(3) مولده صلى الله عليه وسلم
نص الحلقة
بسم الله الرحمن الرحيم. كنوز السيرة. أعلامه صلى الله عليه وسلم. يُذكر أن عبد المطلب كان له اثنا عشر ولدًا، وهم: الحارث، وهو أكبرهم، حمزة، العباس، أبو طالب، أبو لهب، حجل، الزبير، الغيداق، المقوم، صفار، وقيل ضرار، عبد الكعبة، وعبد الله والد النبي صلى الله عليه وسلم. وأولاد عبد المطلب ينقسمون إلى ثلاثة أقسام: الأول: قسم أدرك الإسلام ودخل فيه، وهما حمزة والعباس. الثاني: قسم أدرك الإسلام ولم يدخل فيه، وهما أبو طالب وأبو لهب. الثالث: قسم لم يدرك الإسلام، وهم بقية أولاد عبد المطلب. كنوز السيرة. عماته صلى الله عليه وسلم. البيضاء، ويقال لها أم حكيم، وصفية، وعاتكة، وبرة، وأروى، وأميمة، وأسلمت منهن صفية. وعلى المشهور أن عبد المطلب لما حفر زمزم منعته قريش من أخذه لها، ولم يكن له ولد يمنعه، فحزن لأجل هذا، ونذر قائلاً. لَئِنْ رَزَقَنِيَ اللهُ عَشَرَةً مِنَ الْوَلَدِ لَأَذْبَحَنَّ أَحَدَهُمْ تَقَرُّبًا لِلَّهِ، فَرَزَقَهُ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أُولَئِكَ الْأَوْلَادَ، فَأَرَادَ أَنْ يُوفِيَ بِنَذْرِهِ، فَعَمِلَ قُرْعَةً، فَوَقَعَتِ الْقُرْعَةُ عَلَى وَلَدِهِ عَبْدِ اللهِ وَالِدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَمَّا أَرَادَ ذَبْحَهُ قَامَتْ إِلَيْهِ قُرَيْشٌ وَمَنَعَتْ، فَقَالَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ: فَكَيْفَ أَصْنَعُ بِنَذْرِي؟ فَأَشَارُوا عَلَيْهِ بِأَنْ يَأْتِيَ الْعَرَّافَةَ فَيَسْأَلَهَا، فَجَاءَهَا وَسَأَلَهَا، فَأَمَرَتْهُ أَنْ يُقْرِعَ بَيْنَ ابْنِهِ عَبْدِ اللهِ وَعَشَرَةٍ مِنَ الْإِبِلِ، فَقَرَعَ، فَوَقَعَتِ الْقُرْعَةُ عَلَى عَبْدِ اللهِ، فَقَالَتْ لَهُ: زِدْ عَشَرَةً، فَزَادَ عَشَرَةً مِنَ الْإِبِلِ، فَوَقَعَتِ الْقُرْعَةُ عَلَى عَبْدِ اللهِ، فَقَالَتْ لَهُ: زِدْ عَشَرَةً، وَهَكَذَا كُلَّمَا زَادَ عَشَرَةً مِنَ الْإِبِلِ كَانَتْ تَقَعُ الْقُرْعَةُ عَلَى وَلَدِهِ عَبْدِ اللهِ، حَتَّى بَلَغَتِ الْإِبِلُ مِائَةً، فَأَقْرَعَ، فَوَقَعَتِ الْقُرْعَةُ عَلَى الْإِبِلِ، عِنْدَ ذَلِكَ قَامَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ فَنَحَرَ الْإِبِلَ، ثُمَّ تَرَكَهَا لَا يَرُدُّ عَنْهَا أَحَدًا مِنَ الْبَشَرِ أَوِ السِّبَاعِ، وَكَانَتِ الدِّيَةُ عِنْدَ الْعَرَبِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ عَشْرًا مِنَ الْإِبِلِ، فَبَعْدَ هَذِهِ الْحَادِثَةِ صَارَتِ الدِّيَةُ عِنْدَ الْعَرَبِ مِائَةً مِنَ الْإِبِلِ، وَالْإِسْلَامُ أَقَرَّهَا، فَالدِّيَةُ الْآنَ فِي دِينِ اللهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى مِائَةٌ مِنَ الْإِبِلِ. كنوز السيرة. أخواله صلى الله عليه وسلم. قال الحافظ ابن حبان رحمه الله: وأم رسول الله صلى الله عليه وسلم آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب، ولم يكن لها أخ فيكون خالًا للنبي صلى الله عليه وسلم إلا عبد يغوث بن وهب، ولكن بنو زهرة يقولون إنهم أخوال رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأن آمنة أم رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت منهم. كنوز السيرة. خالاته صلى الله عليه وسلم. ذكر أهل السير أن للنبي صلى الله عليه وسلم خالتين: الأولى فاختة بنت عمرو بن عائذ الزهرية، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم مرفوعًا: قد أعطيت خالتي غلامًا، وأنا أرجو أن يبارك الله لها فيه، وقد نهيتها أن تجعله حجامًا أو قصابًا أو صائغًا. والثانية فريعة بنت وهب الزهرية، وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم رفعها بيده وقال: من أراد أن ينظر إلى خالة رسول الله فلينظر إلى هذه. كنوز السيرة. ولادة النبي صلى الله عليه وسلم. في شهر ربيع الأول على المشهور، امتن الله تبارك وتعالى على البشرية بولادة سيد المرسلين، وإمام المتقين، وقائد الغر المحجلين. وَذَٰلِكَ بَعْدَ حَادِثَةِ الفِيلِ بِأَشْهُرٍ فِي مَكَّةَ الْمُكَرَّمَةِ، وَوُلِدَ يَتِيمَ الأَبِ؛ لِأَنَّ أَبَاهُ مَاتَ وَأُمُّهُ حَامِلٌ بِهِ، وَكَانَتْ وِلَادَتُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وِلَادَةً مُعْتَادَةً، وَلَمْ يَتَمَكَّنِ الْمُؤَرِّخُونَ كَمَا يَذْكُرُ أَهْلُ الْعِلْمِ مِنْ تَحْدِيدِ يَوْمِ مَوْلِدِهِ وَشَهْرِهِ عَلَى وَجْهِ الدِّقَّةِ. أَمَّا يَوْمُ الْمَوْلِدِ مِنْ أَيَّامِ الأُسْبُوعِ فَهُوَ يَوْمُ الاثْنَيْنِ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ذَاكَ يَوْمٌ وُلِدْتُ فِيهِ، وَلَكِنْ فِي أَيِّ اثْنَيْنِ؟ اللَّهُ أَعْلَمُ. قِيلَ فِي التَّاسِعِ مِنْ رَبِيعِ الأَوَّلِ، وَقِيلَ فِي الثَّانِي عَشَرَ، وَقِيلَ غَيْرَ ذَٰلِكَ، وَقِيلَ فِي رَمَضَانَ، وَلَٰكِنَّ الْمَشْهُورَ أَنَّهُ فِي الثَّانِي عَشَرَ مِنْ رَبِيعِ الأَوَّلِ. وَتَحْدِيدُ يَوْمِ مِيلَادِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَرْتَبِطُ بِهِ شَيْءٌ مِنَ النَّاحِيَةِ الشَّرْعِيَّةِ، وَأَمَّا مَا يَقُومُ بِهِ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ فِي كَثِيرٍ مِنْ بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ مِنَ الاحْتِفَالِ بِيَوْمِ مَوْلِدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ، وَذَٰلِكَ لِأُمُورٍ مِنْهَا: أَوَّلًا: أَنَّهُ لَا يُعْرَفُ مَوْلِدُهُ عَلَى وَجْهِ الدِّقَّةِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. ثَانِيًا: لَمْ يَحْتَفِلِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَوْمِ مَوْلِدِهِ فِي حَيَاتِهِ أَبَدًا، مَعَ أَنَّهُ عَاشَ ثَلَاثًا وَسِتِّينَ سَنَةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. ثَالِثًا: لَمْ يَحْتَفِلِ الصَّحَابَةُ وَلَا التَّابِعُونَ وَلَا الأَئِمَّةُ الْمَتْبُوعُونَ بِيَوْمِ مَوْلِدِهِ. ولو كان خيرًا لسبقونا إليه. رابعًا: إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمرنا بذلك، مع أنه قال: ليس شيء يقربكم من الجنة ويباعدكم من النار إلا وقد أمرتكم به. خامسًا: المتفق عليه بين أهل العلم أن الثاني عشر من ربيع الأول هو يوم وفاته صلى الله عليه وسلم، فلو احتفلنا في هذا اليوم فكأننا نحتفل بيوم وفاته، فلما لم يأمرنا به صلى الله عليه وسلم فليس بخير، والخير كل الخير في الاتباع، والشر كل الشر في الابتداع. قال النبي صلى الله عليه وسلم: من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد، أي مردود على صاحبه. كنوز السيرة. مرضعاته صلى الله عليه وسلم. لما ولد النبي صلى الله عليه وسلم أرضعته ثويبة، وهي مولاة عمه أبي لهب، وكانت قد أرضعت قبل النبي صلى الله عليه وسلم عمه حمزة، فيكون أخًا للنبي صلى الله عليه وسلم من الرضاعة، وأمهما جميعًا من الرضاعة ثويبة مولاة أبي لهب. ولم يدم هذا الأمر طويلًا، لأنه كان من عادة العرب أنهم يلتمسون المراضع لأولادهم لمدة سنتين. ثم تفطمه وتعيده إلى أمه، ونترك حليمة السعدية تذكر لنا قصتها مع النبي صلى الله عليه وسلم. تقول حليمة السعدية: خرجت من بلدي مع زوجي وابن لي صغير أرضعه في نسوة من بني سعد بن بكر ألتمس الرضعاء، وذلك في سنة شهباء لم تبق لنا شيئًا، فخرجت على أتان لي قمراء، أي بيضاء، معنا شارف لنا، أي ناقة، والله ما تبض بقطرة، وما ننام ليلنا أجمع من صبينا الذي معنا من بكائه من الجوع، والله ما في ثديي ما يغنيه، وما في شارفنا ما يغذيه، ولكننا كنا نرجو الغيث والفرج، فخرجت على أتاني تلك حتى قدمنا مكة نلتمس الرضعاء، فما منا امرأة إلا وقد عرض عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم فتأباه، وذلك إذا قيل لها إنه يتيم، وذلك أنا كنا نرجو المعروف من أبي الصبي، فكنا نقول: يتيم، وما عسى أن تصنع أمه وجده، فكنا نكرهه لذلك، فما بقيت امرأة قدمت معي إلا أخذت رضيعًا غيري، فلما أجمعنا الانطلاق قلت لصاحبي: والله إني لأكره أن أرجع من بين صواحبي ولم آخذ رضيعًا، والله لأذهبن إلى ذلك اليتيم فلآخذنه. قال: لا عليك أن تفعلي، عسى الله أن يجعل فيه بركة. سبحان الله، هذه المسكينة حليمة السعدية لا تدري أن الخير والبركة كلها في هذا اليتيم صلى الله عليه وسلم. قالت: فرجعت إليه فأخذته، وما حملني على أخذه إلا أني لم أجد غيره. فلما أخذته رجعت به إلى رحلي، فلما وضعته في حجري أقبل عليه ثدياي بما شاء من لبن، فشرب حتى روي، وشرب معه أخوه حتى روي، ثم نام، وما كنا ننام معه قبل ذلك من بكائه. وقام زوجي إلى شارفنا تلك، فإذا هي حافل، أي مملوءة اللبن، فحلب منها ما شرب وشربت معه حتى انتهينا ريًّا وشبعًا، فبتنا بخير ليلة. فقال لي صاحبي حين أصبحنا: تعلمين والله يا حليمة، لقد أخذت نسمة مباركة. فقلت: والله إني لأرجو ذلك. ثم خرجنا وركبت أنا أتاني، وحملته عليها معي، أي حملت النبي صلى الله عليه وسلم، فوالله لقد قطعت بالركب ما لا يقدر عليه شيء من حمرهم، أي سبقتهم في المسير، حتى إن صواحبي ليقلن لي: يا ابنة أبي ذؤيب، ويحك، اربعي علينا، أي لا تسرعي. أليست هذه أتانك التي كنت خرجت عليها؟ فأقول لهن: بلى والله إنها لهي هي. فيقلن: والله إن لها شأنًا. ثم قدمنا منازلنا من بلاد بني سعد، وما أعلم أرضًا من أرض الله أجدب منها، فكانت غنمي تروح علي حين قدمنا بها معنا شباعًا لبنًا، فنحلب ونشرب، وما يحلب إنسان قطرة لبن؛ لأن الأرض جدباء، حتى كان الحاضرون من قومنا يقولون لرعيانهم: ويلكم، أسرحوا حيث يسرح راعي بنت أبي ذؤيب، فتروح أغنامهم جياعًا ما تبض بقطرة لبن، وتروح غنمي شباعًا لبنًا. فلم نزل نتعرف من الله الزيادة والخير حتى مضت سنة وفصلته، أي فطمته. وكان يشب شبابًا لا يشبهه الغلمان، فلم يبلغ سنتيه حتى كان غلامًا جفرًا، أي قويًا. فقدمنا به على أمه ونحن أحرص على مكثه فينا لما كنا نرى من بركته، فكلمنا أمه وقلت لها: لو تركت ابني عندي حتى يغلظ، فإني أخشى عليه وباء مكة، وهي لا تخشى عليه الوباء، ولكنها تريده لما رأت من الخير عند مجيئه صلى الله عليه وسلم. قالت: فما زلت بها حتى ردته معنا. كنوز السيرة.