الحديث رقم 82

كتاب الصلاة · المدة 9:10 · المقطع 19 من 49

☆ أضف للمفضلة

نص الحلقة

في باب صفة الصلاة، أخرج البخاري ومسلم عن عبد الله بن مالك بن بحينة قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا صلى فرج يديه عن إبطيه حتى إني لأرى بياض إبطيه. وفي رواية: كان صلى الله عليه وسلم إذا سجد يجنح في سجوده حتى يُرى وضح إبطيه، والوضح هو البياض. وأخرج مسلم عن ميمونة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا سجد لو شاءت بهمة أن تمر بين يديه لمرت. وفي رواية: كان إذا سجد خوى بيديه، يعني جنح، حتى يُرى وضح إبطيه من ورائه، وإذا قعد اطمأن على فخذه اليسرى. وفي أخرى: كان إذا سجد جافى حتى يرى من خلفه وضح إبطيه. البهمة واحدة البهم، وهي أولاد الغنم من الذكور والإناث. وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وابن ماجه وأبو داود والترمذي والنسائي وابن خزيمة وابن حبان والطبراني في الكبير والدارقطني والبغوي بسند صحيح عن أبي مسعود رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا تجزئ صلاة أحدكم حتى يقيم ظهره في الركوع والسجود. وفي رواية: لا تجزئ صلاة أحد لا يقيم ظهره في الركوع والسجود. قال القاري: المراد منها الطمأنينة، وهي واجبة عند الشافعي وأحمد في الركوع والسجود ونحوهما، وعند أبي حنيفة ليست بواجبة. لأن الطمأنينة أمر، والاعتدال أمر، ذكره الطيبي. وأخرج مسلم عن البراء بن عازب رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا سجدت فضع كفيك وارفع مرفقيك. وأخرج البخاري ومسلم عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: اعتدلوا في السجود، ولا يبسطن أحدكم ذراعيه انبساط الكلب. وأخرج مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، فأكثروا الدعاء. وأخرج مسلم عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إني نهيت أن أقرأ القرآن راكعًا أو ساجدًا، فأما الركوع فعظموا فيه الرب، وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء، فقمن أن يستجاب لكم. يقال: قمن وقمين، أي خليق وجدير. وأخرج البخاري ومسلم عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: أقيموا، وفي رواية: أتموا، الركوع والسجود، فوالله إني لأراكم من بعدي. وربما قال: من بعد ظهري، إذا ما ركعتم وإذا ما سجدتم. وأخرج البخاري ومسلم عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: أمرت أن أسجد على سبعة أعظم: على الجبهة، وأشار بيده إلى أنفه، واليدين، والركبتين، وأطراف القدمين، ولا نكفت الثياب ولا الشعر. وفي رواية قال: أُمِرتُ أن أسجد على سبع، ولا أكفت الشعر ولا الثياب: الجبهة، والأنف، واليدين، والركبتين، والقدمين. قوله: لا نكفت الثياب ولا الشعر، أي لا نضمهما ولا نجمعهما. والكفت: الجمع والضم، وهو بمعنى الكف كما في رواية أخرى. وأخرج مسلم عن العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إذا سجد العبد سجد معه سبعة آراب: وجهه، وكفاه، وركبتاه، وقدماه. في نسخ مسلم المطبوعة: سبعة أطراف، والمثبت من جامع الأصول. وبه روي الحديث في أكثر المصادر. والآراب هي الأعضاء، جمع إرب بكسر فسكون، يقال: قطعه إربًا إربًا، أي عضوًا عضوًا. وأخرج مسلم عن ابن عباس أنه رأى عبد الله بن الحارث يصلي ورأسه معقوص من ورائه، فقام فجعل يحله، فلما انصرف أقبل إلى ابن عباس فقال: ما لك ورأسي؟ فقال: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إنما مثل هذا مثل الذي يصلي وهو مكتوف. وقوله: رأسه معقوص، يقال: عقص شعره إذا ضفره وشده، وغرز طرفه في أعلاه. وأخرج مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول في سجوده: اللهم اغفر لي ذنبي كله، دقه وجله، أوله وآخره، سره وعلانيته. قوله: دقه وجله، أي دقيقه وجليله، فعل. بمعنى فعيل، كذبحٍ بمعنى ذبيح، والدقيق من الأمور الصغير منها، والجليل هو العظيم الكبير. وأخرج الشيخان عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي، يتأول القرآن. وفي رواية قالت: ما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاةً بعد إذ أُنزلت إذا جاء نصر الله والفتح إلا قال: سبحانك اللهم وبحمدك، اللهم اغفر لي. وفي أخرى قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر أن يقول قبل موته: سبحان الله وبحمده، أستغفر الله وأتوب إليه. فقلت: يا رسول الله، أراك تكثر من قول سبحان الله وبحمده. فقال: أخبرني ربي أني سأرى علامةً في أمتي، فإذا رأيتها أكثرت من قول سبحان الله وبحمده، أستغفر الله وأتوب إليه، فقد رأيتها: إذا جاء نصر الله والفتح، فتح مكة، ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجًا، فسبح بحمد ربك واستغفره، إنه كان توابًا. قال الحافظ في الفتح: قولها يتأول القرآن أي يفعل ما أُمر به فيه، والمراد بالقرآن بعضه، وهو السورة المذكورة والذكر المذكور. قال ابن دقيق العيد: يؤخذ من هذا الحديث إباحة الدعاء في الركوع، وإباحة التسبيح في السجود، ولا يعارضه قوله صلى الله عليه وسلم: أما الركوع فعظموا فيه الرب. وأما السجود فاجتهدوا فيه من الدعاء. قال: ويمكن أن يحمل حديث الباب على الجواز، وذلك على الأولوية. وأخرج البخاري ومسلم عن أنس رضي الله عنه قال: بعث النبي صلى الله عليه وسلم سبعين رجلاً لحاجة يقال لهم القراء، فعرض لهم حيان من سليم: رعل وذكوان، عند بئر يقال لها بئر معونة، فقال القوم: والله ما إياكم أردنا، إنما نحن مجتازون في حاجة النبي صلى الله عليه وسلم، فقتلوهم. فدعا النبي صلى الله عليه وسلم شهراً في صلاة الغداة، وذلك بدء القنوت، وما كنا نقنت. فسأل رجل أنساً عن القنوت: أبعد الركوع أو بعد فراغ القراءة؟ قال: لا، بل عند فراغ القراءة. وفي رواية قال: بعد الركوع يسيراً. قال أنس: فما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم حزناً قط أشد منه، فقنت شهراً. وفي رواية: أربعين صباحاً يدعو في الصبح على أحياء من العرب، على رعل وذكوان وعصية وبني لحيان. وللبخاري قال: كان القنوت في المغرب والفجر. سيأتي الحديث بطوله في باب المغازي والسير، وقد بوب عليه البخاري بقوله: باب القنوت قبل الركوع وبعده. وعند ابن ماجه عن أنس أنه سئل عن القنوت فقال: قبل الركوع وبعده. قال ابن حجر: مجموع ما جاء عن أنس من ذلك أن القنوت للحاجة بعد الركوع، لا خلاف عنه في ذلك. وأما لغير الحاجة، فالصحيح عنه أنه قبل الركوع، وقد اختلف عمل الصحابة في ذلك، والظاهر أنه من الاختلاف المباح، والله أعلم، ونسبة العلم إليه أسلم.