرجل فينظر إلى وجه جليسه الذي يعرف فيعرفه، ويقرأ بالستين إلى المئة، ولمسلم: وكان يقرأ في صلاة الفجر من المئة إلى الستين، وكان ينصرف حين يعرف بعضنا وجه بعض. قوله: يعرف جليسه ويعرف بعضنا وجه بعض، معناهما واحد، وهو أنه يسلم في أول ما يمكن أن يعرف الرجل وجه من يعرفه، مع أنه يقرأ بالستين إلى المئة قراءةً مرتلة، وليس في هذا مخالفة لقول عائشة الآتي في النساء: ما يُعرفن من الغلس؛ لأن هذا في معرفة الجليس، وذاك في معرفة البعيد. وأخرج البخاري ومسلم عن محمد بن عمرو بن الحسن بن علي بن أبي طالب قال: كان الحجاج يؤخر الصلوات، فسألنا جابر بن عبد الله، وفي رواية قال: قدم الحجاج المدينة، فسألنا جابر بن عبد الله، فقال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي الظهر بالهاجرة، والعصر والشمس نقية، والمغرب إذا وجبت، والعشاء أحيانًا يؤخرها وأحيانًا يعجل، إذا رآهم اجتمعوا عجل، وإذا رآهم أبطؤوا أخر، والصبح كان النبي صلى الله عليه وسلم يصليها بغلس. الهاجرة هي شدة الحر نصف النهار عقب الزوال، والغلس هو ظلمة آخر الليل بعد طلوع الفجر، وهو أول وقت صلاة الفجر. وأخرج البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: كن نساء المؤمنات يشهدن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الفجر متلفعات بمروطهن. ثم ينقلبن إلى بيوتهن حين يقضين الصلاة لا يعرفهن أحد من الغلس، أو لا يعرف بعضهن بعضا. وفي رواية: ثم ينقلبن إلى بيوتهن وما يعرفن من تغليس رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصلاة. سيأتي الحديث في باب الحجاب والغيرة وغض البصر. وقوله: متلفعات بمروطهن، أي متلففات بأكسيتهن، ساترات وجوههن وأبدانهن. قال النووي: فيه استحباب التبكير بالصبح، وهو مذهب مالك والشافعي وأحمد والجمهور، وقال أبو حنيفة: الإسفار أفضل. وفيه جواز حضور النساء الجماعة في المسجد إذا لم يُخش فتنة عليهن أو بهن. وأخرج البخاري عن أنس رضي الله عنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا اشتد البرد بكر بالصلاة، وإذا اشتد الحر أبرد بالصلاة، يعني الجمعة. وفي رواية قال: كنا نبكر بالجمعة ونقيل بعد الجمعة. قوله: نقيل، المقيل هو السكون في البيت أو المنزل وقت القيلولة، وهي وقت شدة الحر. وأخرج البخاري ومسلم عن أبي ذر رضي الله عنه قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر، فأراد المؤذن أن يؤذن للظهر، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: أبرد. ثم أراد أن يؤذن فقال له: أبرد حتى رأينا فيء التلول. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إن شدة الحر من فيح جهنم، فإذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة. وفي رواية: أذن مؤذن النبي صلى الله عليه وسلم الظهر، فقال: أبرد، أبرد، أو قال: انتظر، انتظر، وذكر الحديث. قال النووي: معنى قوله رأينا فيء التلول أنه أخر تأخيرًا كثيرًا حتى صار للتلول فيء، والتلول منبطحة غير منتصبة، ولا يصير لها فيء في العادة إلا بعد زوال الشمس بكثير. وأخرج البخاري ومسلم عن رافع بن خديج رضي الله عنه قال: كنا نصلي العصر مع النبي صلى الله عليه وسلم ثم تنحر الجزور فتقسم عشر قسم، ثم تطبخ فنأكل لحمًا نضيجًا قبل مغيب الشمس. الجزور: البعير الذي يُجزر، أي يُنحر، ذكرًا كان أو أنثى، من الجزر وهو القطع، ومنه سمي الجزار. وأخرج البخاري ومسلم عن أنس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي العصر والشمس مرتفعة حية، فيذهب الذاهب إلى العوالي فيأتيهم والشمس مرتفعة، وبعض العوالي من المدينة على أربعة أميال ونحوه. وفي رواية: يذهب الذاهب منا إلى قباء. وفي أخرى قال: كنا نصلي العصر ثم يخرج الإنسان إلى بني عمرو بن عوف فيجدهم يصلون العصر. وفي أخرى قال أسعد بن سهل بن حنيف: صلينا مع عمر بن عبد العزيز رحمه الله الظهر، ثم خرجنا حتى دخلنا على أنس بن مالك، فوجدناه يصلي العصر، فقلت: يا عم، ما هذه الصلاة التي صليت؟ قال: العصر، وهذه صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم التي كنا نصلي معه. ولمسلم قال: صلى لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم العصر. فلما انصرف أتاه رجل من بني سلمة، فقال: يا رسول الله، إنا نريد أن ننحر جزورًا لنا، وإنا نحب أن تحضرها. قال: نعم. فانطلق وانطلقنا معه، فوجدنا الجزور لم تنحر، فنحرت، ثم قطعت، ثم طبخ منها، ثم أكلنا قبل أن تغيب الشمس.