الحديث رقم 75

كتاب الصلاة · المدة 11:19 · المقطع 12 من 49

☆ أضف للمفضلة

نص الحلقة

أخرج البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: لما نزل برسول الله صلى الله عليه وسلم طفق يطرح خميصة له على وجهه، فإذا اغتم كشفها عن وجهه، فقال وهو كذلك: لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، يحذر ما صنعوا. قالت: ولولا ذلك أبرز قبره، غير أنه خشي أن يتخذ مسجدا. الخميصة كساء أسود له علمان، فإن لم يكن معلما فليس بخميصة. قال النووي: لما احتاج الصحابة والتابعون إلى توسعة مسجد النبي صلى الله عليه وسلم، ودخلت فيه حجرة عائشة والقبور الثلاثة، بنوا على القبر حيطانا مرتفعة مستديرة حوله، لئلا يظهر في المسجد فيصلي إليه العوام ويؤدي إلى المحذور، ثم بنوا جدارين من ركني القبر الشماليين وحرفوهما حتى لا يتمكن أحد من استقبال القبر، ولهذا قال في الحديث: ولولا ذلك لأبرز قبره، غير أنه خشي أن يتخذ مسجدا. وأخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة وأبي سعيد رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى. ولمسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إنما يسافر إلى ثلاثة مساجد: الكعبة، ومسجدي، ومسجد إيليا. الرحال جمع رحل، وهو الكور، وهو للبعير كالسرج للفرس. والمراد لا يقصد موضع في الأرض بنية العبادة إلا المساجد الثلاثة المذكورة، وفيه إبطال كل مزارات الأرض غير تلك المساجد. والرحل أيضًا المنزل، وقد سبق في قوله صلوا في رحالكم. وأخرج البخاري ومسلم عن إبراهيم بن يزيد التيمي قال: كنت أقرأ على أبي القرآن في السدة، فإذا قرأت السجدة سجد، فقلت له: يا أبتِ أتسجد في الطريق؟ قال: إني سمعت أبا ذر يقول: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أول مسجد وضع في الأرض، قال: المسجد الحرام. قلت: ثم أي؟ قال: المسجد الأقصى. قلت: كم كان بينهما؟ قال: أربعون سنة. ثم أينما أدركتك الصلاة فصل، فإن الفضل فيه. وفي رواية: فهو مسجد. السدة واحدة السدد، وهي المواضع التي حول المسجد وليست منه، وقيل هي فناء المسجد، وليس للسدة حكم المسجد إذا كانت خارجة عنه. وفي رواية النسائي في السكة، وهذا مطابق لقوله أتسجد في الطريق. وأخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: صلاة في مسجدي هذا أفضل، وفي رواية: خير من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا المسجد الحرام، فإني آخر الأنبياء، وإن مسجدي آخر المساجد. قال الطحاوي وغيره: إن ذلك مختص بالفرائض، لقوله صلى الله عليه وسلم: أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة. وأخرج مسلم عن أبي سعيد قال: دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيت بعض نسائه. فقلت يا رسول الله، أي المسجدين الذي أُسِّس على التقوى؟ فأخذ كفًّا من حصباء فضرب به الأرض، ثم قال: هو مسجدكم هذا، لمسجد المدينة. وأخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة، ومنبري على حوضي. وأخرج البخاري ومسلم عن ابن عمر قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يأتي مسجد قباء كل سبت راكبًا وماشيًا، فيصلي فيه ركعتين، وكان عبد الله بن عمر يفعله. قباء، قال النووي: الصحيح المشهور فيه المد والتذكير والصرف، وفي لغة مقصور، وفي لغة مؤنث، وفي لغة مذكر غير مصروف، وهو قريب من المدينة من عواليها. باب صفة الصلاة. أخرج مسلم عن أبي هريرة قال: صلى النبي صلى الله عليه وسلم يومًا ثم انصرف، فقال: يا فلان، ألا تحسن صلاتك؟ ألا ينظر المصلي إذا صلى كيف يصلي؟ فإنما يصلي لنفسه، إني لأبصر من ورائي كما أبصر من بين يدي. وأخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة أن رجلًا دخل المسجد ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس في ناحية المسجد، فصلى ثم جاء فسلم عليه، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: وعليك السلام، ارجع فصلِّ فإنك لم تصل. فرجع فصلى ثم جاء فسلم، فقال: وعليك السلام، فارجع فصلِّ فإنك لم تصل. فقال في الثانية أو في التي بعدها: علمني يا رسول الله. وفي رواية فرجع ثلاثا، فقال: والذي بعثك بالحق ما أحسن غيره، فعلمني. فقال: إذا قمت إلى الصلاة فاسبغ الوضوء، ثم استقبل القبلة فكبر، ثم اقرأ بما تيسر معك من القرآن. وفي رواية: ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعا، ثم ارفع حتى تستوي قائما، وفي رواية: حتى تعتدل قائما، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا، ثم ارفع حتى تطمئن جالسا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا، ثم ارفع حتى تطمئن جالسا، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها. زاد البخاري، وقال أبو أسامة في الأخير: حتى تستوي قائما. قال ابن حجر: وقع في رواية ابن نمير بعد ذكر السجود الثاني: ثم ارفع حتى تطمئن جالسا. وقد قال بعضهم: هذا يدل على إيجاب جلسة الاستراحة، ولم يقل به أحد. وأشار البخاري إلى أن هذه اللفظة وهم، فإنه عقبه بأن قال: قال أبو أسامة في الأخير: حتى تستوي قائما. ويمكن أن يحمل إن كان محفوظا على الجلوس للتشهد، وكلام البخاري ظاهر في أن أبا أسامة خالف ابن نمير، وأخرجه البيهقي وقال: والصحيح رواية عبيد الله بن سعيد أبي قدامة، ويوسف بن موسى، عن أبي أسامة بلفظ: ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا، ثم ارفع حتى تستوي قائما. وقال النووي: فيه دليل على وجوب الاعتدال عن الركوع والسجود، ووجوب الطمأنينة في الركوع والسجود، والجلوس بين السجدتين. وهو مذهب الجمهور، ولم يوجبها أبو حنيفة وطائفة يسيرة، وهذا الحديث حجة عليهم. وأخرج أبو داود والترمذي والنسائي وابن خزيمة والطبراني في الكبير والبيهقي في السنن والبغوي بسند حسن عن رفاعة بن رافع الزرقي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بينما هو جالس في المسجد يوماً، قال رفاعة: ونحن معه، إذ جاءه رجل كالبدوي، فصلى فأخف صلاته، ثم انصرف فسلم على النبي صلى الله عليه وسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: وعليك، فارجع فصل فإنك لم تصل. فرجع فصلى، ثم جاء فسلم عليه، فقال: وعليك، فارجع فصل فإنك لم تصل. ففعل ذلك مرتين أو ثلاثاً، كل ذلك يأتي النبي صلى الله عليه وسلم فيسلم على النبي صلى الله عليه وسلم، فيقول النبي صلى الله عليه وسلم: وعليك، فارجع فصل فإنك لم تصل. فخاف الناس وكبر عليهم أن يكون من أخف صلاته لم يصل. فقال الرجل في آخر ذلك: فأرني وعلمني، فإنما أنا بشر أصيب وأخطئ. فقال: أجل، إذا قمت إلى الصلاة فتوضأ كما أمرك الله به، ثم تشهد فأقم، ثم كبر، وفي رواية: فأقم أيضاً، فإن كان معك قرآن فاقرأ، وإلا فاحمد الله وكبره وهلله، ثم اركع فاطمئن راكعاً، ثم اعتدل قائماً، ثم اسجد فاعتدل ساجداً، ثم اجلس فاطمئن جالساً. ثم قم، فإذا فعلت ذلك فقد تمت صلاتك، وإن انتقصت منه شيئًا انتقصت من صلاتك. قال: وكان هذا أهون عليه من الأولى، أنه من انتقص من ذلك شيئًا انتقص من صلاته، ولن تذهب كلها. وفي رواية قال: إنها لا تتم صلاة أحدكم حتى يسبغ الوضوء كما أمره الله عز وجل، فيغسل وجهه ويديه إلى المرفقين، ويمسح برأسه ورجليه إلى الكعبين، ثم يكبر الله عز وجل ويحمده ويمجده ويكبره، ويقرأ ما تيسر من القرآن مما علمه الله وأذن له فيه، ثم يكبر ويركع حتى تطمئن مفاصله وتسترخي، ثم يقول: سمع الله لمن حمده، ثم يستوي قائمًا حتى يقيم صلبه، ثم يكبر ويسجد حتى يمكن وجهه. وفي رواية: جبهته حتى تطمئن مفاصله وتسترخي، ويكبر فيرفع حتى يستوي قاعدًا على مقعدته ويقيم صلبه، ثم يكبر فيسجد حتى يمكن وجهه ويسترخي، فإذا لم يفعل هكذا لم تتم صلاته. ولأبي داود نحوه، وفيه فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إنه لا تتم صلاة أحد من الناس حتى يتوضأ، فيضع الوضوء يعني مواضعه، ثم يكبر ويحمد الله عز وجل ويثني عليه، ثم يقرأ بما شاء من القرآن، ثم يقول: الله أكبر، ثم يركع حتى تطمئن مفاصله، ثم يرفع، ثم يقول: سمع الله لمن حمده حتى يستوي قائمًا، ويقول: الله أكبر، ثم يسجد حتى تطمئن مفاصله، ثم يقول: الله أكبر، ويرفع رأسه حتى يستوي قاعدًا. ثم يقول الله أكبر، ثم يسجد حتى تطمئن مفاصله، ثم يرفع رأسه فيكبر، فإذا فعل ذلك تمت صلاته. قال ابن حجر: قوله وإن لم يكن معك قرآن فاحمد الله إلى آخره، أخذ منه أئمتنا أن من لم يعرف شيئًا من القرآن يلزمه الذكر اتفاقًا، وقوله حتى تطمئن راجع إلى جميع ما مر، فيفيد وجوب الطمأنينة في الركوع والاعتدال والسجود والجلوس بين السجدتين، وهو مذهبنا كأكثر العلماء.