(42) حصار الطائف وهزيمة ثقيف

كنوز السيرة · المقطع 42 من 58

☆ أضف للمفضلة

نص الحلقة

بسم الله الرحمن الرحيم. كنوز السيرة. هزيمة ثقيف. انتهت المعركة، وانتصر المسلمون في نهايتها، وكان ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم أنهم سينتصرون، وهرب أكثر ثقيف إلى الطائف، وبعضهم ذهب إلى مكان يقال له نخلة، وطائفة إلى مكان يقال له أوطاس، فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم طائفة إلى أوطاس يقودهم أبو عامر الأشعري. قال أبو موسى الأشعري رضي الله عنه: لما فرغ النبي صلى الله عليه وسلم من حنين، بعث أبا عامر على جيش إلى أوطاس، فقتل دريد بن الصمة، وهزم الله أصحابه، وبعثني مع أبي عامر، ورماه جشمي بسهم فأثبته في ركبته، فقلت: يا عم، من رماك؟ فأشار إليه وقال: ذاك قاتلي الذي رماني. قال أبو موسى: فقصدت له فلحقته، فلما رآني ولى، فاتبعته، فجعلت أقول له: ألا تستحي؟ ألا تثبت؟ فكف، فاختلفنا ضربتين بالسيف، فقتلته، ثم قلت لأبي عامر: قتل الله صاحبك. قال: فانزع هذا السهم، فنزعته، فنزل منه الماء. فقال: يا ابن أخي، أقرئ النبي صلى الله عليه وسلم السلام، وقل له يستغفر لي. ثم استخلفني أبو عامر على الناس، فرجعت ودخلت على النبي صلى الله عليه وسلم في بيته على سرير مرمل، وعليه فراش قد أثر السرير بظهره وجنبه، فأخبرته بخبرنا وخبر أبي عامر، وقلت له ما قال أبو عامر، فدعا النبي صلى الله عليه وسلم بماء فتوضأ، ثم رفع يديه فقال: اللهم اغفر لعبيد أبي عامر، ورأيت بياض إبطيه، أي بالغ في رفع يديه، ثم قال: اللهم اجعله يوم القيامة فوق كثير من خلقك من الناس. فقال أبو موسى: ولي فاستغفر. فقال: اللهم اغفر لعبد الله بن قيس ذنبه، وأدخله يوم القيامة مدخلاً كريماً. قال أبو بردة بن أبي موسى: إحداهما لأبي عامر، والأخرى لأبي موسى، أي الدعاء الذي دعا به النبي صلى الله عليه وسلم. كنوز السيرة. بعض آداب الدعاء. قوله: فدعا بماء فتوضأ، ثم رفع يديه، تدل على أمور، منها: أولاً أن النبي كان يدعو لأصحابه صلى الله عليه وسلم. خاصة إذا طلبوا ذلك منه. ثانياً: يدل على أن السنة إذا أراد أن يذكر الله تبارك وتعالى بدعاء أو غيره فإنه يتوضأ. ثالثاً: يدل على أن السنة في الدعاء رفع اليدين. رابعاً: جواز طلب الدعاء من الغير. هذه الطائفة الأولى طاردت المشركين إلى أوطاس، والطائفة الثانية طاردت الذين سلكوا نخلة، فأدركت من أدركت وقتلتهم. كنوز السيرة. جمع الغنائم وحصار الطائف. أما الغنائم فكانت شيئاً عجيباً، بلغت ستة آلاف من السبي، وأربعة وعشرين ألفاً من الإبل، وأربعين ألفاً من الغنم، وأربعة آلاف أوقية فضة، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بجمعها، ثم حبس الغنائم جميعاً في الجعرانة، ولم يقسمها حتى ذهب إلى الطائف صلى الله عليه وسلم. وكان من ضمن السبي الشيماء أخت النبي صلى الله عليه وسلم من الرضاعة. دخل المشركون الطائف بقيادة مالك بن عوف، وتحصنوا بها، ولحق بهم النبي صلى الله عليه وسلم وحاصرهم، واستمر الحصار أربعين يوماً، ونصب النبي صلى الله عليه وسلم كما هو مشهور المنجنيق على أهل الطائف ورماهم به. ثم نادى منادٍ النبي صلى الله عليه وسلم: أيما عبد نزل من الحصن وخرج إلينا فهو حر. فخرج إليه ثلاثة وعشرون عبداً، منهم أبو بكرة الثقفي. وكان أهل الحصن استعدوا بذلك، وكان عندهم ما يكفيهم سنة كما قيل. عندها أذن النبي صلى الله عليه وسلم بالناس: إنا قافلون غداً إن شاء الله. فثقل ذلك عليهم، فقالوا: يا رسول الله، نذهب ولا نفتح الحصن، فكيف ذلك؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: اغدوا إلى القتال. فغدوا إلى القتال فأصابهم جراح. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنا قافلون غداً، فسروا بذلك. فتبسم النبي صلى الله عليه وسلم، وقيل: يا رسول الله، ادعُ على ثقيف. فقال: اللهم اهدِ ثقيفاً وأتِ بهم. كنوز السيرة. إسلام عروة بن مسعود رضي الله عنه. ولما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الطائف، جاءه عروة بن مسعود فاتبعه وأسلم. وعروة هذا هو الذي جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وتكلم معه قبيل صلح الحديبية، والذي قال بعد أن رجع إلى أهل مكة. دخلت على ملوك فارس والروم، ودخلت على أصحاب النجاشي في ملكه وغيرهم، فما وجدت أحدًا يعظم أحدًا كما يعظم أصحاب محمد محمدًا صلى الله عليه وسلم. قال ابن إسحاق: لما انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم من الطائف، اتبع أثره عروة بن مسعود حتى أدركه قبل أن يدخل المدينة، فأسلم، وسأله أن يرجع إلى قومه بالإسلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وما يتحدث قومك إنهم قاتلوك. وعرف رسول الله صلى الله عليه وسلم أن فيهم نخوة الامتناع، فقال عروة: يا رسول الله، أنا أحب إليهم من أبكارهم، وكان فيهم كذلك محببًا مطاعًا، فخرج يدعو قومه إلى الإسلام، رجاء ألا يخالفوه، وذلك لمنزلته فيهم، فلما أشرف لهم على علية له، وقد دعاهم إلى الإسلام وقد أظهر لهم دينه، رموه بالنبل من كل وجه، فأصابه سهم فقتله. فقيل لعروة: ما ترى في دمك؟ قال: كرامة أكرمني الله بها، وشهادة ساقها الله لي، فليس في إلا ما في الشهداء، فليس في إلا ما في الشهداء الذين قتلوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يرتحل عنكم. فَادْفِنُونِي مَعَهُمْ، فَدَفَنُوهُ مَعَهُمْ. كنوز السيرة. قسمة الغنائم. رجع النبي صلى الله عليه وسلم من حصار ثقيف بالطائف إلى الجعرانة، ومكث فيها بضع عشرة ليلة لا يقسم الغنائم، ينتظر هوازن أن تأتي تائبة فيعطيهم أموالهم. وأعطى النبي صلى الله عليه وسلم أبا سفيان بن حرب أربعين أوقية ومئة من الإبل، وأعطى حكيم بن حزام مئة من الإبل، وأعطى صفوان بن أمية مئة من الإبل، ثم مئة ثم مئة، وأعطى الحارث بن كلدة مئة من الإبل، وأعطى آخرين على خمسين خمسين من الإبل، وكل هذا لتأليف قلوبهم، فبعضهم من المسلمين الذين أسلموا بالفتح، وبعضهم من الذين ما زالوا على الشرك، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يتألفهم بهذه الأموال، وأعطى بعضهم خمسين، وبعضهم أربعين بحسب مكانته من قومه، فازدحمت عليه الأعراب يطالبون بالمال حتى اضطروه إلى الشجرة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أيها الناس، والذي نفسي بيده، لو كان عندي شجر تهامة نعماً لقسمته عليكم، ثم ما ألفيتوني بخيلاً ولا جباناً ولا كذاباً. أيها الناس، والله ما لي من فيئكم ولا هذه الوبرة إلا الخمس، والخمس مردود عليكم. وساق لنا البخاري فعل بعض الأعراب مع النبي صلى الله عليه وسلم، فعن أبي سعيد الخدري قال: بعث علي بن أبي طالب رضي الله عنه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من اليمن بذهيبة من أديم مقروظ لم تحصل من ترابها، فقسمها بين أربعة نفر: بين عيينة بن بدر، والأقرع بن حابس، وزيد الخيل، والرابع إما علقمة أو عامر بن الطفيل. فقال رجل من أصحابه: كنا نحن أحق بهذا من هؤلاء. فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء؟ يأتيني خبر السماء صباحًا ومساءً. فقام إليه رجل غائر العينين، مشرف الوجنتين، ناشز الجبهة، كث اللحية، محلوق الرأس، مشمر الإزار، فقال: يا رسول الله، اتق الله. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ويلك، أولست أحق أهل الأرض أن يتقي الله؟ ثم ولى الرجل. وقال خالد بن الوليد: يا رسول الله، ألا أضرب عنقه؟ قال: لا، لعله أن يكون يصلي. فقال خالد: وكم من مصل يقول بلسانه ما ليس في قلبه. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إني لم أؤمر أن أنقب عن قلوب الناس، ولا أشق بطونهم. ثم نظر إليه وهو مقفٍ فقال: إنه يخرج من ضئضئ هذا قوم يتلون كتاب الله رغبًا، لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل ثمود. وقال أبو موسى الأشعري: كنت عند النبي صلى الله عليه وسلم وهو نازل بالجعرانة، ومعه بلال، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم أعرابي فقال: ألا تنجز لي ما وعدتني؟ فقال له: أبشر. فقال الرجل: قد أكثرت علي من أبشر. فأقبل النبي صلى الله عليه وسلم علي وعلى بلال كهيئة الغضبان، فقال: رد البشرى، فاقبلا أنتما. قالا: قبلنا. ثم أتي بقدح فيه ماء، فغسل يديه ووجهه فيه، ومج فيه ثم قال: اشربا منه وأفرغا على وجوهكما ونحوركما وأبشرا. فأخذ القدح ففعلا، فنادت أم سلمة من وراء الستر: أن أفضلا لأمكما، فأفضلا لها. هكذا فعل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم. أما أولئك من المنافقين، أو الذين ما خالط الإيمان قلوبهم من الغلظة والأذى الذي أوقعوه في النبي صلى الله عليه وسلم، فأولئك من الخوارج. الذين خرجوا على أمة رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا يبالون، يضربون برهم وفاجرهم. كنوز السيرة.