الحديث رقم 95
نص الحلقة
أخرج البخاري ومسلم عن أبي سعيد رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: الغسل يوم الجمعة واجب على كل مسلم. وفي رواية قال: الغسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم، وأن يستن، وأن يمس طيبًا إن وجد. قال عمرو يعني ابن سليم راوي الحديث: أما الغسل فأشهد أنه واجب، وأما الاستنان والطيب فالله أعلم، أواجب هو أم لا، ولكن هكذا في الحديث. ولمسلم قال: غسل يوم الجمعة على كل محتلم، وسواك، ويمس من الطيب ما قدر عليه ولو من طيب المرأة. قوله: يستن، أي يدلك أسنانه بالسواك. وأخرج البخاري ومسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من جاء منكم الجمعة فليغتسل. والأمر بالاغتسال للاستحباب المؤكد عند الجمهور، لما سيأتي، وعند مالك واجب وعليه الظاهرية. وأخرج البخاري ومسلم عن ابن عمر وأبي هريرة رضي الله عنهما أن عمر بينما هو يخطب الناس يوم الجمعة إذ دخل رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم من المهاجرين الأولين، فناداه عمر: أية ساعة هذه؟ قال: إني شغلت اليوم فلم أنقلب إلى أهلي حتى سمعت التأذين، فلم أزد على أن توضأت. فقال عمر: والوضوء أيضًا، وقد علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأمر بالغسل. وفي رواية أبي هريرة: بينما عمر بن الخطاب يخطب الناس يوم الجمعة إذ دخل عثمان بن عفان. فَعَرَّضَ به عمر، فقال: ما بال رجالٍ يتأخرون بعد النداء؟ فقال عثمان: يا أمير المؤمنين، ما زدت حين سمعت النداء أن توضأت ثم أقبلت. فقال عمر: والوضوء أيضًا؟ ألم تسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إذا جاء أحدكم إلى الجمعة فليغتسل؟ وأخرج البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان الناس ينتابون الجمعة من منازلهم من العوالي، فيأتون في العباء، ويصيبهم الغبار والعرق، فيخرج منهم الريح، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم إنسانٌ منهم وهو عندي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لو أنكم تطهرتم ليومكم هذا. وفي رواية قالت: كان الناس أهل عمل، ولم يكن لهم كفاة، فكانوا يكون لهم تفل، فقيل لهم: لو اغتسلتم يوم الجمعة. قوله: ينتابون الجمعة، أي يقصدونها ويجيئون إليها. والعباء جمع عباءة. وقوله: لم يكن لهم كفاة، جمع كافٍ كقضاة وقاضٍ، وهم الخدم الذين يكفونهم العمل. والتفل: الريح الكريهة. قال النووي: فيه أنه يُندب لمن أراد المسجد أو مجالسة الناس أن يتجنب الريح الكريهة في بدنه وثوبه. وأخرج مسلم عن جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا يقيمن أحدكم أخاه يوم الجمعة، ثم ليخالف إلى مقعده فيقعد فيه، ولكن يقول: افسحوا. وأخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال. إذا قلت لصاحبك يوم الجمعة أنصت والإمام يخطب فقد لغوت. قوله لغوت أي تكلمت بما لا يعنيك. وقيل خبت وخسرت، وقيل ملت وعدلت عن الصواب. يقال لغا يلغو ويلغي ويلغى. قال النووي: وقوله والإمام يخطب فيه دليل على أن وجوب الإنصات والنهي عن الكلام إنما هو في حال الخطبة، وهذا مذهب الجمهور. وهل النهي للتحريم أو الكراهة؟ قولان للعلماء. فقال عامة العلماء: يجب الإنصات للخطبة. وحكي عن بعض السلف أنه لا يجب إلا إذا تلا فيها القرآن، فإن أراد نهي غيره عن الكلام فليشر إليه بالسكوت إشارة، فإن تعذر فهمه فلينهه بكلام مختصر، ولا يزيد على أقل ممكن. وأخرج مالك بسند صحيح عن نافع أن ابن عمر رأى رجلين يتحدثان والإمام يخطب يوم الجمعة فحصبهما أن اصمتا. حصبهما أي رجمهما بالحصباء، وهي صغار الحصى. وأخرج مسلم عن الحكم بن ميناء أن عبد الله بن عمر وأبا هريرة حدثاه أنهما سمعا النبي صلى الله عليه وسلم يقول على منبره: لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات أو ليختمن الله على قلوبهم ثم ليكونن من الغافلين. قال القاضي: المعنى أن أحد الأمرين كائن لا محالة، إما الانتهاء عن ترك الجمعات، وإما ختم الله على قلوبهم. وأخرج مسلم عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه. أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لقوم يتخلفون عن الجمعة: لقد هممت أن آمر رجلاً يصلي بالناس ثم أحرق على رجال يتخلفون عن الجمعة بيوتهم. وأخرج البخاري ومسلم عن جابر رضي الله عنه قال: دخل رجل يوم الجمعة والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب، فقال: صليت؟ قال: لا. قال: فصل ركعتين. وفي رواية أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إذا جاء أحدكم يوم الجمعة وقد خرج الإمام فليركع ركعتين. وفي رواية أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إذا جاء أحدكم يوم الجمعة وقد خرج الإمام فليركع ركعتين. ولمسلم قال: جاء سليك الغطفاني يوم الجمعة ورسول الله صلى الله عليه وسلم قاعد على المنبر، فقعد سليك قبل أن يصلي، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: يا سليك، قم فاركع ركعتين تجوز فيهما. ثم قال: إذا جاء أحدكم الجمعة والإمام يخطب فليركع ركعتين وليتجوز فيهما. قال النووي: فيه أن تحية المسجد لا تترك، وأنها ذات سبب تباح في كل وقت، ويلحق بها كل ذوات الأسباب كقضاء الفائتة ونحوها. وفيه جواز الكلام في الخطبة لحاجة للخطيب وغيره. وأخرج مسلم عن أبي رفاعة العدوي رضي الله عنه قال: انتهينا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يخطب. فقلت يا رسول الله، رجل غريب جاء يسأل عن دينه لا يدري ما دينه، فأقبل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم وترك خطبته حتى انتهى إلي، فأتي بكرسي حسبت قوائمه حديدًا، فقعد عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وجعل يعلمني مما علمه الله، ثم أتى الخطبة فأتم آخرها. قال النووي: لعله كان يسأل عن الإيمان وقواعده المهمة، وقد اتفق العلماء على أن من جاء يسأل عن الإيمان وكيفية الدخول في الإسلام وجب إجابته وتعليمه على الفور. قالوا: ويحتمل أن هذه الخطبة خطبة أمر غير الجمعة. وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وابن ماجه وأبو داود والترمذي والنسائي وابن خزيمة وابن حبان والحاكم والبيهقي في السنن بسند حسن عن بريدة بن الحصيب رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطبنا، فجاء الحسن والحسين وعليهما قميصان أحمران يمشيان ويعثران، فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم من المنبر فحملهما ووضعهما بين يديه، ثم قال: صدق الله، إنما أموالكم وأولادكم فتنة. نظرت إلى هذين الصبيين يمشيان ويعثران فلم أصبر حتى قطعت حديثي ورفعتهما. وأخرج مسلم عن عامر بن عبد الله بن مسعود أن كعب بن عجرة دخل المسجد وعبد الرحمن بن أم الحكم يخطب قاعدًا، فقال كعب: انظروا إلى هذا الخبيث يخطب قاعدًا. وقد قال الله تعالى: وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا.