(1) المقدمة
نص الحلقة
بسم الله الرحمن الرحيم. كنوز السيرة. عرض لسيرة النبي صلى الله عليه وسلم من قبل ولادته حتى وفاته. كنوز السيرة. للشيخ عثمان الخميس حفظه الله. إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون. يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالاً كثيراً ونساءً، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيباً. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولاً سديداً يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزاً عظيماً. أما بعد، فالحمد لله الذي وسع كل شيء رحمةً وعلماً، وأسبغ على أوليائه نعمه ظاهرةً وباطنةً. وبعث فيهم رسولاً من أنفسهم مولداً، ومن أنفسهم عجمًا وعربًا، وهو أمينه على وحيه، وخيرته من خلقه، وسفيره بينه وبين عباده، المبعوث بالدين القويم، والنهج المستقيم. أرسله الله رحمةً للعالمين، وإمامًا للمتقين، وحجةً على الخلائق أجمعين. أرسله الله على حين فترةٍ من الرسل، فهدى به إلى أقوم الطرق وأوضح السبل، وافترض على العباد طاعته وتعزيره وتوقيره ومحبته، والقيام بحقوقه، وسد دون جنته الطرق، فلن تُفتح لأحدٍ إلا من طريقه، فشرح له صدره، ورفع له ذكره، ووضع عنه وزره، وجعل الذلة والصغار على من خالف أمره، وهو أرجح الناس عقلاً وحلماً، وأوفرهم علماً وفهماً، وأقواهم يقيناً وعزماً، وأشدهم بهم رأفةً ورحمةً، وزكاه روحاً وجسماً، وآتاه حكمةً وحكماً، وفتح به أعيناً عمياً، وقلوباً غلفاً، وآذاناً صمّاً. إن الله سبحانه وتعالى هو المنفرد بالخلق والاختيار من المخلوقات، قال تعالى: وربك يخلق ما يشاء ويختار. وإذا كانت سعادة العبد في الدارين معلقةً بهدي النبي صلى الله عليه وسلم. كما قال تعالى: وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ، وقال جل جلاله: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ. فيجب على كل من نصح نفسه وأحب نجاتها وسعادتها أن يعرف من هديه وسيرته وشأنه ما يخرج به عن الجاهلين به، ويدخل في عداد أتباعه، والناس بين مستقل ومستكثر، والفضل بيد الله يؤتيه من يشاء. نسأل الله بمنه وكرمه وعظيم نوله أن نكون من أتباع هذا النبي الكريم ظاهراً وباطناً. آمين، آمين، آمين. قال القاضي عياض عن منزلة رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ربه: لا خفاء على من مارس شيئاً من العلم، أو خص بأدنى لمحة من فهم، بتعظيم الله تعالى قدر نبينا صلى الله عليه وسلم، وخصوصه إياه بفضائل ومحاسن ومناقب لا تنضبط لزمام، وتنويهه من عظيم قدره بما تكل عنه الألسنة والأقلام، فمنها ما صرح به تعالى في كتابه، ونبه به على جليل نصابه، وأثنى عليه من أخلاقه وآدابه، وحض العباد على التزامه وتقلد إيجابه. فَكَانَ جَلَّ جَلَالُهُ هُوَ الَّذِي تَفَضَّلَ وَأَوْلَى، ثُمَّ طَهَّرَ وَزَكَّى، ثُمَّ مَدَحَ بِذَلِكَ وَأَثْنَى، ثُمَّ أَثَابَ عَلَيْهِ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى، فَلَهُ الْفَضْلُ بَدْءًا وَعَوْدًا، وَالْحَمْدُ أُولَى وَأُخْرَى، وَمِنْهَا مَا أَبْرَزَهُ لِلْعِيَانِ مِنْ خَلْقِهِ عَلَاءَ تَمِّ وُجُوهِ الْكَمَالِ وَالْجَلَالِ، وَتَخْصِيصِهِ بِالْمَحَاسِنِ الْجَمِيلَةِ وَالْأَخْلَاقِ الْحَمِيدَةِ، وَالْمَذَاهِبِ الْكَرِيمَةِ وَالْفَضَائِلِ الْعَدِيدَةِ، وَتَأْيِيدِهِ بِالْمُعْجِزَاتِ الْبَاهِرَةِ وَالْبَرَاهِينِ الْوَاضِحَةِ وَالْكَرَامَاتِ الْبَيِّنَةِ، الَّتِي شَاهَدَهَا مَنْ عَاصَرَهُ وَرَآهَا مَنْ أَدْرَكَهُ، وَعَلِمَهَا عِلْمَ يَقِينٍ مَنْ جَاءَ بَعْدَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُتِيَ بِالْبُرَاقِ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ مُسَرَّجًا مُلَحَّمًا، فَاسْتَصْعَبَ عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ جِبْرِيلُ: أَبِمُحَمَّدٍ تَفْعَلُ هَذَا؟ فَمَا رَكِبَكَ أَحَدٌ أَكْرَمَ عَلَى اللَّهِ مِنْهُ، فَارْفَضَّ عَرَقًا. وَقَالَ تَعَالَى عَنْ نَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُنَوِّهًا بِفَضْلِهِ: لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ. فَجَاءَتْ قِرَاءَةٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ، وَقِرَاءَةٌ أُخْرَى مِنْ أَنْفَسِكُمْ، وَقَالَ جَلَّ ذِكْرُهُ: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ. وقال: إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا. وقال: أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ. ورفع الذكر للنبي صلى الله عليه وسلم بالنبوة، وقيل بشهادة التوحيد، وقيل بالأذان، وكلها لا شك من رفع الذكر. وقال جل ذكره: إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ، والصلاة من الله ثناء على النبي صلى الله عليه وسلم. وقال جل ذكره: مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ. وقال: إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا. وغير ذلك كثير. وإن الحديث عن سيرة النبي الكريم صلى الله عليه وسلم ليبعث في النفس الحياة ويعيد لها الأمل، وذلك أن من يقرأ سيرة سيد المرسلين يقرأ الدعوة إلى الحق والصبر فيها ولها، ويقرأ الحلم والأخلاق المتميزة والعبادة الكاملة والبذل والجهاد. إنه يقرأ الحياة كلها، يقرأ الحياة التي ينبغي أن يعيشها المسلم. وسنحاول من خلال هذه الورقات التعرف على حياة سيدنا وإمامنا وقدوتنا رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم. كنوز السيرة.