(25) الحرب خدعة
نص الحلقة
بسم الله الرحمن الرحيم. كنوز السيرة. موقف شجاع. وأراد صلى الله عليه وسلم أن يصالح فزارة وغطفان وغيرهما، فقال لسعد بن معاذ وسعد بن عبادة، وكانا سيدي الأوس والخزرج: ما تقولان؟ نعطي غطفان ثلث ثمار المدينة على أن يرجعوا، لأن غطفان تمثل أربعة آلاف من عشرة آلاف، وقريش أربعة آلاف، وبقية القبائل الذين جاءوا مع قريش يمثلون ألفين. فقالا: يا رسول الله، إن كان الله أمرك بهذا فسمعًا وطاعة، وإن كان شيئًا تصنعه لنا فلا حاجة لنا فيه. قد كنا نحن وهؤلاء على الشرك، ووالله يا رسول الله لا يطمعون أن يأكلوا منا ثمرة إلا ببيع أو قرى، فكيف وقد أعزنا الله بالإسلام؟ أفحين أن أكرمنا الله بالإسلام وهدانا له وأعزنا بك، نعطيهم أموالنا؟ لا والله يا رسول الله، لا نعطيهم إلا السيف. وهذه شجاعة نادرة، يحاصرون بعشرة آلاف وهم قلة، وخيانة وغدر من الداخل وجوع، ويستطيعون خلال هذا الاتفاق أن يصرفوا عنهم أربعة آلاف، ولكنهم يأبون. فَصَوَّبَ الرَّسُولُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأْيَهُمَا وَقَالَ: وَاللَّهِ مَا أَصْنَعُ ذَلِكَ إِلَّا أَنِّي رَأَيْتُ أَنَّ الْعَرَبَ قَدْ رَمَتْكُمْ عَنْ قَوْسٍ وَاحِدَةٍ. كنوز السيرة. الحرب خدعة. جاء نعيم بن مسعود إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وقال: يا رسول الله، إني أسلمت، وأريد أن أقاتل معك. فقال: هل علم أحد بإسلامك؟ قال: لا. قال: فخذل عنا ما استطعت. فقال: نعم. فذهب نعيم بن مسعود لبني قريظة من الداخل، فقال لهم: يا قوم، إن قريشًا قوم غدر، وإنهم إذا انتصروا على محمد وأخذوا ما يريدون خرجوا وتركوكم، ثم ينتقم منكم أهل المدينة. قالوا: لا، سيقفون معنا، وعاهدونا عن طريق حيي بن أخطب. قال: أنا لا أرى إلا أن تأخذوا منهم فدية تضمنون بها حقكم. قالوا: وما هي؟ قال: اطلبوا منهم أن يعطوكم عشرة من أولادهم حتى إذا غدروا قتلتموهم، ولن يغدروا خوفًا على أولادهم. قالوا: فكرة صائبة. ثم ذهب إلى قريش، وقال لهم: إنكم تعلمون أن اليهود قوم غدر، وإنهم سيغدرون بكم. قالوا: كيف؟ قال: سمعتهم يتكلمون، يقولون: إننا سنأخذ عشرة من قريش ونعطيهم لمحمد، لنثبت له حسن نوايانا وأننا صادقون وأننا معه. فالتقت قريش مع اليهود، فقالت اليهود لقريش: أعطونا عشرة من أولادكم حتى نضمن حقنا. فقالت قريش في أنفسها: نعم، يريدون العشرة ليسلموهم لمحمد. فقالوا: لا، لن يكون هذا. قالت اليهود في أنفسها: نعم، قريش تريد أن تغدر بنا، ولذلك لا تعطينا العشرة. ففتى الله تبارك وتعالى ما كان بينهم من عهد، ونصر رسوله صلى الله عليه وسلم. عند ذلك خذلت قريظة قريشًا، وخذلت قريش قريظة، واستمر الحصار. ثم أرسل الله تبارك وتعالى جنودًا من عنده، عبارة عن ريح عظيمة أرسلها الله تبارك وتعالى عليهم، فتركوا أماكنهم ورجعوا إلى بلادهم خائبين. كنوز السيرة. تأخير صلاة العصر. شغل صلى الله عليه وسلم عن صلاة العصر، كما شغل أخوه سليمان صلى الله عليه وسلم بالخيل حتى غابت الشمس، فالنبي صلى الله عليه وسلم شغل بجيش مكة ومن جاء معهم حتى غابت الشمس. فقال: شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر، ملأ الله قبورهم وبيوتهم نارًا، فدعا عليهم صلى الله عليه وسلم. كنوز السيرة. حذيفة رضي الله عنه وليلة الأحزاب. قال حذيفة رضي الله عنه: رأيتنا مع الرسول صلى الله عليه وسلم ليلة الأحزاب، وأخذتنا ريح شديدة وقر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألا رجل يأتيني بخبر القوم، جعله الله معي يوم القيامة؟ فسكتنا ولم يجبه منا أحد، ثم قال: ألا رجل يأتينا بخبر القوم، جعله الله معي يوم القيامة؟ فسكتنا، فقال: قم يا حذيفة فأتني بخبر القوم. قال: فلم أجد بدًا إذ دعاني باسمي أن أقوم. قال: اذهب وائتني بخبر القوم، ولا تذعرهم علي. فلما وليت من عنده جعلت كأنما أمشي في حمام ما أشعر بالبرد، وهذا تثبيت من الله عز وجل. قال: حتى أتيتهم، فرأيت أبا سفيان يصلي ظهره بالنار، فوضعت سهمًا في كبد القوس وأردت أن أرميه، فتذكرت قول الرسول صلى الله عليه وسلم: لا تذعرهم علي. ولو رميته لأصبته، سبحان الله، فالله أراد لأبي سفيان أن يسلم ويسلم. قال: فرجعت وأنا أمشي أيضًا في مثل الحمام، فلما أتيت أخبرته بخبرهم، فلما فرغت قررت، أي بردت، فألبسني رسول الله صلى الله عليه وسلم من فضل عباءة كانت عليه يصلي فيها، فلم أزل نائمًا حتى أصبحت، فلما أصبحت قال: قم يا نومان. كنوز السيرة. النبي صلى الله عليه وسلم يدعو على الأحزاب. وهنا دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: اللهم منزل الكتاب، سريع الحساب، اهزم الأحزاب، اللهم اهزمهم وزلزلهم. فبعث الله عليهم جندًا من جنده، وهي ريح باردة، أطفأت نارهم، وقلعت خيامهم، وقلبت قدورهم، برد وجوع وخوف، والله على كل شيء قدير، وتفرق شملهم، وأعلن أبو سفيان الهزيمة على استحياء، وأمر قريشًا بالرحيل. ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا إله إلا الله وحده، أعز جنده، ونصر عبده، وغلب الأحزاب وحده، فلا شيء بعده. كنوز السيرة. إجلاء بني قريظة. جاء جبريل عليه السلام إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أوضعتم السلاح؟ فقال: نعم. قال جبريل: أما نحن فلم نضع أسلحتنا بعد، انهد إلى القوم، يأمرك الله بهذا. فخرج النبي صلى الله عليه وسلم وأمر الناس وقال: لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة. فخرج المسلمون استجابة لأمر النبي صلى الله عليه وسلم إلى بني قريظة، وعجلهم، وأعطى الراية لعلي بن أبي طالب، واستخلف ابن أم مكتوم على المدينة، وجاء حتى نزل عند حصون بني قريظة، وحاصرهم خمسًا وعشرين ليلة، وعرض عليهم سيدهم كعب بن أسد، فقال: إما أن تسلموا وتدخلوا مع محمد صلى الله عليه وسلم في دينه، وإما أن تقتلوا ذراريكم وتخرجوا وتقاتلوا حتى تقتلوا عن آخركم، وإما أن تهجموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه يوم السبت حين يأمن المسلمون شركم. فرفضوها كلها، فقال لهم: والله إنكم حمر ولا شيء تقبلونه. فخرج عند ذلك أحدهم وقال: يا رسول الله، ننزل على حكم سعد بن معاذ. وَذَلِكَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ، كَمَا مَرَّ سَابِقًا، شَفَعَ فِي بَنِي قَيْنُقَاعَ، فَتَرَكَهُمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُ، فَهَؤُلَاءِ أَرَادُوا حُكْمَ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ؛ لِأَنَّهُ كَانَ حَلِيفًا لَهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَقَالُوا: لَعَلَّهُ يُدَافِعُ عَنَّا، كَمَا دَافَعَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ عَنْ بَنِي قَيْنُقَاعَ. وَمَا عَلِمُوا الْفَرْقَ بَيْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ رَأْسِ الْمُنَافِقِينَ، وَبَيْنَ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ مِنْ رُؤُوسِ الْمُتَّقِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. فَقَالُوا: نَنْزِلُ عَلَى حُكْمِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ، كَمَا نَزَلَ إِخْوَانُنَا عَلَى حُكْمِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ. فَأَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِسَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ أَنْ يُؤْتَى بِهِ، وَكَانَ قَدْ أُصِيبَ فِي أَكْحَلِهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَلَمَّا جَاءَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قُومُوا إِلَى سَيِّدِكُمْ، أَيْ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَأَنْزِلُوهُ مِنْ عَلَى الْحِمَارِ الَّذِي جَاءَ بِهِ. فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: احْكُمْ فِي مَوَالِيكَ. فَصَارُوا يَصِيحُونَ بِهِ: أَحْسِنْ أَبَا عَمْرٍو فِي مَوَالِيكَ، كَمَا أَحْسَنَ غَيْرُكَ. فَقَالَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ: آنَ لِسَعْدٍ أَلَّا تَأْخُذَهُ فِي اللَّهِ لَوْمَةُ لَائِمٍ. فَقَالَ: إِنَّ حُكْمِي فِيهِمْ أَنْ يُقْتَلَ مُقَاتِلَتُهُمْ، وَتُسْبَى ذَرَارِيهِمْ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَقَدْ حَكَمْتَ فِيهِمْ بِحُكْمِ اللَّهِ. فَأَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَتْلِ رِجَالِهِمْ، وَسَبْيِ ذَرَارِيهِمْ وَنِسَائِهِمْ. كنوز السيرة.