(47) قصة توبة كعب بن مالك رضي الله عنه

كنوز السيرة · المقطع 47 من 58

☆ أضف للمفضلة

نص الحلقة

بسم الله الرحمن الرحيم. كنوز السيرة. توبة كعب بن مالك رضي الله عنه. أخرج البخاري ومسلم عن ابن شهاب أنه قال: ثم غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم تبوك، وهو يريد الروم ونصارى العرب بالشام. قال ابن شهاب: فأخبرني عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك أن عبد الله بن كعب كان قائد كعب من بنيه حين عمي. قال: سمعت كعب بن مالك يحدث حديثه حين تخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك. قال كعب بن مالك: لم أتخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة غزاها قط إلا في غزوة تبوك، غير أني قد تخلفت في غزوة بدر، ولم يعاتب أحدا تخلف عنه. إنما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون يريدون عير قريش، حتى جمع الله بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد. ولقد شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة حين تواثقنا على الإسلام، وما أحب أن لي بها مشهد بدر، وإن كانت بدر أذكر في الناس منها. وكان من خبري حين تخلفت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك أني لم أكن قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنه في تلك الغزوة. والله ما جمعت قبلها راحلتين قط حتى جمعتهما في تلك الغزوة، فغزاها الرسول صلى الله عليه وسلم في حر شديد، واستقبل سفراً بعيداً ومفازاً، واستقبل عدواً كثيراً، فجلى للمسلمين أمرهم ليتأهبوا أهبة غزوهم، فأخبرهم بوجههم الذي يريد، والمسلمون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم كثير، ولا يجمعهم كتاب حافظ، وكل يعرف صاحبه. قال كعب: فقل رجل يريد أن يتغيب يظن أن ذلك سيخفى له ما لم ينزل فيه وحي من الله سبحانه وتعالى. وغزا الرسول صلى الله عليه وسلم تلك الغزوة حين طابت الثمار والظلال، فأنى إليها أصعر، أي أميل إليها، فتجهز الرسول صلى الله عليه وسلم والمسلمون معه، وطفقت أغدو كي أتجهز معهم، فأرجع ولم أقض شيئاً، وأقول في نفسي: أنا قادر على ذلك إذا أردت، فلم يزل ذلك يتمادى بي حتى استمر بالناس الجد، فأصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم غادياً والمسلمون معه، ولم أقض من جهازي شيئاً، ثم غدوت أي لأتجهز، فرجعت ولم أقض شيئاً، فلم يزل ذلك يتمادى بي حتى أسرعوا وتفارق الغزو، وهذا يبين أن على الإنسان أن ينتبه إلى قضية مهمة. ألا وهي أنه يجب أن يكون جادًّا، فهذا التسويف يضعف الهمة، حتى يترك الإنسان ما كان قد عزم عليه. إذا كنت ذا رأي فكن ذا عزيمة، فإن فساد الرأي أن تترددا. قال: فهممت أن أرتحل فأدركهم، فيا ليتني فعلت، ثم لم يقدر ذلك لي، فطفقت إذا خرجت في الناس بعد خروج النبي صلى الله عليه وسلم أني لا أرى لي أسوة، لا أرى إلا رجلاً مغموصًا عليه في النفاق، أو رجلاً ممن عذر الله من الضعفاء، ولم يذكرني رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بلغ تبوك، فقال وهو جالس في القوم في تبوك: ما فعل كعب بن مالك؟ فقال رجل من بني سلمة: يا رسول الله، حبسه برداه والنظر في عطفيه. فرد عليه معاذ بن جبل قائلًا: بئس ما قلت، والله يا رسول الله ما علمنا عليه إلا خيرًا. فبينما هو على ذلك رأى رجلاً مبيضًا يزول به السراب، أي قادم من بعيد، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كن أبا خيثمة. فإذا هو أبو خيثمة الأنصاري الذي تصدق بصاع التمر حين لمزه المنافقون. فقال كعب بن مالك: فلما بلغني أن رسول الله قد توجه قافلًا حضرني بثي، فطفقت أتذكر الكذب. وأقول بما أخرج من سخطه غدا، وأستعين على ذلك بكل ذي رأي من أهلي، فلما قيل لي إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أظل قادما، زاح عني الباطل، حتى عرفت أني لن أنجو بشيء أبدا، فأجمعت صدقه، وصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم قادما، وكان إذا قدم من السفر بدأ في المسجد وركع فيه ركعتين، ثم جلس إلى الناس، فلما فعل ذلك وجلس، جاءه المنافقون المخلفون، فطفقوا يعتذرون إليه ويحلفون له، وكانوا بضعة وثمانين رجلا، فقبل منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم علانيتهم، وبايعهم واستغفر لهم، ووكل سرائرهم إلى الله، حتى جئت، فلما سلمت تبسم تبسم المغضب، ثم قال: تعال، فجئت أمشي حتى جلست بين يديه، فقال لي: ما خلفك؟ ألم تكن قد ابتعت ظهرك؟ قلت: يا رسول الله، إني والله لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا، لرأيت أني سأخرج من سخطه بعذر، ولقد أعطيت جدلا، ولكنني والله لقد علمت لئن حدثتك اليوم حديث كذب ترضى به عني، كما رضيت عن أولئك، ليوشكن الله أن يسخطك علي، ولئن حدثتك حديث صدق تجد علي فيه، إني لأرجو فيه عقبى الله. والله ما كان لي عذر، والله ما كنت قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنك. فقال صلى الله عليه وسلم: أما هذا فقد صدق، فقم حتى يقضي الله فيك. فقمت، وثار رجال من بني سلمة فاتبعوني، فقالوا لي: والله ما علمناك أذنبت ذنبًا قبل هذا، لقد عجزت في أن تكون اعتذرت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بما اعتذر إليه المخلفون، فقد كان كافيك ذنبك استغفار رسول الله صلى الله عليه وسلم لك. قال كعب: فوالله ما زالوا يؤنبونني حتى كدت أن أرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أكذب نفسي، ثم قلت لهم: هل لقي هذا معي من أحد؟ قالوا: نعم، معك رجلان قالا مثل ما قلت، فقيل لهما مثل ما قيل لك. قلت: من هما؟ قالوا: مرارة بن الربيع، وهلال بن أمية، فذكروا لي رجلين صالحين فيهما أسوة، فمضيت حين ذكروهما لي، ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين عن كلامنا، فاجتنبنا الناس، وهنا يكمن الابتلاء، مع العلم أنه لم ينه عن كلام المنافقين، مع أن المنافقين جمع الشر من ثلاثة أوجه: الأول أنهم كهؤلاء تخلفوا بدون عذر. الثاني أنهم منافقون. الثالث: أنهم كذبوا على النبي صلى الله عليه وسلم. قال أهل العلم: لأن الهجر علاج، والعلاج ينفع مع المؤمن ولا ينفع مع المنافق، فذنب المنافق أعظم من أن ينفع معه الهجر. قال كعب: وتغيروا لنا حتى تنكرت لي في نفس الأرض، فما هي بالأرض التي أعرف، فلبثنا على ذلك خمسين ليلة، فأما صاحباي فاستكانا وقعدا في بيوتهما يبكيان مما وقع، وأما أنا فكنت أشب القوم وأجلدهم، فكنت أخرج وأشهد الصلاة، وأطوف في الأسواق، ولا يكلمني أحد، وآتي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأسلم عليه وهو في مجلسه بعد الصلاة، فأقول: هل حرك شفتيه ورد السلام؟ ثم أصلي قريبًا منه، وأسارقه النظر، فإذا أقبلت على صلاتي نظر إلي، وإذا التفت نحوه أعرض عني، حتى إذا طال ذلك علي، مشيت حتى تسورت جدار حائط أبي قتادة، وهو ابن عمي وأحب الناس إلي، فسلمت عليه، فوالله ما رد علي السلام، فقلت له: يا أبا قتادة، أنشدك بالله، هل تعلم أني أحب الله ورسوله؟ قال: فسكت، فعدت فناشدته فسكت، فعدت فناشدته فقال: الله ورسوله أعلم. ففاضت عيناي، وتوليت حتى تسورت الجدار. قال: بينما أنا أمشي في سوق المدينة، إذا نبطي من نبط أهل الشام، ممن قدم بالطعام يبيعه بالمدينة، يقول: من يدل على كعب بن مالك؟ قال: فطفق الناس يشيرون إلي حتى جاءني، فدفع إلي كتابًا من ملك غسان، وكنت كاتبًا، فقرأته فإذا فيه: أما بعد، فإنه قد بلغنا أن صاحبك قد جفاك، ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة، فالحق بنا نواسك. قال: وقلت حين قرأتها: وهذه أيضًا من البلاء. فتيممت بها التنور فسجرتها، وهذا فيه مبادرة إلى إتلاف ما يُخشى منه الإفساد والمضرة في الدين. فعلى من كان عنده أفلام خليعة، أو صور أو مواقع على الإنترنت أو غيرها، أن يتخلص منها إذا تاب، حتى لا يرجع إليها إذا راودته نفسه والشيطان. قال كعب: حتى إذا مضت أربعون من الخمسين، واستلبث الوحي، وإذا رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتيني، فقال لي: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرك أن تعتزل امرأتك. قال: فقلت: أطلقها أم ماذا أفعل؟ قال: لا، بل اعتزلها فلا تقربنها. قال: فأرسل إلى صاحبي بمثل ذلك، فقلت لامرأتي: الحقي بأهلك، فكوني عندهم حتى يقضي الله في هذا الأمر. فجاءت امرأة هلال بن أمية إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت له: يا رسول الله، إن هلال بن أمية شيخ ضائع، ليس له خادم، فهل تكره أن أخدمه؟ قال: لا، ولكن لا يقربنك. فقالت: فإنه والله ما به حركة إلى شيء، ووالله ما زال يبكي منذ أن كان من أمره ما كان. فقال كعب: فقال لي بعض أهلي: لو استأذنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في امرأتك، فقد أذن لامرأة هلال بن أمية أن تخدمه. قال: فقلت: لا أستأذن فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما يدريني ما يقول في رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا استأذنته فيها، فأنا رجل شاب. فلبثت في ذلك عشر ليال، فتمت الخمسون، فكمل لنا خمسون ليلة من حين نهى عن كلامنا. قال: ثم صليت صلاة الفجر صباح خمسين ليلة على ظهر بيت من بيوتنا، فبينا أنا جالس على الحال التي ذكر الله عز وجل منا، قد ضاقت علي نفسي، وضاقت علي الأرض بما رحبت، سمعت صوت صارخ أوفى على سلع، وبأعلى صوته. يا كعب بن مالك، أبشر، فخررت ساجدًا، وعرفت أنه قد جاء الفرج، وهذا فيه أن الإنسان إذا جاءه خبر يفرحه، فإنه يسجد لله شكرًا. قال: فآذن رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس بتوبة الله علينا حين صلى صلاة الفجر، فذهب الناس يبشروننا، فذهب قبل صاحبي مبشرون، وركض رجل إلي فرسًا، وسعى ساعٍ من أسلم قبلي وأوفى الجبل، فكان الصوت أسرع من الفرس، فلما جاءني الذي سمعت صوته يبشرني، نزعت له ثوبي فكسوتهما إياه ببشارته، والله ما أملك غيرهما يومئذ، فاستعرت ثوبين فلبستهما، وانطلقت أتأمم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا يبين لنا مدى حبهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو يأمر بالعقوبة وهو أول من يأتيه. قال: يتلقاني الناس فوجًا فوجًا، يهنئونني بالتوبة ويقولون: لتهنك توبة الله عليك، حتى دخلت المسجد، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس في المسجد وحوله الناس، فقام طلحة بن عبيد الله يهرول حتى صافحني وهنأني، والله ما قام رجل من المهاجرين غيره، فكان كعب لا ينساها لطلحة، فلما سلمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وهو يبرق من السرور. أبشر بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك. فقلت: أمن عندك يا رسول الله أم من عند الله؟ فقال: لا، بل من عند الله. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سر استنار وجهه، كأن وجهه قطعة قمر، وكنا نعرف ذلك. فلما جلست بين يديه قلت: يا رسول الله، إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله وإلى رسوله. فقال صلى الله عليه وسلم: أمسك بعض مالك، فهو خير لك. قال: فإني أمسك سهمي الذي بخيبر فقط. قال: قلت: يا رسول الله، إن الله إنما أنجاني بالصدق، وإن من توبتي ألا أحدث إلا صدقًا ما بقيت. قال: فوالله ما علمت أن أحدًا من المسلمين أبلاه في صدق الحديث منذ ذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يومي هذا أحسن مما أبلاني الله به، والله ما تعمدت كذبة منذ قلت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يومي هذا، وإني لأرجو أن يحفظني الله فيما بقي. قال: فأنزل الله تبارك وتعالى: لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ. وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ. والله ما أنعم الله علي من نعمة قط بعد إذ هداني الله للإسلام أعظم في نفسي من صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم، ألا أكون كذبت فأهلك كما هلك الذين كذبوا. إن الله تعالى قال للذين كذبوا حين أنزل الوحي: سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ. يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ. فلنتصور كعبًا الآن يقرأ هذه الآيات في صلاته، ويدري أن الله يتكلم عنه وعن صاحبيه، ويقرأ كذلك كلام الله عن المنافقين الذين كذبوا، وكيف سلمه الله من الكذب. بالله كيف يكون شعوره؟ لا شك أنها سعادة لا توصف، بل هو كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: أبشر بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك، قال كعب. كنا خُلِّفْنا أيها الثلاثة، عن أمر أولئك الذين قبل منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حين حلفوا له، فبايعهم واستغفر لهم، وأرجأ رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرنا حتى قضى الله فيه، فبذلك قال الله عز وجل: وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا، وليس الذي ذكر الله مما خُلِّفْنا تخلفنا عن الغزو، وإنما هو تخليفه إيانا. كنوز السيرة.