(58) صفته صلى الله عليه وسلم في التوراة والإنجيل
نص الحلقة
بسم الله الرحمن الرحيم. كنوز السيرة. حياؤه صلى الله عليه وسلم. عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أشد حياءً من العذراء في خدرها، وكان إذا كره شيئًا عرفناه في وجهه. وعن عائشة رضي الله عنها قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا بلغه عن الرجل الشيء لم يقل: ما بال فلان يقول، ولكن يقول: ما بال أقوام يقولون كذا، ينهى عنه ولا يسمي فاعله. وقالت عائشة: لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم فاحشًا ولا متفحشًا، ولا صخابًا بالأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويصفح. كنوز السيرة. زهده صلى الله عليه وسلم. عن ابن عباس رضي الله عنهما أن عمر رضي الله عنه قال: دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا هو مضطجع على حصير، فأدنى إليه إزاره وجلس، وإذا الحصير قد أثر بجنبه، فقلبت عيني في خزانة رسول الله صلى الله عليه وسلم. فَإِذَا لَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ مِنَ الدُّنْيَا غَيْرَ قَبْضَتَيْنِ مِنْ شَعِيرٍ، وَقَبْضَةٍ مِنْ قَرَظٍ نَحْوَ الصَّاعَيْنِ، فَدَمَعَتْ عَيْنَايَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَا يُبْكِيكَ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ؟ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا لِي لَا أَبْكِي وَأَنْتَ صَفْوَةُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ وَخِيَرَتُهُ، وَهَذِهِ خِزَانَتُكَ، وَكِسْرَى وَقَيْصَرُ فِي الثِّمَارِ وَالْأَنْهَارِ، وَأَنْتَ هَكَذَا. فَقَالَ: يَا ابْنَ الْخَطَّابِ، أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ لَنَا الْآخِرَةُ وَلَهُمُ الدُّنْيَا؟ قُلْتُ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: فَاحْمَدِ اللَّهَ. وَعَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ عَلَى سَرِيرٍ مَرْمُولٍ بِشَرِيطٍ، وَتَحْتَ رَأْسِهِ مِرْفَقَةٌ حَشْوُهَا لِيفٌ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِهِ فِيهِمْ عُمَرُ، فَعَوَّجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عُوَجَاجًا، فَرَأَى عُمَرُ أَثَرَ الشَّرِيطِ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَبَكَى، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَا يُبْكِيكَ؟ قَالَ: كِسْرَى وَقَيْصَرُ يَعِيثَانِ فِيمَا يَعِيثَانِ فِيهِ، وَأَنْتَ عَلَى هَذَا السَّرِيرِ. فَقَالَ: أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ لَهُمُ الدُّنْيَا وَلَنَا الْآخِرَةُ؟ قَالَ: بَلَى. قَالَ: فَإِنَّهُ كَذَلِكَ. وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: اضْطَجَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حَصِيرٍ. فَأَثَّرَ بِجِلْدِهِ، فَجَعَلْتُ أَمْسَحُهُ عَنْهُ وَأَقُولُ: بِأَبِي وَأُمِّي، أَلَا آذَنْتَنَا فَنَبْسُطَ لَكَ؟ فَقَالَ: مَا لِي وَلِلدُّنْيَا، مَا أَنَا فِي الدُّنْيَا إِلَّا كَرَاكِبٍ اسْتَظَلَّ تَحْتَ شَجَرَةٍ، ثُمَّ رَاحَ وَتَرَكَهَا. وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: لَوْ كَانَ لِي مِثْلُ أُحُدٍ ذَهَبًا، مَا يَسُرُّنِي أَلَّا يَمُرَّ عَلَيَّ ثَلَاثُ لَيَالٍ وَعِنْدِي مِنْهُ شَيْءٌ إِلَّا شَيْءٌ أَرْصُدُهُ لِدَيْنٍ. وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اللَّهُمَّ اجْعَلْ رِزْقَ آلِ مُحَمَّدٍ قُوتًا. وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: مَا شَبِعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ تِبَاعًا مِنْ خُبْزِ بُرٍّ حَتَّى مَضَى لِسَبِيلِهِ. وَعَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: كُنَّا لَنَنْظُرُ إِلَى الْهِلَالِ، ثُمَّ الْهِلَالِ، ثُمَّ الْهِلَالِ، ثَلَاثَةَ أَهِلَّةٍ فِي شَهْرَيْنِ، وَمَا أُوقِدَ فِي أَبْيَاتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَارٌ. قَالَ عُرْوَةُ: فَمَا كَانَ عَيْشُكُمْ؟ قَالَتْ: الْأَسْوَدَانِ: التَّمْرُ وَالْمَاءُ، إِلَّا أَنَّهُ كَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جِيرَانٌ مِنَ الْأَنْصَارِ، وَكَانَ لَهُمْ مَنَائِحُ، فَكَانُوا يُرْسِلُونَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَلْبَانِهَا فَيَسْقِينَاهُ. وقالت: ما شبع رسول الله صلى الله عليه وسلم من خبز شعير يومين متتابعين حتى قبض. وقالت: كان فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم من أدم حشوه ليف. هذا هو رسول الله صلى الله عليه وسلم في زهده، وماذا نقول نحن عن حياتنا؟ ما نأكل، وما نشرب، وما نلبس، وما ننام عليه، ما نقول إلا: الله المستعان. كنوز السيرة. مزاحه صلى الله عليه وسلم. عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قيل: يا رسول الله، إنك تداعبنا. قال: إني لا أقول إلا حقا. وعن أنس رضي الله عنه قال: استحمل أعرابي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أنا أحملك على ولد الناقة. فقال الأعرابي: وما أصنع بولد الناقة يا رسول الله؟ فقال: وهل تلد الإبل إلا النوق؟ ظن الأعرابي أنه سيعطيه ولد الناقة، الحوار الصغير. وعن عائشة رضي الله عنها قالت: سابقني النبي صلى الله عليه وسلم فسبقته ما شاء الله، حتى إذا رهقني اللحم سابقني فسبقني. فقال: هذه بتلك. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدلع لسانه للحسين، فيرى الصبي حمرة لسانه فيهش إليه. فقال له عيينة بن بدر: ألا أراك تصنع هذا، فوالله إني ليكون لي ولد قد خرج وجهه ما قبلته قط. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: من لا يرحم لا يُرحم. وعن أم سلمة رضي الله عنها أن أبا بكر رضي الله عنه خرج تاجرًا إلى بصرى قبل موت النبي صلى الله عليه وسلم بعام أو عامين، ومعه نعيمان وسويبط بن حرملة، وهما بدريان، وكان سويبط على زادهم، فجاء نعيمان فقال: أطعمني. قال: لا، حتى يأتي أبو بكر. وكان نعيمان مزاحًا فقال: لأبيعنك. ثم أتى ناسًا فقال لهم: ابتاعوا مني غلامًا، ولكنه رجل ذو لسان، لعله يقول: أنا حر، فإن كنتم تاركيه إذا قال ذلك فدعوني ولا تفسدوا علي غلامي. قالوا: لا، بل نبتاعه. فباعه بعشر قلائص، ثم جاءهم فقال: هو ذا. فقال سويبط: هو كاذب، أنا رجل حر. قالوا: قد أخبرنا بخبرك. وَطَرَحُوا الحَبْلَ عَلَيْهِ وَرَبَطُوهُ وَأَخَذُوهُ، فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ فَأَخْبَرُوهُ، فَذَهَبَ وَأَصْحَابٌ لَهُ، فَرَدُّوا القَلَائِصَ وَأَخَذُوا سُوَيْبِطًا، فَضَحِكَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَعَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: إِنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ البَادِيَةِ كَانَ اسْمُهُ زَاهِرًا، وَكَانَ يُهْدِي النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَدِيَّةً مِنَ البَادِيَةِ، فَيُجَهِّزُهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقَالَ: إِنَّ زَاهِرًا بَادِيَتُنَا وَنَحْنُ حَاضِرَتُهُ. وَكَانَ هَذَا الرَّجُلُ دَمِيمًا، فَأَتَاهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا وَهُوَ يَبِيعُ مَتَاعَهُ، فَاحْتَضَنَهُ مِنْ خَلْفِهِ وَهُوَ لَا يُبْصِرُهُ، فَقَالَ: أَرْسِلْنِي، مَنْ هَذَا؟ فَالْتَفَتَ وَعَرَفَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَجَعَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: مَنْ يَشْتَرِي العَبْدَ؟ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِذًا وَاللهِ تَجِدُنِي كَاسِدًا. قَالَ: وَلَكِنَّكَ عِنْدَ اللهِ لَسْتَ بِكَاسِدٍ، أَوْ قَالَ: لَكِنْ عِنْدَ اللهِ أَنْتَ غَالٍ. وَعَنْ جَرِيرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: مَا حَجَبَنِي الرَّسُولُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُنْذُ أَسْلَمْتُ، وَلَا رَآنِي إِلَّا تَبَسَّمَ. هَذَا مُزَاحُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَهُوَ لَا يُنَافِي النُّبُوَّةَ وَالْهَيْبَةَ الَّتِي لَهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. كنوز السيرة. منطقه صلى الله عليه وسلم. كان أفصح خلق الله، وأعذبهم كلامًا، وأسرعهم أداءً، وأحلاهم منطقًا، حتى إن كلامه ليأخذ بمجامع القلوب، ويسبي الأرواح. قالت عائشة رضي الله عنها: ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسرد سردكم هذا، ولكن كان يتكلم بكلام بيّن فصل، يحفظه من جلس إليه. وكان كثيرًا ما يعيد الكلام ثلاثًا ليعقل عنه، وكان إذا سلم سلم ثلاثًا، وكان طويل السكوت، لا يتكلم في غير حاجة، ويتكلم بجوامع الكلم، وكان لا يتكلم في ما لا يعنيه، ولا يتكلم إلا فيما يرجو ثوابه، وإذا كره شيئًا عرف في وجهه، ولم يكن فاحشًا ولا متفحشًا، ولا صخابًا في الأسواق، وكان جل ضحكه التبسم، بل كله التبسم، فكان نهاية ضحكه أن تبدو نواجذه. كنوز السيرة. بكاؤه صلى الله عليه وسلم. كان بكاؤه من جنس ضحكه، لم يكن بشهيق ورفع صوت، ولكن كانت تدمع عيناه حتى تهمل، ويسمع في صدره أزيز، وكان بكاؤه تارة رحمةً للميت، وتارة خوفًا على أمته وشفقةً عليها. وتارةً من خشية الله، وتارةً عند سماع القرآن. ولما مات ابنه إبراهيم دمعت عيناه وبكى صلى الله عليه وسلم، وبكى لما شاهد إحدى بناته ونفسها تفيض، وبكى عندما قرأ عليه عبد الله بن مسعود سورة النساء، وصلى صلاة الخوف وبكى. كنوز السيرة. صفته صلى الله عليه وسلم في التوراة والإنجيل. قال الله تبارك وتعالى: وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ ۖ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَٰذَا سِحْرٌ مُبِينٌ. وقال جل ذكره: الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ. ومع التحريف والتبديل والتغيير، لا زلنا نجد صفة واسم رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم في التوراة والإنجيل. صفاته في الإنجيل. إنجيل متى. في إنجيل متى، في الإصحاح الخامس عشر، ما يدل على أن عيسى مرسل إلى بني إسرائيل خاصة. قال: لم أرسل إلا إلى خراف بيت إسرائيل الضالة. وفي الإصحاح الحادي عشر قال عيسى عليه السلام: لأن جميع الأنبياء والناموس إلى يوحنا تنبأوا، وإن أردتم أن تقبلوا فهذا هو إيليا المزمع أن يأتي. من له أذنان للسمع فليسمع. وإيليا هو أحمد صلى الله عليه وسلم. وعرفنا ذلك عن طريق حروف أبجد هوز، لأن أبجد هوز أحرف تدل على أرقام: أبجد، هوز، حطي، كلمن، سعفص، قرشت، ثخذ، ضظغ. فالألف بواحد، والباء باثنين، والجيم بثلاثة، والدال بأربعة، والهاء بخمسة، والواو بستة، والزاي بسبعة، والحاء بثمانية، والطاء بتسعة، والياء بعشرة، والكاف بعشرين، واللام بثلاثين، والميم بأربعين، والنون بخمسين، والسين بستين، والعين بسبعين. والفاء بثمانين، والصاد بتسعين، والقاف بمئة، والراء بمئتين، والشين بثلاثمئة، والتاء بأربعمئة، والثاء بخمسمئة، والخاء بستمئة، والذال بسبعمئة، والضاد بثمانمئة، والظاء بتسعمئة، والغين بألف. فإيليا على حساب أبجد هوز: الألف بواحد، والياء بعشرة، واللام بثلاثين، والياء بعشرة، والألف بواحد، يساوي ثلاثة وخمسين. وأحمد: الألف بواحد، والحاء بثمانية، والميم بأربعين، والدال بأربعة، يساوي ثلاثة وخمسين. إنجيل يوحنا، في الإصحاح الرابع عشر، قال عيسى: إن كنتم تحبونني فاحفظوا وصاياي، وأنا أطلب من الآب فيعطيكم معزياً آخر ليمكث معكم إلى الأبد، وهو روح الحق. وكلمة المعزي هي تعريف، وإن شئت قل تحريف لكلمة بارقليطوس، وهي كلمة يونانية معناها كثير الحمد، أي محمد صلى الله عليه وسلم. وكنا قد ذكرناه سابقاً في قصة إسلام عبد الله المايورقي، في قصة وفد نجران عام الوفود سنة تسع من الهجرة. صفاته في التوراة: جاء في التوراة في كتاب أشعياء. الإصحاح الثاني والأربعون. هو ذا عبدي الذي أعضده، مختاري الذي سرت به نفسي. وضعت روحي عليه، فيخرج الحق للأمم. لا يصيح ولا يرفع ولا يسمع في الشارع صوته. لا يكل ولا ينكسر حتى يضع الحق للأرض، وتنتظر الجزائر شريعته. فبالطبع ليس بعيسى، لأنه لم تكن له شريعة خاصة، وإنما كان متممًا لشريعة موسى عليه السلام. وأما قوله: لا يصيح ولا يسمع في الشارع صوته، فهذا مصداق قول عائشة رضي الله عنها: لم يكن النبي فاحشًا ولا متفحشًا، ولا صخابًا في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة. سفر التثنية. في الإصحاح الثالث والثلاثين قال موسى: جاء الرب من سيناء، بلد موسى، وأشرق من سعير، موطن عيسى، وتلألأ من جبل فاران، هي مكة. وهذه شبيهة بقول الله تعالى: وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ وَطُورِ سِينِينَ وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ. فالتين والزيتون هي بلد عيسى في فلسطين، وطور سينين هي بلد موسى مصر، والبلد الأمين بلد محمد صلى الله عليه وسلم، مكة. إن فاران هي التي سكنها إسماعيل عليه السلام، وهذا في الإصحاح الحادي والعشرين، وإسماعيل إنما سكن في مكة. وقال: لترفع البرية ومدنها صوتها، الديار التي سكنها قيدار، وهو ولد إسماعيل عليه السلام. هذا في الإصحاح الخامس والعشرين. وقال: لتترنم سكان سالع، وهو جبل في المدينة، وهي جبال سلع من رؤوس الجبال. وفي قصة إسلام سلمان الفارسي قال عن نفسه أنه قد رحل في طلب الحق إلى الشام، ثم إلى الموصل، ثم إلى نصيبين، ثم إلى عمورية، فلما احتضر الأسقف هناك قال له سلمان: إلى أين؟ أي إلى من أذهب؟ قال: يا بني، والله ما أعلمه بقي أحد على مثل ما كنا عليه آمرك أن تأتيه، ولكن قد أظلك زمان نبي يبعث في الحرم، مهاجره بين حرتين إلى أرض سبخة ذات نخل، وإن فيه علامات لا تخفى، بين كتفيه خاتم النبوة، يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة، فإن استطعت أن تخلص إلى تلك البلاد فافعل، إنه قد أظلك زمانه. فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم. هذا هو سيد البشرية صلى الله عليه وسلم، وخليل الرحمن جل وعلا. نسأل الله تبارك وتعالى أن يحشرنا تحت لوائه وبين يديه صلى الله عليه وسلم. آمين، آمين، آمين. والله أعلى وأعلم، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد. كنوز السيرة.