الحديث رقم 105
نص الحلقة
في باب صلاة التطوع أخرج البخاري عن معاوية رضي الله عنه قال: إنكم لتصلون صلاة لقد صحبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فما رأيناه يصليهما، ولقد نهى عنهما، يعني الركعتين بعد العصر. قال ابن حجر: قوله يصليهما، أي الركعتين، وللحموي يصليها، أي الصلاة. وكذا وقع الخلاف بين الرواة في قوله عنها أو عنهما. وأخرج مسلم عن المختار بن فلفل قال: سألت أنس بن مالك عن التطوع بعد العصر، فقال: كان عمر يضرب الأيدي على صلاة بعد العصر، وكنا نصلي على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعتين بعد غروب الشمس قبل صلاة المغرب. فقلت له: أكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصليهما؟ قال: كان يرانا نصليهما فلم يأمرنا ولم ينهنا. قال القاري في مرقاة المفاتيح: قوله يضرب الأيدي، أي يضرب أيدي من عقد الصلاة أحرم بالتكبير، أي يمنعهم منها. وأخرج البخاري عن عبد الله بن مغفل رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: صلوا قبل صلاة المغرب. قال في الثالثة: لمن شاء، كراهية أن يتخذها الناس سنة. وأخرج الشيخان عن أنس رضي الله عنه قال: كان المؤذن إذا أذن قام ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يبتدرون السواري حتى يخرج النبي صلى الله عليه وسلم وهم كذلك، يصلون ركعتين قبل المغرب. ولم يكن بين الأذان والإقامة شيء، وفي رواية: لم يكن بينهما إلا قليل. هذه رواية البخاري. ولمسلم قال: كنا بالمدينة، فإذا أذن المؤذن لصلاة المغرب، ابتدروا السواري، فركعوا ركعتين، حتى إن الرجل الغريب ليدخل المسجد فيحسب أن الصلاة قد صليت من كثرة من يصليهما. وأخرج البخاري عن مرثد بن عبد الله قال: أتيت عقبة بن عامر الجهني، فقلت: ألا أعجبك من أبي تميم؟ أي أجعلك تتعجب منه، يركع ركعتين قبل صلاة المغرب. فقال عقبة: إنا كنا نفعله على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم. قلت: فما يمنعك الآن؟ قال: الشغل. وأخرج البخاري ومسلم عن عبد الله بن مغفل أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: بين كل أذانين صلاة، بين كل أذانين صلاة. قال في الثالثة: لمن شاء. وقوله: كل أذانين يعني الأذان والإقامة. وأخرج الشيخان عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: اجعلوا في بيوتكم من صلاتكم، ولا تتخذوها قبورًا. بوّب عليه البخاري بقوله: باب كراهية الصلاة في المقابر. قال ابن حجر: ونقل ابن المنذر عن أكثر أهل العلم أنهم استدلوا بهذا الحديث على أن المقبرة ليست موضعًا للصلاة، وكذا قال البغوي في شرح السنة، والخطابي. وأخرج مسلم عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم... قال إذا قضى أحدكم الصلاة في مسجده فليجعل لبيته نصيبًا من صلاته، فإن الله جاعل في بيته من صلاته خيرًا. وأخرج الشيخان عن زيد بن ثابت رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم اتخذ حجرة في المسجد من حصير في رمضان، فصلى فيها ليالي حتى اجتمع إليه ناس، ثم فقدوا صوته ليلة فظنوا أنه قد نام، فجعل بعضهم يتنحنح ليخرج إليهم، فخرج فقال: ما زال بكم الذي رأيت من صنيعكم حتى خشيت أن يكتب عليكم، ولو كتب عليكم ما قمتم به، فصلوا أيها الناس في بيوتكم، فإن أفضل صلاة المرء في بيته إلا الصلاة المكتوبة. وأخرج أبو داود والترمذي والطبراني في الكبير بسند صحيح عن زيد بن ثابت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: صلاة المرء في بيته أفضل من صلاته في مسجدي هذا إلا المكتوبة. قال القاري: قال الطيبي: تتميم ومبالغة لإرادة الإخفاء، وفيه إشعار بأن النوافل شرعت للتقرب إلى الله، فينبغي أن تكون بعيدة عن الرياء، والفرائض شرعت لإشادة الدين وإظهار شعائر الإسلام، فهي جديرة بأن تؤدى على رؤوس الأشهاد. انتهى. وقد تقدم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي النوافل في بيته لا في مسجده. وأخرج البخاري عن أنس قال: قال رجل من الأنصار وكان ضخمًا. قال للنبي صلى الله عليه وسلم: إني لا أستطيع الصلاة معك. فصنع للنبي صلى الله عليه وسلم طعامًا فدعاه إلى بيته، ونضح له طرف حصير بماء، فصلى عليه ركعتين. فقال رجل من آل الجارود لأنس: أكان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي الضحى؟ قال: ما رأيته صلى غير ذلك اليوم. وأخرج الشيخان عن أنس أن جدته مليكة دعت رسول الله صلى الله عليه وسلم لطعام صنعته، فأكل منه، ثم قال: قوموا فأصلي لكم. قال أنس: فقمت إلى حصير لنا قد اسود من طول ما لُبِس، فنضحته بماء، فقام عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصففت أنا واليتيم وراءه، والعجوز من ورائنا، فصلى لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعتين ثم انصرف. ولمسلم قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم أحسن الناس خلقًا، فربما تحضر الصلاة وهو في بيتنا، فيأمر بالبساط الذي تحته فيكنس، ثم ينضح، ثم يقوم رسول الله صلى الله عليه وسلم ونقوم خلفه فيصلي بنا. اليتيم هو أخو أنس بن مالك من أمه، واليتيم عَلَم عليه، ويقال: يتيم. وأخرج البخاري ومسلم عن علقمة قال: سألت أم المؤمنين عائشة، قلت: يا أم المؤمنين، كيف كان عمل رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ هل كان يخص شيئًا من الأيام؟ قالت: لا، كان عمله ديمة. وأيكم يستطيع ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستطيع. الديمة: المطر الدائم في سكون، فتشبه به الأعمال الدائمة مع القصد والاعتدال والرفق. وأخرج البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان للنبي صلى الله عليه وسلم حصير، وكان يحجره بالليل فيصلي فيه، ويبسطه بالنهار فيجلس عليه. فجعل الناس يثوبون إلى النبي صلى الله عليه وسلم يصلون بصلاته حتى كثروا، فأقبل فقال: يا أيها الناس، خذوا من الأعمال ما تطيقون، وفي رواية: اكلفوا من العمل ما تطيقون، فإن الله لا يمل حتى تملوا، وإن أحب الأعمال إلى الله ما دام وإن قل. وفي أخرى أنه صلى الله عليه وسلم سئل: أي العمل أحب إلى الله؟ قال: أدومه وإن قل. وفي أخرى قالت: كانت عندي امرأة من بني أسد، فدخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: من هذه؟ قلت: فلانة، لا تنام من الليل، تذكر من صلاتها. قال: مه، عليكم من الأعمال ما تطيقون، فإن الله لا يمل حتى تملوا. وكان أحب الدين إليه ما داوم عليه صاحبه. ولمسلم أن الحولاء بنت تويت مرت بها وعندها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت هذه الحولاء بنت تويت، وزعموا أنها لا تنام الليل. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تنام الليل؟ خذوا من العمل ما تطيقون، فوالله لا يسأم الله حتى تسأموا. قوله لا يمل حتى تملوا، قال الهروي: معناه لا يقطع عنكم فضله حتى تملوا سؤاله. وأخرج البخاري ومسلم عن أنس رضي الله عنه قال: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم المسجد فإذا حبل ممدود بين الساريتين، فقال: ما هذا الحبل؟ قالوا: حبل لزينب، فإذا فترت تعلقت به. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لا، حلوه، ليصل أحدكم نشاطه، فإذا فتر فليقعد.