الحديث رقم 74
نص الحلقة
باب شروط الصلاة. أخرج مسلم عن جندب بن عبد الله قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يموت بخمس، وهو يقول: إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل، وإن الله قد اتخذني خليلًا كما اتخذ إبراهيم خليلًا، ولو كنت متخذًا من أمتي خليلًا لاتخذت أبا بكر خليلًا. ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، إني أنهاكم عن ذلك. وأخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا يصلي أحدكم في الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء. هذا لفظ البخاري، ولفظ مسلم: على عاتقيه. قال النووي، قال مالك وأبو حنيفة والشافعي والجمهور: هذا النهي للتنزيه لا للتحريم، فلو صلى في ثوب واحد ساتر لعورته ليس على عاتقه منه شيء صحت صلاته مع الكراهة. وقال أحمد وبعض السلف: لا تصح صلاته إذا قدر على وضع شيء على عاتقه إلا بوضعه. وعن أحمد رواية أنها تصح ولكن يأثم. وحجة الجمهور قوله صلى الله عليه وسلم في حديث جابر الآتي: فإن كان واسعًا فالتحف به، وإن كان ضيقًا فائتزر به. وأخرج البخاري ومسلم عن عمر بن أبي سلمة قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي في ثوب واحد مشتملًا به، وفي رواية متوشحًا، وفي أخرى ملتحفًا. في بيت أم سلمة واضعًا طرفيه على عاتقيه، وفي رواية على منكبيه. وأخرج البخاري عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من صلى في ثوب فليخالف بين طرفيه. ورواه أبو داود عنه ولفظه: إذا صلى أحدكم في ثوب فليخالف بطرفيه على عاتقيه. وأخرج البخاري ومسلم عن جابر رضي الله عنه قال: خرجت مع النبي صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره، فجئت مرة لبعض أمري، فوجدته يصلي، وعلي ثوب واحد، فاشتملت به وصليت إلى جانبه، فلما انصرف قال: ما السرى يا جابر؟ فأخبرته بحاجتي، فلما فرغت قال: ما هذا الاشتمال الذي رأيت؟ قلت: كان ثوب واحد، يعني ضاق. قال: فإن كان واسعًا فالتحف به، وإن كان ضيقًا فاتزر به. هذه رواية البخاري. ولمسلم قال: سرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا كنا بعشيشية ودنونا ماء من مياه العرب، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من رجل يتقدمنا فيمدر الحوض فيشرب ويسقينا؟ قال جابر: فقمت، فقلت: هذا رجل يا رسول الله. فقال صلى الله عليه وسلم: أي رجل مع جابر؟ فقام جبار بن صخر، فانطلقنا إلى البئر، فنزعنا في الحوض سجلًا أو سجلين، ثم مدرناه، ثم نزعنا فيه حتى أفحقناه، فكان أول طالع علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: أتأذنان؟ قلنا: نعم يا رسول الله. فأشرع ناقته فشربت فشنق لها فشجت فبالت. ثم عدل بها فأناخها، ثم جاء صلى الله عليه وسلم إلى الحوض فتوضأ منه، ثم قمت فتوضأت من متوضأ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذهب جبار بن صخر يقضي حاجته، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصلي، وكانت علي بردة ذهبت أن أخالف بين طرفيها فلم تبلغني، وكانت لها ذباذب فنكستها، ثم خالفت بين طرفيها ثم تواقصت عليها، ثم جئت حتى قمت عن يسار رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخذ بيدي فأدارني حتى أقامني عن يمينه، ثم جاء جبار بن صخر فتوضأ، ثم جاء فقام عن يسار رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخذ بأيدينا جميعا فدفعنا حتى أقامنا خلفه، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يرمقني وأنا لا أشعر، ثم فطنت فقال هكذا بيده، يعني شد وسطك، فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: يا جابر، قلت لبيك يا رسول الله، قال: إذا كان واسعا فخالف بين طرفيه، وإذا كان ضيقا فاشدده على حقوك. قوله: السرى، السرى هو السير في الليل، والمراد ما أوجب مجيئك في هذا الوقت. وقوله: عشيية، تصغير عشية على غير قياس. وقوله: يمدر الحوض، أي يطينه ويصلحه. والسجل هو الدلو. وقوله: أفحقناه، أي ملأنا الحوض. وقوله: أشرع ناقته، أي أرسل رأسها في الماء لتشرب. وشنقها أو أشنقها، أي كفها بزمامها وهو راكبها. وقوله: فشجت، يقال فشج البعير إذا فرج بين رجليه للبول. وفشجأ بتشديد الشين، وقوله: التحف به أي يجعله شاملاً لجسمك كله كاللحاف، وقوله: اتزر به أي يجعله إزاراً فقط، والذباذب كل ما يتعلق من الشيء فيتحرك، والذبذبة حركة الشيء المعلق، وقوله: نكستها بتخفيف الكاف وتشديدها، نكستها ونكستها، أي أمسكتها بعنق بأن يحني عليها رقبته كأنه يحكي خلقة الأوقص من الناس، وهو قصير العنق. قال النووي: فيه جواز الوضوء من فضل الحيوان الطاهر ولو كان الماء دون القلتين، وجواز الصلاة في ثوب واحد إذا شده وستر ما بين سرته وركبته، وإن كانت عورته تُرى من أسفله لو كان على سطح ونحوه، فهذا لا يضره. وأخرج البخاري ومسلم عن محمد بن المنكدر قال: دخلت على جابر بن عبد الله وهو يصلي في ثوب ملتحفاً به، ورداؤه موضوع، فلما انصرف قلنا: يا أبا عبد الله، تصلي ورداؤك موضوع؟ قال: نعم، أحببت أن يراني الجهال مثلكم، رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يصلي كذلك. وأخرج البخاري ومسلم عن سهل بن سعد قال: كان رجال يصلون مع النبي صلى الله عليه وسلم عاقدي أزرهم على أعناقهم كهيئة الصبيان، ويقال للنساء: لا ترفعن رؤوسكن حتى يستوي الرجال جلوساً. قوله: عاقدي أزرهم على أعناقهم أي منضيق الأزر، ويؤخذ منه أنه إذا أمكن الالتحاف بالثوب كان أولى من الائتزار؛ لأنه أبلغ في التستر. وَإِنَّمَا نَهَى النِّسَاءَ لِئَلَّا يَلْمَحْنَ شَيْئًا مِنْ عَوْرَاتِ الرِّجَالِ عِنْدَ نُهُوضِهِمْ، وَعِنْدَ أَحْمَدَ وَأَبِي دَاوُدَ التَّصْرِيحُ بِذَلِكَ مِنْ حَدِيثِ أَسْمَاءَ، وَلَفْظُهُ: فَلَا تَرْفَعْ رَأْسَهَا حَتَّى يَرْفَعَ الرِّجَالُ رُؤُوسَهُمْ، كَرَاهِيَةَ أَنْ يَرَيْنَ عَوْرَاتِ الرِّجَالِ، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ التَّسَتُّرُ مِنْ أَسْفَلَ. وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: نَادَى رَجُلٌ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَيُصَلِّي أَحَدُنَا فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ؟ فَقَالَ: أَوَكُلُّكُمْ يَجِدُ ثَوْبَيْنِ؟ زَادَ الْبُخَارِيُّ: ثُمَّ سَأَلَ رَجُلٌ عُمَرَ، فَقَالَ: إِذَا وَسَّعَ اللَّهُ فَأَوْسِعُوا. جَمَعَ رَجُلٌ عَلَيْهِ ثِيَابَهُ، صَلَّى رَجُلٌ فِي إِزَارٍ وَرِدَاءٍ، فِي إِزَارٍ وَقَمِيصٍ، فِي إِزَارٍ وَقَبَاءٍ، فِي سَرَاوِيلَ وَرِدَاءٍ، فِي سَرَاوِيلَ وَقَمِيصٍ، فِي سَرَاوِيلَ وَقَبَاءٍ، فِي تُبَّانٍ وَقَبَاءٍ، فِي تُبَّانٍ وَقَمِيصٍ. قَالَ: وَأَحْسَبُهُ قَالَ: فِي تُبَّانٍ وَرِدَاءٍ. قَوْلُهُ: جَمَعَ ثِيَابَهُ، أَيْ إِنْ جَمَعَ عَلَيْهِ ثِيَابَهُ وَصَلَّى بِهَا فَحَسَنٌ. وَالْإِزَارُ ثَوْبٌ يُغَطِّي النِّصْفَ الْأَسْفَلَ مِنَ الْبَدَنِ، وَالرِّدَاءُ يُغَطِّي نِصْفَهُ الْأَعْلَى، وَالْقَمِيصُ ثَوْبٌ يُغَطِّي الْبَدَنَ كُلَّهُ، وَالْقَبَاءُ ثَوْبٌ ضَيِّقُ الْكُمَّيْنِ وَالْوَسَطِ، مَشْقُوقٌ مِنْ خَلْفٍ، يُلْبَسُ فِي السَّفَرِ وَالْحَرْبِ لِأَنَّهُ أَعْوَنُ عَلَى الْحَرَكَةِ، وَالتُّبَّانُ سَرَاوِيلُ قَصِيرٌ مِقْدَارُ سَتْرِ الْعَوْرَةِ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَأَحْمَدُ وَالدَّارِمِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَأَبُو يَعْلَى وَابْنُ خُزَيْمَةَ وَابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي السُّنَنِ، وَالْبَغَوِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: بَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي بِأَصْحَابِهِ فِي نَعْلَيْهِ، إِذْ خَلَعَهُمَا فَوَضَعَهُمَا عَنْ يَسَارِهِ. فلما رأى ذلك أصحابه ألقوا نعالهم، فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاته قال: ما حملكم على خلع نعالكم؟ قالوا: رأيناك خلعت فخلعنا. فقال صلى الله عليه وسلم: إن جبريل أتاني فأخبرني أن فيهما قذرًا. وقال: إذا جاء أحدكم المسجد فلينظر، فإن رأى في نعليه قذرًا أو أذًى فليمسحه وليصل فيهما. قال في المرقاة: قال القاضي فيه دليل على أن المستصحب للنجاسة إذا جهل صحت صلاته، فإنه خلع النعل ولم يستأنف، وأن من تنجس نعله إذا دلكه على الأرض طهر وجازت الصلاة فيه، وهما قولان قديمان للشافعي. وقال ابن حجر: سنده حسن، ولا دليل فيه على أن النجاسة يكفي مسحها منهما أو من غيرهما؛ لأنه مختلف في رجاله، وعلى تسليم صحته فهو كما دل عليه السياق في طين الشارع وهو معفو عنه، ومسحه إنما هو لإذهاب قبح صورته وتقدير المسجد لا لكونه يطهره.