(49) استمرار تدفق الوفود إلى المدينة

كنوز السيرة · المقطع 49 من 58

☆ أضف للمفضلة

نص الحلقة

بسم الله الرحمن الرحيم. كنوز السيرة. إِنَّ مِنَ الْبَيَانِ لَسِحْرًا. عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: جلس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قيس بن عاصم، والزبرقان بن بدر، وعمرو بن الأهتم التميميون، ففخر الزبرقان فقال: يا رسول الله، أنا سيد تميم، والمطاع فيهم والمجاب، أمنعهم من الظلم، وآخذ لهم بحقوقهم، وهذا يعلم ذلك، يقصد عمرو بن الأهتم. فقال عمرو بن الأهتم: إنه لشديد العارضة، مانع لجانبه، مطاع في أدنيه. فقال الزبرقان: والله يا رسول الله، لقد علم مني غير ما قال، وما منعه أن يتكلم إلا الحسد. فقال عمرو بن الأهتم: أنا أحسدك؟ فوالله إنك للئيم الخال، حديث المال، أحمق الوالد، مضيع في العشيرة. والله يا رسول الله، لقد صدقت فيما قلت أولا، وما كذبت فيما قلت آخرا، ولكني رجل إذا رضيت قلت أحسن ما علمت، وإذا غضبت قلت أقبح ما وجدت، ولقد صدقت في الأولى والأخرى جميعا. فقال صلى الله عليه وسلم: إن من البيان لسحرا. كنوز السيرة. وفد بني عامر ومحاولة اغتيال النبي صلى الله عليه وسلم. وفيهم عامر بن الطفيل، وأربد بن قيس، وجبار بن سلمة، وكان هؤلاء رؤساء القوم وشياطينهم، فقدم عدو الله عامر بن الطفيل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يريد الغدر به، فقال له قومه: يا عامر، إن الناس قد أسلموا، فقال: والله قد كنت آليت ألا أنتهي حتى تتبع العرب عقبي، وأنا أتبع عقب هذا الفتى من قريش. ثم قال لأربد: إذا قدمنا على الرجل فإني شاغل عنك وجهه، فإذا فعلت ذلك فاعله بالسيف. فلما قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال عامر: يا محمد، خالني، أي أريد منك خلوة. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لا والله حتى تؤمن بالله وحده. قال: يا محمد، خالني. قال: حتى تؤمن بالله وحده لا شريك له. فلما أبى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: أما والله لأملأنها عليك خيلاً ورجالاً. فلما خرج وولى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. اللهم اكفني عامر بن الطفيل. فلما خرجوا من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال عامر لأربد: ويحك يا أربد، أينما كنت أمرتك به، والله ما كان على وجه الأرض أخوف عندي على نفسي منك، وأيم الله لا أخافك بعد اليوم أبداً. فقال له أربد: لا أبالك، لا تعجل علي، فوالله ما هممت بالذي أمرتني به إلا دخلت بيني وبين الرجل، أفأضربك بالسيف؟ ثم خرجوا راجعين إلى بلادهم، حتى إذا كانوا ببعض الطريق، بعث الله على عامر بن الطفيل الطاعون في عنقه، فقتله الله تبارك وتعالى في بيت امرأة من بني سلول، وهم من أذل العرب وأضعفهم. فقال عامر بن الطفيل: أغدة كغدة البعير، وموت في بيت سلولية. ثم خرج فمات في الطريق. وفي صحيح البخاري أن عامر بن الطفيل أتى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال للنبي صلى الله عليه وسلم: أخيرك بين ثلاث خصال: يكون لك أهل السهل، ويكون لي أهل المدر، أو أكون خليفتك من بعدك، أو أغزوك بغطفان بألف أشقر وألف شقراء. فطعن في بيت امرأة، فقال: أغدة كغدة البكر في بيت امرأة من بني فلان، ائتوني بفرسي. فَرَكِبَ وَمَاتَ عَلَى ظَهْرِ فَرَسِهِ. كنوز السيرة. وفد عبد القيس. في الصحيحين من حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن عبد القيس وفدوا على النبي صلى الله عليه وسلم، فقال لهم: ممن القوم؟ قالوا: من ربيعة. فقال: مرحبًا بالوفد، غير خزايا ولا ندامى. فقالوا: يا رسول الله، إن بيننا وبينك هذا الحي من كفار مضر، وإنا لا نصل إليك إلا في شهر حرام، مُرْنا بأمر فصل نأخذ به ونأمر به من وراءنا وندخل به الجنة. فقال صلى الله عليه وسلم: آمركم بأربع وأنهاكم عن أربع، آمركم بالإيمان بالله وحده. أتدرون ما الإيمان بالله؟ شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وأن تعطوا الخمس من المغنم، وأنهاكم عن أربع: عن الدباء والحنتم والنقير والمزفت، فاحفظوهن وادعوا إليهن من وراءكم. وفي رواية لمسلم أنهم قالوا: يا رسول الله، ما علمك بالنقير؟ قال: بلى، جذع تنقرونه فتقذفون فيه من التمر، ثم تصبون عليه من الماء حتى يغلي. فَإِذَا سَكَنَ شَرِبْتُمُوهُ، فَعَسَى أَحَدُكُمْ أَنْ يَضْرِبَ ابْنَ عَمِّهِ فِي السَّيْفِ، وَفِي الْقَوْمِ رَجُلٌ بِهِ ضَرْبَةٌ كَذَلِكَ. قَالَ: وَكُنْتُ أُخَبِّئُهَا حَيَاءً مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قَالُوا: فَفِيمَ نَشْرَبُ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: فِي أَسْقِيَةِ الْأَدَمِ الَّتِي يُلَاثُ عَلَى أَفْوَاهِهَا. قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ أَرْضَنَا كَثِيرَةُ الْجِرْذَانِ، لَا تُبْقِي فِي أَسْقِيَةِ الْأَدَمِ. قَالَ: وَإِنْ أَكَلَهَا الْجِرْذَانُ، أَعَادَهَا مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا. ثُمَّ قَالَ لِأَشَجِّ عَبْدِ الْقَيْسِ، وَكَانَ أَحَدَ الْوَفْدِ: إِنَّ فِيكَ خَصْلَتَيْنِ يُحِبُّهُمَا اللهُ: الْحِلْمُ وَالْأَنَاةُ. كنوز السيرة. وفد بني حنيفة. قدم وفد بني حنيفة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وكان فيهم مسيلمة الكذاب. قال مسيلمة: إن جعل لي محمد الأمر من بعده اتبعته. فقدم مع بشر كثير من قومه، فأقبل النبي صلى الله عليه وسلم ومعه ثابت بن قيس بن شماس، ومع النبي صلى الله عليه وسلم قطعة من جريد، حتى وقف على مسيلمة، فقال لمسيلمة: إن سألتني هذه القطعة ما أعطيتكها، ولن تعدو أمر الله فيك، ولئن أدبرت، أي عن الإسلام، ليعقرنك الله. وَإِنِّي أَرَاكَ الَّذِي أُرِيدُ فِيهِ مَا أُرِيدُ، وَهَذَا ثَابِتٌ يُجِيبُكَ عَنِّي، ثُمَّ انْصَرَفَ وَتَرَكَهُ. قال ابن عباس رضي الله عنهما: سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن قوله: إِنَّكَ الَّذِي أُرِيدُ فِيهِ مَا أُرِيدُ، فَمَاذَا تُرِيدُ بِهَذَا الْقَوْلِ؟ فأخبرني أبو هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: بينما أنا نائم، رأيت في يدي سوارين من ذهب، فأهمني شأنهما، فأوحي إليَّ في المنام أن انفخهما، فنفختهما فطارا، فأولتهما الكذابين يخرجان من بعدي. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بينما أنا نائم، إذ أُتيت بخزائن الأرض، فوضع في يدي سواران من ذهب، فكبر عليَّ وأهماني، فأوحي إليَّ أن انفخهما، فنفختهما فذهبا، فأولتهما الكذابين اللذين أنا بينهما، صاحب صنعاء وصاحب اليمامة، أي الأسود العنسي ومسيلمة الكذاب. ومع ما قال مسيلمة للنبي صلى الله عليه وسلم، وما قاله عامر بن الطفيل، إلا أن النبي صلى الله عليه وسلم ما قتلهما؛ لأنهما من الوفود والرسل، والرسل لا تُقتل، كما أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يغدر. كنوز السيرة. وفد طيء. قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفد طيء، وفيهم زيد الخيل، وهو سيدهم، فلما انتهوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم كلمهم وعرض عليهم الإسلام، فأسلموا وحسن إسلامهم، فقال صلى الله عليه وسلم: ما ذُكر لي رجل من العرب بفضل ثم جاءني إلا رأيته دون ما يقال فيه إلا زيد الخيل، فإنه لم يبلغ كل ما فيه. ثم سماه الرسول صلى الله عليه وسلم زيد الخير، وقطع له فيدًا وأرضين معه، وكتب له بذلك. وخرج من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم راجعًا إلى قومه، فقال صلى الله عليه وسلم: إن ينجُ زيد من حمى المدينة، وإن هنا بمعنى لا النافية، أي لن ينجو. فلما انتهى إلى ماء من ماء نجد يقال له فردة، أصابته الحمى فمات. فلما أحس بالموت قال: أمرتحل قوم المشارق غدوة، وأترك في بيت بفردة منجدي؟ ألا رب يوم لو مرضت لعادني عوائد من لم يبر منهن يجهدي. كنوز السيرة. وفد كندة. قدم الأشعث بن قيس في وفد كندة على رسول الله صلى الله عليه وسلم. في ثمانين أو ستين راكبًا، فدخلوا على نبي الله صلى الله عليه وسلم في مسجده، وقد رجلوا جممهم وتسلحوا، فلما دخلوا عليه قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: أولم تسلموا؟ قالوا: بلى. قال: فما بال هذا الحرير في أعناقكم؟ فشقوه، فنزعوه وألقوه. قال أشعث: قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفد كندة، لا يرون إلا أني أفضلهم، فقلت: يا رسول الله، ألست منا؟ قال: لا، نحن بنو النضر بن كنانة، لا نقفو أمنا ولا ننتفي من أبينا، وذلك أنه كان للنبي صلى الله عليه وسلم جدة من كندة. كنوز السيرة. وفد الأشعريين. وهم أهل اليمن. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يقدم عليكم أقوام هم أرق منكم قلوبًا. فقدم الأشعريون، فجعلوا يرتجزون: غدًا نلقى الأحبة، محمدًا وحزبه. عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: جاء أهل اليمن، هم أرق أفئدة وأضعف قلوبًا، والإيمان يمان، والحكمة يمانية. والسكينة في أهل الغنم، والفخر والخيلاء في الفدادين من أهل الوبر قبل مطلع الشمس. وفي صحيح البخاري أن نفرًا من بني تميم جاءوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال لهم: أبشروا يا بني تميم. قالوا: بشرتنا فأعطنا. فتغير وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم. وجاء نفر من أهل اليمن، فقال لهم: اقبلوا البشرى يا أهل اليمن، إذ لم يقبلها بنو تميم. قالوا: قد قبلنا. ثم قالوا: يا رسول الله، جئنا لنتفقه في الدين، ونسألك عن أول هذا الأمر. قال: كان الله، ولم يكن شيء غيره، وكان عرشه على الماء، وكتب في الذكر كل شيء. كنوز السيرة. وفد همدان. روى البيهقي بإسناد صحيح كما يقول ابن القيم رحمه الله، من حديث أبي إسحاق عن البراء رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث خالد بن الوليد إلى أهل اليمن يدعوهم إلى الإسلام، فقال البراء: فكنت فيمن خرج مع خالد بن الوليد، فأقمنا ستة أشهر ندعوهم إلى الإسلام، فلم يجيبوه. ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم بعث علي بن أبي طالب رضي الله عنه. فأمره أن يقفل خالدًا إلا رجلًا ممن كان مع خالد أحب أن يعقب مع علي، أي أن يرجع خالد ومن أراد ممن معه، ومن أراد أن يبقى معك فليبق. قال البراء: فكنت فيمن عقب مع علي، فلما دنونا من القوم خرجوا إلينا، فصلى بنا علي رضي الله عنه، ثم صفنا صفًا واحدًا، ثم تقدم بين أيدينا، وقرأ عليهم كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأسلمت همدان جميعًا، فكتب علي رضي الله عنه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بإسلامهم، فلما قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم الكتاب خر ساجدًا، ثم رفع رأسه فقال: السلام على همدان، السلام على همدان، وفيها السجود عند سماع خبر طيب. كنوز السيرة. وفد نجران. قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفد نصارى نجران، وهم ستون راكبًا، منهم أربعة وعشرون من أشرافهم، فمنهم العاقب، أمير القوم وذو رأيهم وصاحب مشورتهم، والذي لا يصدرون إلا عن رأيه وأمره، واسمه عبد المسيح، ومعه آخر، وهو صاحب رحلهم ومجتمعهم. واسمه الأيهم، وأبو حارثة بن علقمة، أحد بكر بن وائل، وهو أسقفهم وحبرهم وإمامهم وصاحب مدراسهم، وكان أبو حارثة قد شرف فيهم ودرس كتبهم حتى حسن علمه في دينهم، وكانت ملوك الروم من أهل النصرانية قد شرفوه ومولوه وبنوا له الكنائس، فلما توجهوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، جلس أبو حارثة على بغلة له متوجهاً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإلى جنبه أخ له يقال له كرز بن علقمة يسايره، إذ عثرت بغلة أبي حارثة، فقال له كرز: تعس الأبعد، يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له أبو حارثة: بل أنت تعست، فقال له: لِمَ يا أخي؟ فقال أبو حارثة: والله إنه للنبي الذي كنا ننتظره، فقال له كرز: فما يمنعك وأنت تعلم هذا؟ قال: ما صنع بنا هؤلاء القوم، ولو فعلت نزعوا منا كل ما ترى. كنوز السيرة.