(16) سراقة بن مالك يبحث عن المكافأة

كنوز السيرة · المقطع 16 من 58

☆ أضف للمفضلة

نص الحلقة

بسم الله الرحمن الرحيم. كنوز السيرة. الله ثالثهما. أخرج البخاري عن أنس رضي الله عنه، عن أبي بكر رضي الله عنه قال: كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في الغار، فرفعت رأسي، فإذا أنا بأقدام القوم، فقلت: يا نبي الله، لو أن بعضهم طأطأ بصره رآنا. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: اسكت يا أبا بكر، اثنان الله ثالثهما. وفي لفظ: ما ظنك يا أبا بكر باثنين الله ثالثهما. ولما هدأت قريش في الطلب، تهيأ النبي صلى الله عليه وسلم للخروج من الغار ليتجه إلى المدينة، وذلك أن عبد الله بن أبي بكر كان يأتيهما بالأخبار، وكان مع النبي صلى الله عليه وسلم رجل أجير، وهو عبد الله بن أريقط، كان دليلاً للنبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر، وكان كافراً، ومع هذا استعان به النبي صلى الله عليه وسلم، ومنه قال أهل العلم: تجوز الاستعانة بالكافر عند الحاجة إليه. وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد أعطى عبد الله بن أريقط الراحلتين، وواعده في غار ثور بعد ثلاث ليال. والنبي صلى الله عليه وسلم استأمنه وهو كافر، وكان من الممكن أن يخبر قريشًا بمكان النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر، ويأخذ المئة ناقة، ولكنه ما استأمنه إلا لأنه كان أمينًا. فلما كانت ليلة الاثنين جاءهما عبد الله بن أريقط بالراحلتين، وكانتا لأبي بكر، فقال أبو بكر للرسول صلى الله عليه وسلم: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، خذ إحدى راحلتي هاتين، يعني لك، وقرب إليه أفضلهما. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بالثمن. وأتتهما أسماء بنت أبي بكر بسفرتهما، ونسيت أن تجعل لها عصامًا، يعني شيئًا تربط به، فلما ارتحلا ذهبت تعلق السفرة، فإذا ليس لها عصام، فشقت نطاقها قسمين، فعلقت السفرة بأحد هذين القسمين، وانتطقت بالآخر، ومنها لُقبت بذات النطاقين، والنطاق هو ما يربط على البطن. أخرج البخاري عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه قال: أسرينا ليلتنا ومن الغد حتى قام قائم الظهيرة، وخلا الطريق لا يمر فيه أحد، فرفعت لنا صخرة طويلة لها ظل لم تأت عليها الشمس، فنزلنا عندها، وسويت للنبي صلى الله عليه وسلم مكانًا بيدي ينام عليه. وبسطت عليه فروة، وقلت: نم يا رسول الله، وأنا أنفض لك ما حولك. فنام، وخرجت أنفض ما حوله، فإذا أنا براعٍ مقبل إلى الصخرة يريد منها مثل الذي أردنا، فقلت له: لمن أنت يا غلام؟ فقال: لرجل من أهل المدينة أو مكة. قلت: أفي غنمك لبن؟ قال: نعم. قلت: أفتحلب؟ قال: نعم. فأخذ شاة، فقلت: انفض الضرع من التراب والشعر والقذى. فحلب في كعب كثبة من لبن، ومعي إداوة حملتها للنبي صلى الله عليه وسلم يرتوي منها، يشرب ويتوضأ. فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فكرهت أن أوقظه، فوافقته حين استيقظ، فصببت من الماء على اللبن حتى برد أسفله، فقلت: اشرب يا رسول الله. فشرب حتى رضيت، ثم قال: ألم يأن الرحيل؟ قلت: بلى. قال: فارتحلنا. كنوز السيرة. سراقة بن مالك يبحث عن المكافأة. وتابع النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر رجل يقال له سراقة بن مالك بن جعشم، ويحدثنا سراقة بقصته. قال: بينما أنا جالس في مجلس من مجالس قومي بني مدلج، إذ أقبل رجل منهم حتى قام علينا ونحن جلوس، فقال: يا سراقة، إني رأيت آنفًا أسودة بالساحل، أراها محمدًا وأصحابه. قال سراقة: وعرفت أنهم هم، فقلت له: إنهم ليسوا بهم، ولكنك رأيت فلانًا وفلانًا انطلقوا بأعيننا. ثم لبثت في المجلس ساعة ثم قمت، فدخلت فأمرت جاريتي أن تخرج فرسي من وراء أكمة فتحبسها علي، فأخذت رمحي فخرجت به من ظهر البيت، فخططت بزجه الأرض، وخفضت عاليه، حتى أتيت فرسي فخررت عليها، فقمت فأهويت بيدي إلى كنانتي، فاستخرجت منها الأزلام، فاستقسمت بها: أضرهم أم لا؟ فخرج الذي أكره. قال: فركبت فرسي وعصيت الأزلام، حتى إذا اقتربت من النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر، سمعت قراءة النبي صلى الله عليه وسلم وهو لا يلتفت، وأبو بكر يكثر الالتفات. قال: فساخت يدا فرسي في الأرض حتى بلغت الركبتين، فخررت عنها، ثم زجرتها فنهضت، فلم تكد تخرج يديها، فلما استوت قائمة إذا لأثر يديها غبار ساطع في السماء مثل الدخان. فَاسْتَقْسَمْتُ بِالْأَزْلَامِ مَرَّةً ثَانِيَةً، فَخَرَجَ الَّذِي أَكْرَهُ، فَنَادَيْتُهُمْ بِالْأَمَانِ، فَوَقَفُوا، فَرَكِبْتُ فَرَسِي حَتَّى جِئْتُهُمْ، وَوَقَعَ فِي نَفْسِي حِينَ لَقِيتُ مَا لَقِيتُ مِنَ الْحَبْسِ عَنْهُمْ، كَيْفَ أَنَّ فَرَاسِمْ تَنَعَتْ أَنْ سَيَظْهَرُ أَمْرُ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقُلْتُ لَهُ: إِنَّ قَوْمَكَ قَدْ جَعَلُوا فِيكَ الدِّيَةَ، وَعَرَضْتُ عَلَيْهِ الزَّادَ وَالْمَتَاعَ، فَلَمْ يَرْزَآنِي وَلَمْ يَسْأَلَانِي، إِلَى أَنْ قَالَ: أَخْفِ عَنَّا. فَسَأَلْتُهُ أَنْ يَكْتُبَ لِي كِتَابَ أَمْنٍ، فَأَمَرَ عَامِرَ بْنَ فُهَيْرَةَ، فَكَتَبَ لِي فِي رُقْعَةٍ مِنْ أَدَمٍ، ثُمَّ مَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَرَجَعَ سُرَاقَةُ بْنُ مَالِكٍ، وَوَجَدَ النَّاسَ فِي الطَّلَبِ، فَجَعَلَ يَقُولُ لَهُمْ: قَدِ اسْتَبْرَأْتُ لَكُمُ الْخَبَرَ، قَدْ كَفَيْتُكُمْ مَا هَاهُنَا. سُبْحَانَ اللَّهِ، فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ يُرِيدُ قَتْلَهُمَا، يُرِيدُ الْمُكَافَأَةَ، وَفِي آخِرِ النَّهَارِ جَعَلَ يُدَافِعُ عَنْهُمَا وَيُخْفِي أَمْرَهُمَا، فَهَذَا مِنَ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى، كَيْفَ أَنَّهُ يَحْفَظُ نَبِيَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. كنوز السيرة. خيمة أم معبد. وَمَرَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَسِيرِهِ ذَلِكَ حَتَّى أَتَى خَيْمَةَ امْرَأَةٍ يُقَالُ لَهَا أُمُّ مَعْبَدٍ. فسألها النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر: هل عندك شيء؟ قالت: والله ما عندنا شيء ما أعوزكم، وكانت سنة شهباء. فنظر النبي صلى الله عليه وسلم إلى شاة في كسر الخيمة، فقال: ما هذه الشاة يا أم معبد؟ قالت: شاة خلفها الجهد عن الغنم. فقال: هل بها من لبن؟ قالت: هي أجهد من ذلك. فقال: أتأذنين أن أحلبها؟ قالت: نعم بأبي وأمي، إن رأيت بها حلبًا فاحلبها. فمسح رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده ضرعها، وسمى الله ودعا، فتفاجت عليه ودرت، فدعا بإناء لها، فحلب فيه حتى علته الرغوة، فسقاها فشربت حتى رويت، وسقى أصحابه أبا بكر وعامرًا وعبد الله بن أريقط حتى رووا، ثم شرب، وحلب ثانية حتى ملأ الإناء، ثم أعطاه إياها وغادر صلى الله عليه وسلم. بعد ذلك جاء زوج أم معبد يسوق أعنزًا عجافًا ما فيها لبن، فلما رأى اللبن عجب، فقال: من أين لك هذا والشاة عازب ولا حلوبة في البيت؟ فقالت: لا والله إلا أنه مر بنا رجل مبارك. كان من حديثه كيت وكيت، ومن حاله كذا وكذا، فذكرت له ما وقع، فقال زوجها: إني والله أرى أنه صاحب قريش الذي تطلبه، صفيه لي يا أم معبد. فوصفته بصفات، فقال لها: هذا والله من يبحث عنه أهل مكة. وسمعت أشعار يقال إنها للجن: جزى الله رب العرش خير جزائه رفيقين حلا خيمتي أم معبد، هما نزلا بالبر وارتحلا به، وأفلح من أمسى رفيق محمد. فيا لقصي ما زوى الله عنكم به من فعال لا يجازى وسؤدد، ليهن بني كعب مكان فتاتهم، ومقعدها للمؤمنين بمرصد. سلوا أختكم عن شاتها وإنائها، فإنكم إن تسألوا الشاة تشهد. كنوز السيرة. الفصل الثالث: دعوة النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة. وفي يوم الاثنين الثامن من ربيع الأول من السنة الرابعة عشرة من مبعث النبي صلى الله عليه وسلم وصل إلى قباء. قال عروة بن الزبير: سمع المسلمون بالمدينة بمخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة. فكانوا يغدون كل غداة إلى الحرة، فينتظرونه حتى يردهم حر الظهيرة، فانقلبوا يوماً بعدما أطال انتظارهم، فلما أووا إلى بيوتهم أوفى رجل من يهود على أطم من آطامهم، فبصر بالرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه مبيضين يزول بهم السراب، فلم يملك اليهودي أن نادى بأعلى صوته: يا معاشر العرب، هذا جدكم الذي تنتظرون. فثار المسلمون إلى السلاح، فتلقوا الرسول صلى الله عليه وسلم، فعدل بهم ذات اليمين حتى نزل بهم في بني عمرو بن عوف، وذلك يوم الاثنين من شهر ربيع الأول، فقام أبو بكر للناس، وجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم صامتاً، فطفق من جاء من الأنصار ممن لم يروا النبي صلى الله عليه وسلم يجيئون أبا بكر، يظنون أنه النبي صلى الله عليه وسلم، حتى أصابت الشمس رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأقبل أبو بكر حتى ظلل على نبي الله صلى الله عليه وسلم بردائه، فعرف الناس أن هذا هو الرسول صلى الله عليه وسلم. وبقي علي بن أبي طالب ثلاثة أيام يؤدي الأمانات عن النبي صلى الله عليه وسلم، ثم هاجر ماشياً على قدميه. أقام الرسول صلى الله عليه وسلم بقباء أربعة أيام على المشهور. الاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس. كنوز السيرة. أول مسجد أسس على التقوى. أسس صلى الله عليه وسلم مسجد قباء وصلى فيه، وهو أول مسجد أسس على التقوى. ولما كان اليوم الخامس، وهو يوم الجمعة، ركب الرسول صلى الله عليه وسلم بأمر الله له، وأردف أبا بكر، وأرسل إلى بني النجار، وهم أخوال جده عبد المطلب، فجاءوا متقلدين سيوفهم، فسار جهة المدينة، فأدركته الجمعة في قرية لبني سالم بن عوف، فجمع بهم في المسجد الذي في بطن الوادي، وهذه أول جمعة صلاها النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة. وبعد أن صلى الجمعة انطلق إلى داخل المدينة، فكان لا يمر بدار من دور الأنصار إلا أخذوا خطام راحلته، وهم يقولون له: يا رسول الله، هلم إلى العدد والعدة والسلاح والمنعة. فكان يقول لهم: خلوا سبيلها، فإنها مأمورة. فلم تزل سائرة به حتى وصلت إلى موضع المسجد النبوي فبركت، فلم ينزل عنها حتى نهضت وسارت قليلاً، ثم التفتت ورجعت فبركت في موضعها الأول. فنزل عنها النبي صلى الله عليه وسلم في بني النجار، وكان من توفيق الله له، فإنه أحب أن ينزل على أخواله ليكرمهم بذلك، وهذه من صلة الرحم. فجعل الناس يكلمون الرسول صلى الله عليه وسلم في النزول إليهم، فكل واحد منهم يأتي إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ويقول: يا رسول الله، انزل عندي، اسكن عندي. فقام أبو أيوب الأنصاري وأخذ رحل النبي صلى الله عليه وسلم ثم دخل به إلى بيته، فالتفت إليه النبي صلى الله عليه وسلم فقال: المرء مع رحله. فجاء أسعد بن زرارة فأخذ بزمام راحلة النبي صلى الله عليه وسلم فقال: والراحلة عندي. وبعد أيام وصلت زوج النبي صلى الله عليه وسلم سودة، وابنتاه فاطمة وأم كلثوم، وكذلك أسامة بن زيد وأم أيمن، وكل أولئك خرج معهم عبد الله بن أبي بكر، ومعه كذلك أولاد أبي بكر الصديق، وبقيت زينب بنت النبي صلى الله عليه وسلم عند أبي العاص بن الربيع، لم تستطع أن تهاجر معه؛ لأنه كان على دين قومه. كنوز السيرة. بناء المسجد النبوي. بعد أن استقر بالنبي صلى الله عليه وسلم المقام. قام ببناء المسجد النبوي في المكان الذي بركت فيه الناقة، وكان المكان لغلامين يتيمين فاشتراه، وبنى المسلمون المسجد، وشارك النبي صلى الله عليه وسلم في البناء بيديه الكريمتين عليه الصلاة والسلام، وكان يقول وهو يبني معهم: اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة، فاغفر للأنصار والمهاجرة. فكان الأنصار يعملون مع النبي صلى الله عليه وسلم ويقولون: لئن قعدنا والنبي يعمل، لذاك منا العمل المضلل. وكان في ذلك المكان قبور للمشركين، وكان فيه خراب ونخل، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالقبور فنبشت، والخرب فسويت، وبالنخل فقطعت، وصفت في قبلة المسجد، وكانت القبلة في ذلك الوقت إلى بيت المقدس. لم يؤمر النبي صلى الله عليه وسلم بالتوجه إلى مكة، وبنى بجانب هذا المسجد بيوتًا، وهي الحجر، بيوت أزواجه صلى الله عليه وسلم. وبعد أن تكامل البنيان انتقل صلى الله عليه وسلم إلى تلك البيوت. كنوز السيرة.