(41) محاولة اغتيال النبي صلى الله عليه وسلم
نص الحلقة
بسم الله الرحمن الرحيم. كنوز السيرة. حكم الاستعانة بالكفار. ذكر أهل العلم قولين بخصوص ذلك: الأول أنه يجوز الاستعانة بالمشركين، الثاني لا يجوز، وهو الصحيح، لقول النبي صلى الله عليه وسلم لما خرج في إحدى غزواته، فجاءه رجل وقال: أجاهد معك؟ قال: تؤمن بالله ورسوله؟ قال الرجل: لا. قال النبي صلى الله عليه وسلم: فارجع، فلن أستعين بمشرك. وقد فصلنا القول في هذه المسألة في كلامنا على غزوة أحد، وقلنا يجوز عند الحاجة فقط، وإلا فعند عدم الحاجة لا يجوز أن يستعين المسلم بالمشركين، وهذا الذي يدل عليه فعل النبي صلى الله عليه وسلم. كنوز السيرة. خروج النبي صلى الله عليه وسلم إلى حنين. خرج النبي صلى الله عليه وسلم في شوال من السنة الثامنة من الهجرة من مكة في اثني عشر ألفًا من المسلمين، واستعمل على مكة عتاب بن أسيد، والذين خرجوا مع النبي صلى الله عليه وسلم عشرة آلاف من أصحابه، وألفان من أهل مكة. كنوز السيرة. وقفة تربوية. وفي طريقهم إلى حنين وقعت حادثة مهمة لا بد من التنبيه عليها، ألا وهي أن الذين كانوا مع النبي صلى الله عليه وسلم فيهم حدثاء عهد بجاهلية، وفي الطريق مروا على سدرة عظيمة يقال لها ذات أنواط، وكانت العرب تعلق عليها أسلحتها تبركًا لينتصروا، فلما وصل الجيش إلى السدرة قالوا: يا رسول الله، اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: الله أكبر، قلتم والذي نفس محمد بيده كما قال قوم موسى لموسى: اجعل لنا إلهًا كما لهم آلهة، قال إنكم قوم تجهلون، إنها السنن، لتركبن سنن من كان قبلكم. هذا الحديث العظيم يبين لنا قضية مهمة، ألا وهي أنه لا بد من تطهير الصف مما قد يؤثر فيه مستقبلًا، فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يقل: إننا الآن ذاهبون إلى قتال، لا بأس، نعطيكم ذات أنواط بعد ذلك، أو سكت على مضض ولم يرد عليهم إلى أن تنتهي المعركة، أبدًا، بل وقف صلى الله عليه وسلم وقفة القائد الناصح. أوقف الجيش وقال لهم ما ذكرنا سابقًا، فلا يجوز أن يقال: المهم أنه مسلم في ظاهره، بغض النظر عن معتقده أو فكره، فهذا كلام باطل، بل لا بد من تصفية الصفوف وتنقيتها، وتركيز الإيمان والاعتقاد الصحيح في قلوب الناس، ثم بعد ذلك يكون القتال، ومن ثم يأتي النصر من عند الله تبارك وتعالى. كنوز السيرة. المفاجأة. بعض الناس لما رأى العدد الكبير للمسلمين قال: لن نغلب اليوم من قلة. ومالك بن عوف سبق المسلمين إلى حنين، فأدخل جيشه بالليل في الوادي، وفرق كمناءه، وهم جماعة من الجيش مختبئة بالطرق والمداخل، وأصدر إليهم أمره بأن يرشقوا المسلمين بالسهام أول ما يطلعون عليهم، ثم يشدوا شدة رجل واحد. وفي دخول الفجر كان المسلمون قد دخلوا وادي حنين، وشرعوا ينحدرون فيه وهم لا يشعرون بوجود الكمناء، فبينما هم ينحطون وإذا النبال تمطر عليهم السهام في كل مكان، ثم جاءت خيل العدو وشدت على المسلمين شدة رجل واحد. يقول جابر بن عبد الله رضي الله عنهما: لما استقبلنا وادي حنين. انحدرنا في وادٍ من أودية تهامة أجوف حطوط، إنما ننحدر فيه انحدارًا، وفي الصبح كان القوم قد سبقونا وكمنوا في شعابه ومضايقه. بعد ذلك انتشرت موجة من الفزع بين المسلمين، فتبعثرت الصفوف، واستغل رجال مالك هذا الارتباك، فهجمت كتائبهم، وحملت الخيل على من أمامها، فانكفأ المسلمون مهزومين لا يلوي أحد على أحد، وركبت الإبل بعضها على بعض، لا يدرون ماذا يفعلون. وثبت مع النبي صلى الله عليه وسلم بعض المهاجرين والأنصار. قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم يوم حنين، فولى عنه الناس، وثبت معه ثمانون رجلاً من المهاجرين والأنصار. وقال ابن عمر: لقد رأيتنا يوم حنين، وإن الناس لمولين، وما مع رسول الله صلى الله عليه وسلم مائة رجل. كنوز السيرة. المحاولة الثانية لاغتيال النبي صلى الله عليه وسلم. ذكر ابن سعد عن شيبة بن عثمان الحجبي قال: لما كان عام الفتح دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة عنوة. قال: أسير مع قريش إلى هوازن بحنين. فعسى إن اختلطوا أن أصيب من محمد غِرَّةً وأثأر منه، فأكون أنا الذي قمت بثأر قريش كلها، وأقول: لو لم يبق من العرب والعجم أحد إلا اتبع محمداً ما تبعته أبداً، وكنت مرصداً لما خرجت، لا يزداد الأمر في نفسي إلا قوة. فلما اختلط الناس، اقتحم رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بغلته، فأصلت السيف، فدنوت منه أريد ما أريد، ورفعت سيفي حتى كدت أشعره إياه، أي كدت أن أقتله، فرفع لي شواظ من نار كالبرق كاد يمحشني، فوضعت يدي على بصري خوفاً عليه، فالتفت إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم ناداني وقال: يا شيبة، ادن مني. فدنوت منه، فمسح صدري ثم قال: اللهم أعذه من الشيطان. فقال شيبة: فوالله لهو كان ساعةئذ أحب إلي من سمعي وبصري ونفسي، وأذهب الله ما كان في نفسي، ثم قال لي: ادن وقاتل. فتقدمت أمامه أضرب بسيفي، والله يعلم إني أحب أن أقيه بنفسي كل شيء، ولو لقيت أبي تلك الساعة لو كان حياً لأوقعت به السيف، فجعلت ألزمه فيما لزمه، حتى تراجع المسلمون فكروا كرة رجل واحد. فقربت بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم فثوى عليها، وخرج في إثرهم حتى تفرقوا من كل جهة، ورجع إلى معسكره فدخل خباءه، فدخلت عليه، وما دخل عليه أحد غيري، حبًّا لرؤية وجهه وسرورًا به، فقال: يا شيبة، الذي أراد الله بك خير مما أردت لنفسك. ثم حدثني بكل ما أضمرت في نفسي ما لم أكن أذكره لأحد قط. قال: فقلت: إني أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله. ثم قلت: استغفر لي. فقال: غفر الله لك. ولا أجد تعليقًا على هذه الحادثة إلا أن أقول: أعد قراءتها ثانية وثالثة ورابعة وخامسة. كنوز السيرة. لماذا وقع العجب في قلوب بعض المسلمين؟ أولًا: أحس جمهور المسلمين أن الجاهلية تلفظ أنفاسها الأخيرة، فوقع في قلوب بعضهم عجب. ثانيًا: اعتمد كثير منهم على كثرة الجيش دون النظر إلى أن النصر من الله. ثالثًا: رأوا وهم قلة ينتصرون، فكيف وهم بهذا العدد؟ كنوز السيرة. أشجع الخلق. بعد أن باغت المشركون بقيادة مالك بن عوف المسلمين، وجاءتهم السهام من كل مكان، وصارت الإبل يركب بعضها بعضًا، والخيل تنفر، انهزم بعض المسلمين ولا يدرون أين يذهبون، وبقي النبي صلى الله عليه وسلم لم يفر، ومن معه، ولن يفر، فإن الرسول صلى الله عليه وسلم فعل العجب، فالمسلمون يفرون، والمشركون يهاجمون، وهو يهجم على المشركين صلى الله عليه وسلم، ويقول: أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب. وأبو سفيان بن الحارث، ابن عم النبي صلى الله عليه وسلم، كان آخذًا بلجام بغلته، والعباس بركابه، يمنعون بغلة النبي صلى الله عليه وسلم أن تتقدم، والنبي يكرر ويقول: أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب. فهذه الشجاعة لا يمكن أن تكون لأحد إلا لرسول الله صلى الله عليه وسلم. قال البراء بن عازب رضي الله عنه: كنا والله إذا احمر البأس نتقي به، وإن الشجاع منا من يحاذيه. كنوز السيرة. انتصار الحق. قال النبي صلى الله عليه وسلم للعباس. نادي المهاجرين والأنصار، نادي أصحاب السمرة، أي الذين بايعوا النبي صلى الله عليه وسلم بيعة العقبة عند الشجرة، وكانت شجرة سمر. فقام العباس ينادي: يا أصحاب السمرة، يا للأنصار، يا للخزرج. وقد نادى الخزرج دون غيرهم لأنهم كانوا صبورًا في الحرب. فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم حصيات ورمى بها في وجوه الكفار ثم قال: انهزموا ورب محمد. فما هو إلا أن رماهم، فكان حدهم كليلًا وأمرهم مدبرًا. قال العباس: فوالله لكأن عطفتهم حين سمعوا صوتي عطفة البقر على أولادها، يقولون: يا لبيك يا لبيك. وكان الرجل منهم يثني بعيره ليرجع معه، فكان البعير إذا لم يطاوعه فينزل عن البعير فيأخذ درعه ويأتي إلى النبي صلى الله عليه وسلم. وكان الذين بقوا عند النبي صلى الله عليه وسلم مجاورين له لم يتحركوا عشرة: أبو بكر، وعمر، وعلي، والعباس، والفضل بن العباس، وربيعة بن الحارث، وأبو سفيان بن الحارث، وأسامة بن زيد، وابن مسعود، وأيمن ابن أم أيمن، أخو أسامة لأمه، وهذا هو الوحيد الذي قتل من هؤلاء العشرة. قال العباس: نصرنا رسول الله في الحرب تسعة، وقد فر من قد فر عنه وأقشعوا، وعاشرنا وافى الحِمام بنفسه، لما مسه في الله لا يتوجع. وذُكر أيضًا ممن ثبت مع النبي صلى الله عليه وسلم قثم بن العباس، وجعفر بن أبي سفيان بن الحارث، وعتبة ومعتب ابنا أبي لهب. فلما رجع أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الذين فروا إليه، تجالد الفريقان مجالدة شديدة، ونظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الحرب وقال: هذا حين حمي الوطيس. كنوز السيرة: من قتل قتيلًا فله سلبه. قال أبو قتادة: خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم عام حنين، فلما التقينا كانت للمسلمين جولة، فرأيت رجلًا من المشركين قد علا رجلًا من المسلمين، فضربته من ورائه على حبل عاتقه بالسيف فقطعت الدرع، وأقبل علي، فضمني ضمة وجدت منها ريح الموت، ثم أدركه الموت فأرسلني، أي إن هذا الرجل ضخم كبير عظيم، شجاع جريء. فلحقت عمر وقلت: ما بال الناس؟ قال: أمر الله عز وجل. ثم رجعوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن ناداهم العباس، فجلس النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن انتصر من المعركة، وقال: من قتل قتيلًا له عليه بينة فله سلبه. فقلت: من يشهد لي؟ لا أحد. فجلست، فقال النبي صلى الله عليه وسلم مثله. قال: ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم مثله، فقلت: من يشهد لي؟ ثم جلست، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ما لك يا أبا قتادة؟ فأخبرته، فقال رجل: صدق، وسلبه عندي، فأرضه عني. فقال أبو بكر: لا، هلا، إذًا لا يعمد إلى أسد من أسد الله يقاتل عن الله ورسوله ويعطيك سلبه. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: صدق، فأعطه. فقال أبو قتادة: فأخذته، فابتعت فيه مخرفًا في بني سلمة، فإنه لأول مال تأثلته في الإسلام. وكان قد رجع المسلمون إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقاتلوا الكفار وجالدوهم حتى انتصر النبي صلى الله عليه وسلم ومن معه بنصر الله تعالى لهم، وفيها قال الله جل وعلا: لقد نصركم الله في مواطن كثيرة ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئًا وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين. وَأَنزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَٰلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ. كنوز السيرة.