الحديث رقم 85

كتاب الصلاة · المدة 7:59 · المقطع 22 من 49

☆ أضف للمفضلة

نص الحلقة

في باب الخشوع والعمل في الصلاة، أخرج البخاري عن عائشة رضي الله عنها قالت: سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن الالتفات في الصلاة، فقال: هو اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد. وأخرج مسلم عن معاوية بن الحكم السلمي رضي الله عنه قال: بينا أنا أصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ عطس رجل من القوم، فقلت: يرحمك الله، فرماني القوم بأبصارهم، فقلت: واثكل أمياه، ما شأنكم تنظرون إلي؟ فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم، فلما رأيتهم يصمتونني لكني سكت، فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فبأبي هو وأمي ما رأيت معلماً قبله ولا بعده أحسن تعليماً منه، فوالله ما كهرني ولا ضربني ولا شتمني، قال: إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هي التسبيح والتكبير وقراءة القرآن، أو كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. قوله: كهرني، أي انتهرني، وكهره يكهره إذا زبره واستقبله بوجه عبوس. وتقدم في حديث أبي الطفيل: لا يدعون عنه ولا يكهرون، بتقديم الهاء، أي لا ينهرون. وأخرج الشيخان عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: كنا نسلم على النبي صلى الله عليه وسلم وهو في الصلاة، فيرد علينا، فلما رجعنا من عند النجاشي سلمنا عليه فلم يرد علينا، فقلنا: يا رسول الله، كنا نسلم عليك في الصلاة فترد علينا. فقال: إن في الصلاة لشغلاً. وأخرج البخاري ومسلم عن زيد بن أرقم رضي الله عنه قال: كنا نتكلم في الصلاة، يكلم الرجل صاحبه وهو إلى جنبه في الصلاة، حتى نزلت: وقوموا لله قانتين، فأمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام. وأخرج البخاري عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ما بال أقوام يرفعون أبصارهم إلى السماء في صلاتهم؟ فاشتد قوله في ذلك حتى قال: لينتهن عن ذلك أو لتخطفن أبصارهم. وأخرج الشيخان عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها، قال: أُنزلت ورسول الله صلى الله عليه وسلم متوارٍ بمكة، وكان إذا رفع صوته سمعه المشركون، فسبوا القرآن ومن أنزله ومن جاء به، فقال الله تعالى: ولا تجهر بصلاتك، أي بقراءتك، حتى يسمعها المشركون، ولا تخافت بها عن أصحابك فلا تسمعهم، وابتغ بين ذلك سبيلاً، أسمعهم ولا تجهر حتى يأخذوا عنك القرآن. وفي رواية: وابتغ بين ذلك سبيلاً، يقول: بين الجهر والمخافتة. وأخرج الشيخان عن عائشة رضي الله عنها قالت: ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها أُنزلت في الدعاء. وأخرج البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما أُمِر وسكت فيما أُمِر، وما كان ربك نسياً، ولقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة. وأخرج البخاري ومسلم عن أبي قتادة رضي الله عنه قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤم الناس، وأمامة بنت أبي العاص على عاتقه، فإذا ركع وضعها، وإذا رفع من السجود أعادها. وفي رواية: كان يصلي وهو حامل أمامة بنت زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا سجد وضعها، وإذا قام حملها. اختلف العلماء في تأويل هذا الحديث، قال ابن حجر: قال النووي: ادعى بعض المالكية أن هذا الحديث منسوخ، وبعضهم أنه من الخصائص، وبعضهم أنه كان لضرورة، وكل ذلك دعاوى باطلة مردودة لا دليل عليها. وليس في الحديث ما يخالف قواعد الشرع، لأن الآدمي طاهر، وثياب الأطفال وأجسادهم محمولة على الطهارة حتى تتبين النجاسة، والأعمال في الصلاة لا تبطلها إذا قلت أو تفرقت، ودلائل الشرع متظاهرة على ذلك، وإنما فعل النبي صلى الله عليه وسلم ذلك لبيان الجواز، واستنبط منه البخاري أن مرور الصغيرة بين يديه لا يبطل الصلاة ما دام حملها لا يبطلها، وفيه جواز دخول الصبيان المساجد وطهارتهم، وجواز حمل الصبيان والحيوان الطاهر في الصلاة. وأخرج أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن خزيمة وابن حبان والحاكم والبغوي بسند حسن عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: اقتلوا الأسودين في الصلاة: الحية والعقرب. وفي رواية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بقتل الأسودين في الصلاة: الحية والعقرب، إن قتلهما بعمل قليل كضربة أو ضربتين لم تبطل صلاته، وإن احتاج لعمل كثير فسدت صلاته. قال في المرقاة: إلا أنه يباح له إفسادها لقتلهما، كما يباح لإغاثة ملهوف أو تخليص أحد من هلاك، وكذا إذا خاف ضياع ما قيمته درهم له أو لغيره. وأخرج البخاري عن الأزرق بن قيس قال: كنا بالأهواز نقاتل الحرورية، فبينا أنا على جرف نهر إذ جاء رجل فقام يصلي، وإذا لجام دابته بيده، فجعلت الدابة تنازعه وجعل يتبعها. قال شعبة: هو أبو برزة الأسلمي رضي الله عنه. فجعل رجل من الخوارج يقول: اللهم افعل بهذا الشيخ. فلما انصرف الشيخ قال: إني سمعت قولكم، وإني غزوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ست غزوات أو سبع غزوات أو ثماني، وشهدت تيسيرة، وإني إن كنت أرجع مع دابتي أحب إلي من أن أدعها ترجع إلى مألفها فيشق علي. وفي رواية قال: كنا على شاطئ النهر بالأهواز وقد نضب عنه الماء، فجاء أبو برزة على فرس، فصلى وخلى فرسه فانطلقت الفرس، فترك صلاته وتبعها حتى أدركها فأخذها، ثم جاء فقضى صلاته. وفينا رجل له رأي فأقبل يقول: انظروا إلى هذا الشيخ ترك صلاته من أجل فرس. فأقبل فقال: ما عنفني أحد منذ فارقت رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال إن منزلي متراخ، فلو صليت وتركته لم آت أهلي إلى الليل، وذكر أنه قد صحب النبي صلى الله عليه وسلم فرأى من تيسيره. قوله: فلو صليت وتركته، أي الفرس. قال في فتح الباري: فيه جواز حكاية الرجل مناقبه إذا احتاج، ولم يكن في سياق الفخر، وفيه حجة للفقهاء في قولهم: إن كل شيء يُخشى إتلافه يجوز قطع الصلاة لأجله. وقد أجمع الفقهاء على أن المشي الكثير في الصلاة المفروضة يبطلها، فيحمل حديث أبي برزة على القليل كما قررناه، وقد تقدم أن في بعض طرقه أن الصلاة المذكورة كانت صلاة العصر.