(29) صلح الحديبية
نص الحلقة
بسم الله الرحمن الرحيم. كنوز السيرة. صلح الحديبية سنة ست للهجرة. لما رجع الأحابيش، قام رجل من قريش اسمه مكرز بن حفص، فقال: دعوني آته، وهذا يبين لنا أن قريشًا خائفة من الحرب، وكل فترة يرسلون رجلًا لكي يكلم النبي صلى الله عليه وسلم. فلما أشرف على النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، قال النبي صلى الله عليه وسلم: هذا مكرز، وهو رجل فاجر. فجعل مكرز يكلم النبي صلى الله عليه وسلم، فبينما هو يكلمه إذ جاء سهيل بن عمرو، فلما جاء سهيل بن عمرو قال النبي صلى الله عليه وسلم: قد سهل لكم من أمركم، وهذا من باب التفاؤل بالأسماء الحسنة. فبنى النبي صلى الله عليه وسلم سهالة الأمر على مقدمتين: الأولى ما كان يعرفه من سهيل، والثانية اسم سهيل من السهولة. فجاء سهيل فقال للنبي صلى الله عليه وسلم: هات اكتب بيننا وبينكم كتابًا. فدعا النبي صلى الله عليه وسلم الكاتب، وهو علي بن أبي طالب، فقال: اكتب بسم الله الرحمن الرحيم. فقال سهيل: أما الرحمن فما أدري ما هي، ولكن اكتب باسمك اللهم كما كنت تكتب. وفي بعض الطرق: اكتب كما كان يكتب آباؤك. وفي بعض طرق هذا الحديث أن عليا كتب بسم الله الرحمن الرحيم، فقال امحوها. فقال المسلمون: والله ما نكتب إلا بسم الله الرحمن الرحيم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: اكتب باسمك اللهم. ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله. قال سهيل: والله لو كنا نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت ولا قاتلناك، ولكن اكتب محمد بن عبد الله. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: والله إني لرسول الله وإن كذبتموني، اكتب محمد بن عبد الله. فقال علي بن أبي طالب: لا أمحوها. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: امحها. فقال: لا أمحوها. وهذا تعظيما لاسم النبي صلى الله عليه وسلم. وفي بعض الطرق أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: ضع يدي عليها. فمحاها؛ لأنه ما كان يقرأ. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: على أن تخلوا بيننا وبين البيت فنطوف به. فقال سهيل: والله لا تتحدث العرب أنا أخذنا ضغطة، ولكن ذلك من العام المقبل. وقال: وعلى ألا يأتيك منا رجل وإن كان على دينك إلا رددته إلينا. فقال المسلمون: سبحان الله، كيف يُرَدُّ إلى المشركين وقد جاء مسلماً؟ فبينما هم كذلك إذ دخل أبو جندل بن سهيل بن عمرو يرسف في قيوده وهو مسلم، وقد قيده أبوه في بيته، فرآه أبوه حين رمى بنفسه بين أظهر المسلمين، فقال سهيل: هذا يا محمد أول من أقاضيك عليه أن ترده إلي. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إنا لم نقض الكتاب بعد. فقال سهيل: فوالله إذاً لم أصالحك على شيء أبداً. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: فأجزه لي. فقال سهيل: ما أنا بمجيزه لك. قال النبي صلى الله عليه وسلم: بلى فافعل. قال: ما أنا بفاعل. فقال مكرز: بلى قد أجزناه لك. قال أبو جندل: أي معشر المسلمين، أُرَدُّ إلى المشركين وقد جئت مسلماً؟ قال عمر: فأتيت نبي الله صلى الله عليه وسلم فقلت: ألست نبي الله حقاً؟ قال: بلى. قلت: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟ قال: بلى. قال: فلِمَ نُعطِي الدنية في ديننا إذاً؟ فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: إني رسول الله، ولست أعصيه وهو ناصري. قلت: أَوَلَيْسَ كُنْتَ تُحَدِّثُنَا أَنَّا سَنَأْتِي الْبَيْتَ فَنَطُوفَ بِهِ؟ قَالَ: بَلَى. فَأَخْبَرْتُكَ أَنَّا نَأْتِيهِ الْعَامَ؟ قَالَ: عُمَرُ: لَا. قَالَ الرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّكَ آتِيهِ وَمُطَّوِّفٌ بِهِ. قَالَ عُمَرُ: فَأَتَيْتُ أَبَا بَكْرٍ، فَقُلْتُ: يَا أَبَا بَكْرٍ، أَلَيْسَ هَذَا نَبِيَّ اللَّهِ حَقًّا؟ قَالَ: بَلَى. قُلْتُ: أَلَسْنَا عَلَى الْحَقِّ وَعَدُوُّنَا عَلَى الْبَاطِلِ؟ قَالَ: بَلَى. قُلْتُ: فَلِمَ نُعْطِي الدَّنِيَّةَ فِي دِينِنَا؟ قَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَيُّهَا الرَّجُلُ، إِنَّهُ لَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَيْسَ يَعْصِي رَبَّهُ وَهُوَ نَاصِرُهُ، فَاسْتَمْسِكْ بِغَرْزِهِ، فَوَاللَّهِ إِنَّهُ عَلَى الْحَقِّ. وَهَذَا يُبَيِّنُ لَنَا رَجَاحَةَ عَقْلِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. قَالَ عُمَرُ: أَلَيْسَ كَانَ يُحَدِّثُنَا أَنَّا سَنَأْتِي الْبَيْتَ وَنَطُوفَ بِهِ؟ قَالَ أَبُو بَكْرٍ: بَلَى. فَأَخْبَرَكَ أَنَّكَ سَتَأْتِيهِ الْعَامَ؟ قُلْتُ: لَا. قَالَ: فَإِنَّكَ آتِيهِ وَمُطَّوِّفٌ بِهِ. قَالَ عُمَرُ: فَعَمِلْتُ لِذَلِكَ أَعْمَالًا، فَمَا زِلْتُ أَصُومُ وَأَتَصَدَّقُ. فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ قَضِيَّةِ الْكِتَابِ، قَالَ الرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَصْحَابِهِ: قُومُوا فَانْحَرُوا ثُمَّ احْلِقُوا. وَهَذَا يُسَمَّى فِي الشَّرْعِ: الْحَصْرُ. وَالْإِنْسَانُ إِذَا أُحْصِرَ فَإِنَّهُ يُهْدِي الْهَدْيَ الَّذِي مَعَهُ، وَيَتَحَلَّلُ مِنْ إِحْرَامِهِ. وهذا لمن كان معه الهدي، كما قال الله تعالى: وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ. فوالله ما قام منهم رجل حتى قال ذلك ثلاث مرات، فلما لم يقم منهم أحد، دخل على أم سلمة، فذكر لها ما لقي من الناس، فقالت: يا نبي الله، أتحب ذلك؟ اخرج ثم لا تكلم أحدًا منهم كلمة، حتى تنحر بدنك، وتدعو حالقك فيحلقك. فخرج النبي صلى الله عليه وسلم، فلم يكلم أحدًا منهم حتى فعل ذلك، فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا، وجعل بعضهم يحلق لبعض، حتى كاد بعضهم يقتل بعضًا غمًّا. نرى هنا أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر الصحابة وما نفذوا، هل تعتبر هذه معصية؟ نقول: هم ما نفذوا أمر النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن لِمَ لم ينفذوا أمره؟ هم تمنوا أن ينزل الله تبارك وتعالى أمره بالدخول إلى مكة، أو أن يغير النبي صلى الله عليه وسلم رأيه ويعزم على الدخول، لأنهم كانوا متلهفين لدخول مكة. ولكن أم سلمة رضي الله عنها كانت راجحة العقل، وفهمت أن الصحابة رضي الله عنهم إنما امتنعوا عن ذلك لأجل هذين الأمرين، فأشارت عليه بأن ينحر ويحلق، ثم ينظر كيف تكون ردة الفعل، فقبل رأيها صلى الله عليه وسلم فنحر وحلق، فلما رأى الصحابة ذلك نحروا وحلقوا بدون أمر، ثم جاء نسوة مؤمنات فأنزل الله تبارك وتعالى: يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن الله أعلم بإيمانهن فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن وآتوهم ما أنفقوا ولا جناح عليكم أن تنكحوهن إذا آتيتموهن أجورهن. وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنْفَقُوا ۚ ذَٰلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ ۖ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ. وقوله: وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا، أي من المهر، وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ، أي بعد انفساخ العقد وانقضاء العدة، إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ، أي المهر. ثم قال تعالى: وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ، أي لا تجعلوا الكافرات في عصمتكم، كما أن المؤمنة لا يجوز لها أن تعيش مع الكافر. ثم قال تعالى: وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ، أي كما إنكم تعطونهم ما أنفقوا، أيضا أنتم اسألوا من الكافرات اللاتي تفسخون عقدهن، وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنْفَقُوا ۚ ذَٰلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ ۖ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ. فطلق عمر يومئذ امرأتين كانتا له في الشرك، فتزوج إحداهما معاوية بن أبي سفيان، والأخرى صفوان بن أمية، وبعد صلح الحديبية نزلت سورة الفتح كاملة، ويسمي أهل العلم صلح الحديبية فتحا. كنوز السيرة. شروط صلح الحديبية. أولا: أن يرجع المسلمون ذلك العام ولا يدخلون مكة. ثانياً: أن النبي صلى الله عليه وسلم ومن معه يعتمرون من السنة القادمة في الوقت نفسه، ويقيمون في مكة ثلاثة أيام فقط. ثالثاً: لا يدخلون مكة إلا بسلاح الراكب، السيف فقط. رابعاً: من جاء النبي صلى الله عليه وسلم من قريش بغير إذن وليه يرده عليه إن طلبه، ومن جاء قريشاً من المسلمين لا يردوه إليهم. خامساً: من أراد أن يدخل في عقد النبي صلى الله عليه وسلم وعهده دخل فيه وله مثل شرطه، ومن أراد أن يدخل في عقد قريش وعهدها دخل فيه وله مثل شرطها، فدخلت بنو بكر مع قريش، ودخلت خزاعة مع النبي صلى الله عليه وسلم. سادساً: أن بين النبي صلى الله عليه وسلم ومكة عيبة مكفوفة، أي ذمة معقودة. سابعاً: أنه لا إسلال ولا إغلال، ومعنى الشرطين السادس والسابع: أي بيننا وبينهم في هذا الصلح صدراً معقوداً على الوفاء بما في الكتاب، نقياً من الغل والغدر والخداع. ثامناً: توضع الحرب بينهم عشر سنين. كنوز السيرة. الحكم التي تضمنتها الهدنة. هذه الهدنة في ظاهرها إجحاف للنبي صلى الله عليه وسلم ومن معه. ولكن ليس الأمر كذلك. يقول ابن القيم رحمه الله في الإشارة إلى بعض الحكم التي تضمنتها هذه الهدنة: هي أكبر وأجل من أن يحيط بها إلا الله جل وعلا الذي أحكم أسبابها، ووقعت الغاية على الوجه الذي اقتضته حكمته سبحانه وتعالى. منها أنها كانت مقدمة بين يدي الفتح الأعظم الذي أعز الله به رسوله وجنده، ودخل الناس به في دين الله أفواجًا، فكانت هذه الهدنة بابًا له ومفتاحًا ومؤذنًا بين يديه. ومنها أن هذه الهدنة كانت من أعظم الفتوح، فإن الناس أمن بعضهم بعضًا، واختلط المسلمون بالكفار، وبادأوهم بالدعوة، وأسمعوهم القرآن، وناظروهم على الإسلام جهرة آمنين، وظهر من كان مختفيًا بالإسلام، ودخل فيه في مدة الهدنة من شاء الله أن يدخل. ومن أشهر من دخل في الإسلام في هذه المدة خالد بن الوليد، وعمرو بن العاص، وغيرهما من الصحابة. ومنها ما سببه الله سبحانه وتعالى للمؤمنين من زيادة الإيمان، والإذعان والانقياد على ما أحبوا وكرهوا، وما حصل لهم في ذلك من الرضا بقضاء الله تبارك وتعالى، وتصديق موعوده. ومنها أن النبي صلى الله عليه وسلم تفرغ للدعوة إلى دين الله تبارك وتعالى. فصار صلى الله عليه وسلم يرسل رسله، فأرسل إلى هرقل وقيصر، وأرسل إلى النجاشي والمقوقس، وإلى غيرهم من رؤوس القبائل، كلهم يدعوهم إلى الإسلام. كنوز السيرة.