الحديث رقم 70

كتاب الصلاة · المدة 8:17 · المقطع 7 من 49

☆ أضف للمفضلة

نص الحلقة

ما زلنا في باب فضل الصلاة والمحافظة عليها. أخرج مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر، وفي رواية ما لم تغش الكبائر. وأخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: أرأيتم لو أن نهراً بباب أحدكم يغتسل فيه كل يوم خمس مرات، ما تقولون ذلك يبقي من درنه؟ قالوا: لا يبقي من درنه شيئاً. قال: فذلك مثل الصلوات الخمس يمحو الله بهن الخطايا. قوله ما تقولون أي ما تظنون، والقول يأتي بمعنى الظن، والدرن الوسخ. وأخرج مسلم عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: مثل الصلوات الخمس كمثل نهر جار غمر على باب أحدكم يغتسل منه كل يوم خمس مرات. قال الحسن: وما يبقي ذلك من الدرن؟ والغمر الكثير لأنه يغمر من دخله ويغطيه، ومنه سميت الغمرات. وأخرج مسلم عن أبي أمامة قال: بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد ونحن قعود معه إذ جاءه رجل، فقال: يا رسول الله، إني أصبت حداً فأقمه علي. فسكت عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم أعاد فسكت عنه، وأقيمت الصلاة، فلما انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم تبعه الرجل، فاتبعته أنظر ماذا يرد عليه، فقال له: أرأيت حين خرجت من بيتك أليس قد توضأت فأحسنت الوضوء؟ قال: بلى. قال ثم شهدت الصلاة معنا، قال نعم يا رسول الله. قال فإن الله قد غفر لك حدك أو قال ذنبك. وسيأتي الحديث في باب إقامة الحدود من رواية أنس، وجزم النووي وجماعة أن الذنب الذي فعله كان من الصغائر، بدليل أنها كفرته الصلاة، ويرى الخطابي أنها حادثة خاصة أطلع الله نبيه عليها. وأخرج مسلم عن جندب بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من صلى الصبح فهو في ذمة الله، فلا يطلبنكم الله من ذمته بشيء، فإنه من يطلبه من ذمته بشيء يدركه ثم يكبه على وجهه في نار جهنم. قال القاري في المرقاة: في ذمة الله أي في عهده وأمانه في الدنيا والآخرة، وهذا غير الأمان الذي ثبت بكلمة التوحيد. وفي المصابيح بشيء من ذمته، قيل أي بنقض عهده وإخفار ذمته بالتعرض لمن له ذمة، أو المراد بالذمة الصلاة الموجبة للأمان، أي لا تتركوا صلاة الصبح فينتقض به العهد الذي بينكم وبين ربكم فيطلبكم به. قال الطيبي: وإنما خص صلاة الصبح لما فيها من الكلفة، وأداؤها مظنة خلوص الرجل ومئنة إيمانه، أي علامته. وأخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا، ولو يعلمون ما في التهجير لاستبقوا إليه، ولو يعلمون ما في العتمة والصبح لأتوهما ولو حبوا. التهجير هو التبكير إلى كل شيء والمبادرة إليه، وأراد المبادرة إلى جميع الصلوات في أول أوقاتها. قال في لسان العرب: قال النضر بن شميل: التهجير إلى الجمعة وغيرها التبكير والمبادرة إلى كل شيء. قال: وسمعت الخليل يقول ذلك. قاله في تفسير هذا الحديث. قال الأزهري: وهذا صحيح، وهي لغة أهل الحجاز. قال وسائر العرب يقولون هجر الرجل إذا خرج بالهاجرة وهي نصف النهار. وأخرج البخاري ومسلم عن أبي موسى رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من صلى البردين دخل الجنة. زاد في رواية: يعني العصر والفجر. وأخرج مسلم عن عمارة بن رويبة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لن يلج النار أحد صلى قبل طلوع الشمس وقبل غروبها، يعني الفجر والعصر. وأخرج البخاري ومسلم عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: الذي تفوته صلاة العصر كأنما وتر أهله وماله. وُتر أهله وماله أي سلب أهله وماله. وأخرج البخاري عن أبي المليح قال: كنا مع بريدة في غزاة في يوم ذي غيم، فقال: بكروا بصلاة العصر، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من ترك صلاة العصر فقد حبط عمله. هذا الحديث من أعظم الأدلة على كفر تارك الصلاة، نسأل الله العافية؛ لأنه لا شيء يحبط الأعمال إلا الكفر. قال تعالى: ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله. أما الكبائر فلا تحبط الأعمال. بل الذي فهمه بريدة من تركها المذكور إنما هو التفريط، ولهذا أمر بالمبادرة إليها، وفهم الصحابي أولى من فهم غيره. وسبق حديث بريدة الآخر: العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر، وحديث جابر: بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة، وحديث ابن شقيق العقيلي أن الصحابة مجمعون على كفر تاركها. وأخرج مسلم عن أبي بصرة الغفاري رضي الله عنه قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمخمص صلاة العصر، فقال: إن هذه صلاة عُرضت على من كان قبلكم فضيعوها، فمن حافظ عليها كان له أجره مرتين، ولا صلاة بعدها حتى يطلع الشاهد، والشاهد النجم. المخمص، قال النووي: هو موضع معروف. وقال ياقوت الحموي: طريق في جبل عير إلى مكة. وأخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، ويجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر، ثم يعرج الذين باتوا فيكم فيسألهم ربهم وهو أعلم بكم: كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: تركناهم وهم يصلون، وأتيناهم وهم يصلون. وأخرج أحمد وأبو داود والطبراني في الكبير بسند صحيح عن عبد الله بن محمد بن الحنفية قال: انطلقت أنا وأبي إلى صهر لنا من الأنصار نعوده، فحضرت الصلاة، فقال لبعض أهله: يا جارية، ائتوني بوضوء لعلي أصلي فأستريح. فأنكرنا ذلك، فقال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: قم يا بلال فأرحنا بالصلاة. الأختان من قبل المرأة، والأحماء من قبل الرجل، والأصهار تجمعهما. وفي رواية لأبي داود قال رجل من خزاعة: ليتني صليت فاسترحت، فكأنهم عابوا عليه ذلك، فقال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: يا بلال أقم الصلاة فأرحنا بها. قال ابن الأثير في النهاية: أي أذن بالصلاة نستريح بأدائها من شغل القلب بها. وقيل كان اشتغاله بالصلاة راحة له، فإنه كان يعد غيرها من الأعمال الدنيوية تعبًا، فكان يستريح بالصلاة لما فيها من مناجاة الله تعالى، ولهذا قال: جعلت قرة عيني في الصلاة. انتهى. ومن صلى استراح؛ لأنه أدى ما عليه، فيغتبط بأدائه ويستريح.