الحديث رقم 79
نص الحلقة
لم نزل في باب صفة الصلاة. أخرج البخاري ومسلم عن شقيق بن سلمة قال: جاء رجل يقال له نهيك بن سنان إلى عبد الله بن مسعود، فقال: يا أبا عبد الرحمن، كيف تقرأ هذا الحرف؟ ألفًا تجده أم ياءً: من ماء غير آسن أو من ماء غير ياسن؟ فقال له عبد الله: أوَكلَّ القرآن قد أحصيت غير هذا؟ قال: إني لأقرأ المفصل في كل ركعة. فقال عبد الله: هذًّا كهذِّ الشعر، إن قومًا يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، ولكن إذا وقع في القلب فرسخ فيه نفع. إن أفضل الصلاة الركوع والسجود، إني لأعلم النظائر التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرن بينهن سورتين في كل ركعة. ثم قام عبد الله فدخل علقمة في إثره، فقلنا له: سله عن النظائر التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ بها في كل ركعة. فدخل عليه فسأله، ثم خرج علينا، فقال: عشرون سورة من أول المفصل على تأليف عبد الله، آخرهن من الحواميم: حاميم الدخان، وعم يتساءلون. وفي رواية أبي داود عن علقمة والأسود قالا: أتى ابن مسعود الرجل، فقال: إني أقرأ المفصل في ركعة. فقال: هذًّا كهذِّ الشعر، ونثرًا كنثر الدقل، لكن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ النظائر: السورتين في ركعة، الرحمن والنجم في ركعة، واقتربت والحاقة في ركعة، والطور والذاريات في ركعة، وإذا وقعت ونون في ركعة، وسأل سائل والنازعات في ركعة، وويل للمطففين وعبس في ركعة، والمدثر والمزمل في ركعة، وهل أتى ولا أقسم بيوم القيامة في ركعة. وعما يتساءلون والمرسلات في ركعة، والدخان وإذا الشمس كورت في ركعة، وقال أبو داود: هذا تأليف ابن مسعود. المفصل قال ابن عباس هو المحكم، وهو من أول الفتح إلى آخر القرآن، وقيل في ابتدائه غير ذلك، أقوال تزيد على عشرة. وسمي المفصل لكثرة الفواصل بالبسملة وبغيرها، وقوله هذًّا كهذِّ الشعر، الهذُّ شدة الإسراع والإفراط في العجلة، والدقل أردأ التمر، فهو ليبسه ورداءته لا يجمع بل يكون منثورًا. وقد بيَّنت رواية أبي داود أن الظاهر التي يُقرن بينها. وأخرج مالك والشافعي وابن أبي شيبة والبيهقي في السنن بسند صحيح عن نافع عن ابن عمر كان إذا صلى وحده يقرأ في الأربع جميعًا من الظهر والعصر في كل ركعة بأم القرآن وسورة من القرآن، وكان يقرأ أحيانًا بالسورتين والثلاث في الركعة الواحدة من صلاة الفريضة، ويقرأ في الركعتين من المغرب كذلك بأم القرآن وسورة سورة. قال الباجي: وقد كره مالك أن يقرأ في الركعتين الأخيرتين بشيء سوى أم القرآن. وقال الشافعي: يقرأ في الأربع ركعات كلها بأم القرآن وسورة سورة. والدليل على صحة ما ذهب إليه مالك حديث أبي قتادة المتقدم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في الظهر في الركعتين الأخيرتين بأم القرآن، وهكذا في العصر، وإنما كان ابن عمر يفعله إذا صلى وحده. وأخرج مسلم عن عثمان بن أبي العاص الثقفي رضي الله عنه قال: قدمت على النبي صلى الله عليه وسلم. فقلت يا رسول الله، إن الشيطان قد حال بيني وبين صلاتي وبين قراءتي يلبسها علي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ذاك شيطان يقال له خنزب، فإذا أحسسته فتعوذ بالله منه، واتفل عن يسارك ثلاثًا. ففعلت ذلك فأذهبه الله عني. قوله يلبسها علي، أي يخلطها ويشككني فيها، واللبس الخلط. وقوله خنزب هكذا كجعفر، وفيه لغات أخرى. وأخرج مسلم عن عائشة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في ركوعه وسجوده: سبوح قدوس رب الملائكة والروح. قوله سبوح قدوس هما بضم السين والقاف وبفتحهما، والضم أفصح وأكثر، والمراد بالسبوح القدوس المسبح المقدس، فكأنه قال: مسبح مقدس رب الملائكة والروح. ومعنى سبوح المبرأ من النقائص والشريك، وكل ما لا يليق بالإلهية، وقدوس المطهر من كل ما لا يليق بالخالق. والروح قيل ملك عظيم، وقيل يحتمل أن يكون جبريل عليه السلام، وقيل خلق لا تراهم الملائكة كما لا نرى نحن الملائكة، والله أعلم، ونسبة العلم إليه أسلم. وأخرج مسلم عن أبي سعيد رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رفع رأسه من الركوع قال: اللهم ربنا لك الحمد، ملء السماوات وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد، أهل الثناء والمجد، أحق ما قال العبد، وكلنا لك عبد، اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد. قال النووي: أهل الثناء بالنصب على النداء، هذا هو المشهور، وجوز بعضهم رفعه. قوله: أحق ما قال العبد، هذا مبتدأ، خبره: اللهم لا مانع لما أعطيت إلى آخره. وقولنا: وكلنا لك عبد جملة حالية معترضة بين المبتدأ والخبر. وتقديره هنا: أحق قول العبد لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت إلى آخره. وكلنا لك عبد، فينبغي لنا أن نقوله. والجد هو الغنى والحظ والعظمة والسلطان والمال والولد، أي لا ينفع ذا الغنى عندك غناه أو لا ينجيه منك، إنما ينفعه وينجيه العمل الصالح، كقوله تعالى: وما أموالكم ولا أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى إلا من آمن وعمل صالحا. وقيل: من بمعنى البدل. وأخرج مسلم عن ابن أبي أوفى رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رفع ظهره من الركوع قال: سمع الله لمن حمده، اللهم ربنا لك الحمد ملء السماوات وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد، اللهم طهرني بالثلج والبرد والماء البارد، اللهم طهرني من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس. وأخرج البخاري عن رفاعة بن رافع قال: كنا نصلي وراء النبي صلى الله عليه وسلم، فلما رفع رأسه من الركعة الأولى قال: سمع الله لمن حمده، وقال رجل وراءه: ربنا ولك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، فلما انصرف قال: من المتكلم آنفا؟ قال: أنا. قال: رأيت بضعة وثلاثين ملكا يبتدرونها أيهم يكتبها أول. وأخرج البخاري ومسلم عن البراء بن عازب رضي الله عنهما قال: كنا نصلي خلف النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا قال: سمع الله لمن حمده، لم يحنِ أحد منا ظهره حتى يضع النبي صلى الله عليه وسلم جبهته على الأرض. ولمسلم قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم لا يحني أحد منا ظهره حتى نراه قد سجد، ثم نخر من ورائه سجدا. وأخرج مسلم عن عمرو بن حريث رضي الله عنه قال: صليت خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم الفجر، فسمعته يقرأ: فلا أقسم بالخنس الجوار الكنس، وكان لا يحني رجل منا ظهره حتى يستتم ساجدا. وأخرج البخاري ومسلم عن أنس قال: إني لا آلو أن أصلي بكم كما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بنا. قال ثابت: فكان أنس يصنع شيئا لا أراكم تصنعونه. كان إذا رفع رأسه من الركوع انتصب قائما حتى يقول القائل: قد نسي، وإذا رفع رأسه من السجدة، وفي رواية: بين السجدتين، مكث حتى يقول القائل: قد نسي.