(46) مسجد ضرار
نص الحلقة
بسم الله الرحمن الرحيم. كنوز السيرة. مسجد ضرار. وقبل خروج النبي صلى الله عليه وسلم إلى تبوك، بنى بعض المنافقين مسجداً، وقالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: تعال فصلِّ بهذا المسجد ركعتين أو صلاةً من الصلوات، ثم نتخذه بعد ذلك مسجداً. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إذا رجعت من تبوك أفعل إن شاء الله. وذلك قريباً من مسجد قباء، وأرادوا أن يصلي لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يروج لهم ما أرادوا من الفساد والكفر والعناد، فعصم الله رسوله صلى الله عليه وسلم من الصلاة فيه، وذلك أنه كان على جناح سفر إلى تبوك. قال الحافظ ابن كثير رحمه الله: فلما رجع منها، أي من تبوك، نزل بذي أوان، فنزل عليه الوحي بشأن هذا المسجد، وهو قوله تعالى: وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ. أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ. لَا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ. وأما قول الله تبارك وتعالى في هذه الآية الكريمة: وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ، فهذا المسجد اتُّخِذَ ضرارًا، أي للإضرار بالمسلمين، وكفرًا، أي ما أرادوا به وجه الله، وتفريقًا بين المؤمنين، أي عن طريق الجلوس بهذا المسجد وحياكة المؤامرات، وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ، أي يكون هذا المسجد مكانًا لاجتماع من حارب الله ورسوله من قبل. وهذا أبو عامر الراهب كان نصرانيًا يُسمى بأبي عامر الفاسق؛ لأنه دعاه الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الإسلام، فذهب إلى أهل مكة يستنفرهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاءوا عام أُحد لقتال النبي صلى الله عليه وسلم. ثم ذهب أبو عامر هذا إلى ملك الروم قيصر، يستنصره على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان يكتب إلى إخوانه الذين نافقوا يعدهم ويمنيهم، وما يعدهم الشيطان إلا غرورًا، وكان من شياطين الإنس، فكانت مكاتباته ورسله تفد إليهم كل حين، فبنوا هذا المسجد، في الصورة الظاهرة أنه مسجد، وباطنه دار لحرب وقتال النبي صلى الله عليه وسلم، وهو مقر لمن يفد من رسل أبي عامر الراهب، ومجمع كذلك لمن هو على طريقتهم من المنافقين، ولهذا قال الله تعالى: وإرصادًا لمن حارب الله ورسوله من قبل، ثم قال: وليحلفن إن أردنا إلا الحسنى، أي إنما أردنا ببنائه الخير، والله يشهد إنهم لكاذبون، لأنه يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، ثم قال: لا تقم فيه أبدًا، فنهاه عن القيام فيه لئلا يقرر أمره، ثم أمره وحثه على القيام في المسجد الذي أُسس على التقوى من أول يوم، ألا وهو مسجد قباء. عندها أمر النبي صلى الله عليه وسلم مالك بن الدخشم ومعن بن عدي رضي الله عنهما ليذهبا إلى ذلك المسجد الظالم أهله فيحرقاه بالنار، فذهبا فحرقاه بالنار، وهذا الحكم ليس خاصًا بهذا المسجد. بل كل مسجد لم يُبنَ على التقوى، فإن مصيره أن يُهدم؛ لأن الأصل في بناء المسجد أن يُبنى على تقوى من الله تبارك وتعالى، وما لم يُبنَ على التقوى فإنه لا تجوز الصلاة فيه، ويفرق بين البيت والكنيسة والمسجد الذي يُبنى للضرار، فالبيت يمكن أن يُحوَّل إلى مسجد، وكذا الكنيسة يمكن أن تُحوَّل إلى مسجد؛ لأنها ما بُنيت أصلاً كمسجد، لكن أن يُبنى على أنه مسجد وهو للضرار فلا يجوز أن يُصلى فيه، بل يجب أن يُهدم ويُبنى من جديد على تقوى من الله تبارك وتعالى. كنوز السيرة. المتخلفون عن تبوك. في غزوة تبوك تخلف جماعة من المسلمين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم على خمسة أقسام: الأول: تخلفوا عن الرسول صلى الله عليه وسلم بأمره، فهم مأمورون مأجورون، كعلي بن أبي طالب، ومحمد بن مسلمة رضي الله عنهما وغيرهما. الثاني: متخلفون معذورون، وهم المرضى والضعفاء، ويدخل فيهم النساء والصبية والشيوخ. الثالث: مقلون فقراء، وهم البكاؤون، كأمثال علبة بن زيد وغيره، الذين قال تعالى فيهم. لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ ۚ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ ۚ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ ۖ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ. الرابع: مذمومون، وهم المنافقون الذين تخلفوا عن الرسول صلى الله عليه وسلم، كجد بن قيس الذي قال: ائذن لي ولا تفتني، والذين قالوا لأصحابهم: لا تنفروا في الحر. الخامس: عصاة مذنبون أخطأوا، وهم قسمان: القسم الأول: أبو لبابة وأصحابه، فعن ابن عباس رضي الله عنهما في قول الله تبارك وتعالى: وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا ۚ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ. قال: كانوا عشرة رهط تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك، فلما حضروا رجوعه. أوثق سبعة منهم أنفسهم بسوار المسجد، فلما مر بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من هؤلاء؟ قالوا: أبو لبابة وأصحابه، تخلفوا عنك حتى تطلقهم وتعذرهم. قال: وأنا أقسم بالله لا أطلقهم ولا أعذرهم حتى يكون الله عز وجل هو الذي يطلقهم. رغبوا عني وتخلفوا عن الغزو مع المسلمين. فلما بلغهم ذلك قالوا: ونحن لا نطلق أنفسنا حتى يكون الله هو الذي أطلقنا. فأنزل الله تبارك وتعالى: وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا عسى الله أن يتوب عليهم إن الله غفور رحيم. وعسى من الله أي واجب على الله جل وعلا، أوجبه على نفسه. وهنا معناها أنه تاب عليهم. فلما أُنزلت هذه الآية أرسل إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأطلقهم وعذرهم، فجاءوا بأموالهم وقالوا: يا رسول الله، هذه أموالنا تتصدق بها عنا واستغفر لنا. فقال: ما أُمِرت أن آخذ أموالكم. فأنزل الله تعالى: خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم والله سميع عليم. القسم الثاني، وهم الذين قال الله تبارك وتعالى فيهم: وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ. وهم الثلاثة الذين لم يربطوا أنفسهم. كنوز السيرة.