(53) اليوم الأخير
نص الحلقة
بسم الله الرحمن الرحيم. كنوز السيرة. النبي صلى الله عليه وسلم يُخيَّر بين الموت والحياة. ثم قال صلى الله عليه وسلم مبينًا أن الأمر قد أزف: إن عبدًا خيَّره الله أن يؤتيه من زهرة الدنيا ما شاء، وبين ما عنده، فاختار ما عنده. قال أبو سعيد: فبكى أبو بكر وقال: فديناك بآبائنا وأمهاتنا. قال أبو سعيد: فعجبنا له، وقال الناس: انظروا إلى هذا الشيخ يخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن عبد خيَّره الله بين أن يؤتيه من زهرة الدنيا ما شاء وبين ما عنده، وأبو بكر يقول: فديناك بآبائنا وأمهاتنا. قال أبو سعيد: فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم هو المخيَّر، وكان أبو بكر أعلمنا. ثم قال صلى الله عليه وسلم: إن من أمنِّ الناس عليَّ في صحبته وماله أبو بكر، ولو كنت متخذًا خليلًا من أمتي لاتخذت أبا بكر خليلًا، ولكن أخوة الإسلام ومودته، لا يبقين في المسجد باب إلا سد إلا باب أبي بكر. وفي يوم الخميس، قبل وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم بأربعة أيام. قال: هلموا أكتب لكم كتابًا لن تضلوا بعده. فقال عمر رضي الله عنه: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد غلبه الوجع، عندكم القرآن، حسبكم كتاب الله. فاختلف أهل البيت، فمنهم من يقول: قربوا يكتب لكم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومنهم من يقول ما قال عمر. فلما أكثروا اللغط والاختلاف، قال الرسول صلى الله عليه وسلم: قوموا عني، لأنه لا ينبغي أن يكون عند النبي صلى الله عليه وسلم خصام. وهنا يقال: كيف منع عمر النبي صلى الله عليه وسلم من أن يكتب ذلك الكتاب؟ أولًا، إن عمر لم يمنع النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما أشفق عليه صلى الله عليه وسلم من التعب الذي ألم به، وقد أخبر الله بقوله تبارك وتعالى: اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينًا. وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد أخبر قبل ذلك: إنه ليس شيء يقربكم من الجنة ويباعدكم من النار إلا قد أمرتكم به، وليس شيء يقربكم من النار ويباعدكم من الجنة إلا قد نهيتكم عنه. وعمر رضي الله عنه يعلم أن الدين قد كمل، وأن الأمر قد تم، فأراد أن يرتاح النبي صلى الله عليه وسلم. ثانياً، ولو كان هذا الكتاب واجباً ولم يكتبه، لكان قد كتم شيئاً من الدين، وهو لم يكتم شيئاً، كيف وقد قال الله تبارك وتعالى: يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس إن الله لا يهدي القوم الكافرين. ثم هذا الكتاب الذي أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يكتبه، بلغه شفاهية، كما في حديث علي رضي الله عنه قال: أمرني النبي صلى الله عليه وسلم أن آتيه بطبق يكتب فيه ما لا تضل أمته من بعده، قال: فخشيت أن تفوتني نفسه، قال فقلت: إني أحفظ وأعي، قال: أوصي بالصلاة والزكاة وما ملكت أيمانكم. قالت عائشة رضي الله عنها: لما مرض النبي صلى الله عليه وسلم مرضه الذي توفي فيه، حضرت الصلاة، فأذن بلال، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: مروا أبا بكر فليصل بالناس، فقيل له: إن أبا بكر رجل أسيف، إذا قام مقامك لم يستطع أن يصلي بالناس، وأعاد فأعادوا، وأعاد الثالثة وقال: إنكن صواحب يوسف، مروا أبا بكر فليصل بالناس. ومعنى قوله: إِنَّ كُنَّ صَوَاحِبَ يُوسُفَ، أي أنكن تقلن شيئًا، وفي أنفسكن شيء آخر. فعائشة قالت: إنه رجل أسيف، وهو كذلك، ولكنها قصدت منع أبي بكر من الصلاة بالناس مع وجود النبي صلى الله عليه وسلم، حتى لا يكره الناس أبا بكر محبةً في النبي صلى الله عليه وسلم. كما قالت صواحب يوسف: امرأة العزيز تراود فتاها، وهن يردن رؤية يوسف، لا مجرد الطعن في امرأة العزيز. وخرج أبو بكر ليصلي بالناس، ثم وجد النبي صلى الله عليه وسلم في نفسه خفة، فخرج يهادى بين رجلين كأني أنظر إلى رجليه تخطان الأرض من الوجع، فأراد أبو بكر أن يتأخر، فأومأ إليه النبي صلى الله عليه وسلم مكانك، ثم أتى وجلس إلى جنبه. قيل للأعمش: أما كان النبي صلى الله عليه وسلم إمامًا، وأبو بكر يصلي بصلاته، والناس تصلي بصلاة أبي بكر؟ فقال برأسه: نعم. كنوز السيرة. واقترب الأجل. وقبل وفاة النبي صلى الله عليه وسلم بيومين وقعت حادثة، فعن عائشة رضي الله عنها قالت: ثقل برسول الله صلى الله عليه وسلم وجعه. فقال: أصلى الناس؟ قلنا: لا، هم ينتظرونك يا رسول الله. فقال: ضعوا ماءً في المخضب، ففعلنا. قالت: فاغتسل، ثم ذهب لينوء فأغمي عليه، ثم أفاق وقال: أصلى الناس؟ قلنا: لا، هم ينتظرونك يا رسول الله. قال: ضعوا لي ماءً في المخضب، ففعلنا، فاغتسل، ثم ذهب لينوء فأغمي عليه، ثم أفاق فقال: أصلى الناس؟ قلنا: لا، هم ينتظرونك يا رسول الله. قال: ضعوا لي ماءً في المخضب، ففعلنا. قالت: فاغتسل، ثم ذهب لينوء فأغمي عليه، ثم أفاق وقال: أصلى الناس؟ قلنا: لا، هم ينتظرونك يا رسول الله. قالت: والناس عكوف في المسجد ينتظرون رسول الله صلى الله عليه وسلم لصلاة العشاء، فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أبي بكر ليصلي بالناس، فكان أبو بكر رجلاً رقيقاً، فصلى بهم أبو بكر تلك الأيام، وفي مرضه صلى الله عليه وسلم أنفق ما بقي عنده من مال، كما روى ذلك المطلب بن عبد الله بن حنطب قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعائشة، وهي مسندته إلى صدرها: يا عائشة، ما فعلت تلك الذهب؟ قالت: هي عندي. قال: فأنفقيها. ثم غشي عليه وهو على صدرها، فلما أفاق قال: أنفقتِ تلك الذهب يا عائشة؟ قالت: لا والله يا رسول الله. قالت: فدعا بها، فوضعها في كفه فعدها، فإذا هي ستة دنانير من الذهب، فقال: ما ظن محمد بالله عز وجل لو لقيه وهذه عنده؟ أنفقيها. فأنفقها كلها، ومات في ذلك اليوم صلى الله عليه وسلم. كنوز السيرة. اليوم الأخير. عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: إن المسلمين بينما هم في صلاة الفجر يوم الاثنين، وأبو بكر يصلي بهم، لم يفجأهم إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم كشف ستر حجرة عائشة رضي الله عنها، فنظر إليهم وهم في صفوف الصلاة، ثم تبسم فرحًا بهم صلى الله عليه وسلم، فنكص أبو بكر على عقبيه ليصل الصف، وظن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد أن يخرج إلى الصلاة، فقال أنس: وهم المسلمون أن يفتتنوا في صلاتهم، فأشار إليهم بيده أن أتموا صلاتكم، ثم دخل الحجرة وأرخى الستر. ثم لم يصلِّ بعد هذا حتى توفي بأبي هو وأمي. كنوز السيرة. كرامةٌ لفاطمة رضي الله عنها. ولما ارتفع الضحى دعا النبي صلى الله عليه وسلم فاطمة رضي الله عنها، فسارَّها بشيء فبكت، ثم دعاها فسارَّها بشيء فضحكت. قالت عائشة: فسألنا عن ذلك فيما بعد، فقالت فاطمة: سارَّني النبي صلى الله عليه وسلم أنه يقبض في وجعه الذي توفي فيه، فبكيت، ثم سارَّني فأخبرني أني أول أهله يتبعه، فضحكت. وفي بعض الروايات عن عائشة رضي الله عنها قالت: ما رأيت أحدًا أشبه سمتًا وهديًا ودلًّا برسول الله صلى الله عليه وسلم من فاطمة، بقيامها وقعودها، وكانت إذا دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم قام إليها وقبَّلها وأجلسها في مجلسه، وكان إذا دخل عليها فعلت ذلك، فلما مرض صلى الله عليه وسلم دخلت عليه فأكبت عليه تقبله، ثم بكت فاطمة وضحكت لما سارَّها النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت عائشة: ما رأيت اليوم فرحًا أقرب من حزن، فسألتها عن ذلك، قالت فاطمة. ما كنتُ لأفشي سرَّ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فلما توفي النبي صلى الله عليه وسلم سألتها عائشة، فقالت فاطمة: أسرَّ إليَّ أن جبريل كان يعارضني القرآن كل سنة مرة، وأنه عارضني العام مرتين، ولا أراه إلا حضر أجلي، وأنك أول أهل بيتي لحوقًا بي. قالت فاطمة: فبكيت، فقال: أما ترضين أن تكوني سيدة نساء أهل الجنة؟ قالت فاطمة: فضحكت. ولما رأت فاطمة رضي الله عنها الكرب الشديد على رسول الله صلى الله عليه وسلم بكت وقالت: وا كرب أباه. قال لها: ليس على أبيك كرب بعد اليوم. ثم اشتد الوجع بالنبي صلى الله عليه وسلم، وظهر أثر السم الذي أكله في خيبر في أول السنة السابعة، حتى كان يقول لعائشة: ما أزال أجد ألم الطعام الذي أكلت بخيبر، فهذا أوان انقطاع أبهري من ذلك السم. وأوصى صلى الله عليه وسلم الناس وقال: الصلاة الصلاة وما ملكت أيمانكم. وبدأ الاحتضار برسول الله صلى الله عليه وسلم، وأسندته عائشة رضي الله عنها إليها، وكانت تقول: إن من نعم الله علي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توفي في بيتي وفي يومي. وبين سحري ونحري، وأن الله جمع بين ريقي وريقه عند موته. قالت: ودخل عبد الرحمن بن أبي بكر وبيده سواك، وأنا مسندته على صدري بين السحر والنحر، فرأيته ينظر إليه وإلى سواكه، وعرفت أنه يحب السواك، قلت: آخذه لك؟ فأشار برأسه: نعم. فتناولته فلينته، وقضمته وطيبته، وأعطيته رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاستن بالسواك كأحسن ما كان مستنًّا صلى الله عليه وسلم. وبين يديه ركوة فيها ماء، فجعل يدخل يديه ويمسح بهما على وجهه ويقول: لا إله إلا الله، إن للموت سكرات. وما عدا أن فرغ من السواك حتى رفع إصبعه، وشخص بصره نحو السماء، وتحركت شفتاه، فأصغيت إليه فإذا هو يقول: مع الذين أنعمت عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين. اللهم اغفر لي وارحمني، وألحقني بالرفيق الأعلى. اللهم الرفيق الأعلى. كرر الكلمة ثلاثًا، ومالت يده، ولحق بالرفيق الأعلى. إنا لله وإنا إليه راجعون. عن عائشة رضي الله عنها قالت: كنت أسمع أنه لا يموت نبي حتى يُخيَّر بين الدنيا والآخرة. فَسَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ، وَأَخَذَتْهُ بَحَّةٌ: مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ. قَالَتْ: فَظَنَنْتُ أَنَّهُ يُخَيَّرُ. وَقَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَأْسُهُ بَيْنَ سَحْرِي وَنَحْرِي، فَلَمَّا خَرَجَتْ نَفْسُهُ لَمْ أَجِدْ رِيحًا قَطُّ أَطْيَبَ مِنْهَا. قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ: هَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ. وَهَذَا كَانَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ، فِي الثَّانِي عَشَرَ مِنْ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ فِي الضُّحَى، سَنَةَ إِحْدَى عَشْرَةَ مِنْ مُهَاجَرِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَكَانَتْ قَدْ تَمَّتْ لَهُ ثَلَاثٌ وَسِتُّونَ سَنَةً. كنوز السيرة.