(35) إسلام خالد بن الوليد رضي الله عنه
نص الحلقة
بسم الله الرحمن الرحيم. كنوز السيرة. الخالة بمنزلة الأم. ولما أراد النبي صلى الله عليه وسلم الخروج من مكة تبعته ابنة حمزة بن عبد المطلب، عم النبي صلى الله عليه وسلم، واسمها عمارة، وتنادي: يا عم، يا عم. وفي قولها لنبي الله صلى الله عليه وسلم يا عم، وهي ابنة عمه؛ لأنه عمها من الرضاعة، حيث إن النبي صلى الله عليه وسلم أرضعته فهيرة مولاة أبي لهب، وكذلك أرضعت حمزة. وإما نادته كذلك لفارق السن بينها وبين النبي صلى الله عليه وسلم. وقد كان حمزة هاجر من مكة وترك ابنته مع أمها، فتناولها علي رضي الله عنه، ثم اختصم فيها مع جعفر وزيد بن حارثة، كل منهم يريد أن يربيها، فحكم النبي صلى الله عليه وسلم بينهم، وقال لعلي: أنت مني وأنا منك. وقال لجعفر: أشبهت خلقي وخلقي. وقال لزيد: أنت أخونا ومولانا. ولكن النبي صلى الله عليه وسلم قضى فيها لجعفر بن أبي طالب، فعلي طالب بها لأنه ابن عمها، وزوجته فاطمة بنت عمها. وزيد طالب بها؛ لأنه آخى النبي صلى الله عليه وسلم بينه وبين حمزة في المدينة، وهما يتوارثان قبل أن تنزل أحكام المواريث. أما جعفر، فهو ابن عمها، وزوجته أسماء بنت عميس خالتها؛ لأن أمها سلمى بنت عميس أخت أسماء. فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: الخالة بمنزلة الأم، وذلك أن الرجل لا يجوز له أن يجمع بين البنت وخالتها، فحكم بها لجعفر. وقد قيل للنبي صلى الله عليه وسلم: ألا تتزوجها؟ أي بنت حمزة. فقال: لا، إنها ابنة أخي من الرضاعة. كنوز السيرة. زواج النبي صلى الله عليه وسلم من ميمونة رضي الله عنها. وفي هذه العمرة تزوج النبي صلى الله عليه وسلم ميمونة بنت الحارث العامرية رضي الله عنها، وهي خالة عبد الله بن عباس وخالد بن الوليد، فبنى بها النبي صلى الله عليه وسلم بسرف، وهذا هو الصحيح، ولم يتزوجها وهو محرم كما جاء في بعض الروايات. وقدر الله تبارك وتعالى أن تموت ميمونة أم المؤمنين بسرف، في المكان الذي تزوجها فيه النبي صلى الله عليه وسلم. وسميت هذه العمرة بعمرة القضاء؛ لأنها عبارة عن مقايضة، أي مصالحة بين قريش وبين النبي صلى الله عليه وسلم. فلما اتفقت قريش على أن يأتي النبي صلى الله عليه وسلم في السنة القادمة، صارت هذه العمرة تسمى بعمرة القضاء، وقيل سميت كذلك؛ لأنها كانت بدلًا أو قضاءً عن عمرة الحديبية. وبعد هذه العمرة أسلم رجلان، كان لهما أثر في الإسلام بعد ذلك، ألا وهما عمرو بن العاص وخالد بن الوليد. كنوز السيرة. إسلام خالد بن الوليد رضي الله عنه. قال خالد بن الوليد رضي الله عنه: لما أراد الله بي من الخير ما أراد، قذف الله في قلبي حب الإسلام، وحضرني رشدي، وقلت: قد جهدت هذه المواطن كلها على محمد، فليس موطن أشهده إلا وأنصرف، وإني أرى في نفسي أني موضع في غير شيء، وأن محمدًا سيظهر. فلما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الحديبية، خرجت في خيل المشركين، فلقيت رسول الله وأصحابه بعسفان، فقمت بإزائه وتعرضت له، فصلى الرسول صلى الله عليه وسلم بأصحابه آمنًا منا، فهممت أن أغير عليه وهو في الصلاة. ثم لم يُعزم لنا، ولقد كانت فيه خيرة، فاطلع على ما في أنفسنا من الهم به، فصلى بأصحابه العصر صلاة الخوف، فوقع ذلك مني موقعًا، فقلت: الرجل ممنوع. ثم افترقنا، وعدل عن سنن خيلنا، وأخذت ذات اليمين، فلما صالح قريشًا في الحديبية، ودافعته قريش بالراحة، قلت في نفسي: أي شيء باقي؟ أين المذهب؟ إلى النجاشي، فقد اتبع محمدًا، وأصحابه آمنون عنده، فأخرج إلى هرقل، فأخرج من ديني إلى نصرانية أو يهودية، فأقيم مع عجم تابعًا، أو أقيم في داري، فمن يبقى؟ فأنا على ذلك إذ دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم في عمرة القضية، وتغيبت فلم أشهد دخوله، وكان أخي الوليد بن الوليد قد دخل مع النبي صلى الله عليه وسلم في عمرة القضية، فطلبني فلم يجدني، فكتب إلي كتابًا، وفي هذا الكتاب خير عظيم، فلما قرأت الكتاب فإذا فيه: بسم الله الرحمن الرحيم، أما بعد، فإني لم أر أعجب من ذهاب رأيك عن الإسلام، وعقلك عقلك، ومثل الإسلام جهله أحد، وقد سألني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أين خالد؟ فقلت: يأتي الله به. فقال: ما مثل خالد جهل الإسلام، ولو كان جعل نكايته وجده مع المسلمين على المشركين لكان خيرًا له، ولقدمناه على غيره. فاستدرك يا أخي ما فاتك منه، فقد فاتتك مواطن صالحة. قال خالد: فلما جاءني كتابه نشطت للخروج، وزادني رغبة في الإسلام، وسرني مقالة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأرى في النوم كأني في بلاد ضيقة جديبة، فخرجت إلى بلد أخضر وأوسع، فقلت: إن هذه لرؤيا. فقدمت المدينة فقلت: لأذكرنها لأبي بكر، يعني بعد إسلامه. قال: فذكرتها له، فقال: هو مخرجك الذي هداك الله للإسلام، والضيق الذي كنت فيه الشرك. قال: فلما أجمعت أن أذهب إلى النبي صلى الله عليه وسلم، قلت: من أصاحب إلى محمد؟ فلقيت صفوان بن أمية، فقلت: يا أبا وهب، أما ترى ما نحن فيه؟ إنما نحن أكلة رأس، وقد ظهر محمد على العرب والعجم، فلو قدمنا على محمد فاتبعناه، فإن شرف محمد شرف لنا. فأبى أشد الإباء، وقال: لو لم يبق غيري من قريش ما اتبعته أبدًا. فافترقنا، فقلت: هذا رجل موتور يطلب وتراً، قتل أبوه وأخوه ببدر. قال خالد: فلقيت عكرمة بن أبي جهل، فقلت له مثل ما قلت لصفوان، فقال لي مثل ما قال صفوان. قلت: فاطوِ ما ذكرت لك. قال: لا أذكره. فخرجت بعدها إلى منزلي، فأمرت براحلتي تخرج إلي، إلى أن ألقى عثمان بن طلحة، فقلت: إن هذا لي لصديق، ولو ذكرت له ما أريد، ثم ذكرت من قتل من آبائه، فكرهت أن أذكره. ثم قلت: وما علي وأنا راحل في ساعتي؟ فذكرت له ما صار الأمر إليه، وقلت: إنما نحن بمنزلة ثعلب في جحر، لو صب عليه ذنوب من ماء خرج. كما قلت له نحو ما قلت لصاحبي، فأسرع الإجابة وقال: لقد غدوت اليوم وأنا أريد أن أغدو، وهذه راحلتي بفخ مناخة. فابتعدت أنا وهو بيأجج، إن سبقني أقام، وإن سبقته أقمت، فأدلجنا سحرة، فلم يطلع الفجر حتى التقينا بيأجج، فغدونا حتى التقينا بالهدة، فنجد عمرو بن العاص بها، فقال مرحباً بالقوم، قلنا: وبك. قال: أين مسيركم؟ قلنا: ما أخرجك؟ قال: فما الذي أخرجكم؟ قلنا: الدخول في الإسلام واتباع محمد صلى الله عليه وسلم. قال: وذلك الذي أقدمني. قال: فاصطحبنا جميعًا حتى قدمنا المدينة، فآخينا بظاهر الحرة، وأخبر بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فسر بنا، فلبست من صالح ثيابي، ثم عمدت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلقيني أخي، قال: أسرع، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أخبر بك فسر بقدومك وهو ينتظركم. قال: فأسرعت المشي، فطلعت، فما زال يبتسم إلي حتى وقفت عليه، فسلمت عليه بالنبوة، فرد علي السلام بوجه طلق، فقلت: إني أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الحمد لله الذي هداك، قد كنت أرى لك عقلاً، ورجوت ألا يسلمك إلا إلى خير. قلت: يا رسول الله، قد رأيت ما كنت أشهد من تلك المواطن عليك معاندًا عن الحق، فادع الله يغفرها لي. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الإسلام يجب ما كان قبله. قلت: يا رسول الله، على ذلك. فقال: اللهم اغفر لخالد بن الوليد كل ما أوضع من صد عن سبيلك. قال خالد: وتقدم عمرو وعثمان، فبايعا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان قدومنا في صفر سنة ثمان من الهجرة. كنوز السيرة. إسلام عمرو بن العاص رضي الله عنه. قال عمرو بن العاص: لما انصرفنا من الخندق جمعت رجالًا من قريش وقلت: والله إن أمر محمد يعلو علوًا منكرًا، والله ما يقوم له شيء، وقد رأيت رأيًا. قالوا: وما هو؟ قال: أن نلحق بالنجاشي على حاميتنا، فإن ظفر قومنا فنحن من قد عرفوا، نرجع إليهم، وإن يظهر محمد فنكون تحت يدي النجاشي أحب إلينا من أن نكون تحت يدي محمد. قالوا: أصبت. قلت: فابتاعوا له الهدايا، وكان من أعجب ما يُهدى إليه من أرضنا الأدم، أي الجلود، فجمعنا له أدمًا كثيرًا وقدمنا عليه، فوافقنا عنده عمرو بن أمية الضمري، قد بعثه النبي صلى الله عليه وسلم في أمر جعفر وأصحابه الذين كانوا في الحبشة، فلما رأيته قلت: لعلي أقتله، وأدخلت الهدايا على النجاشي، فقال النجاشي: مرحبًا وأهلًا بصديقي. فقال عمرو... أيها الملك، إني رأيت رسول محمد عندك، وهو رجل قد وترنا وقتل أشرافنا، فأعطنيه أضرب عنقه. فغضب النجاشي، وضرب أنفه ضربة ظننت أنه قد كسره، فلو انشقت لي الأرض لدخلت فيها. فقلت للنجاشي: لو ظننت أنك تكره هذا لم أسألك. فقال لي: سألتني أن أعطيك رسول رجل يأتيه الناموس الذي كان يأتي موسى الأكبر تقتله؟ قلت: وإن ذاك لك ذلك؟ قال: نعم، هو كذلك. ثم قال النجاشي لعمرو بن العاص: والله إني لك ناصح، فاتبعه، والله ليظهرن كما ظهر موسى وجنوده. قلت: أيها الملك، فبايعني أنت له على الإسلام. فقال: نعم. فبسط يده، فبايعته لرسول الله صلى الله عليه وسلم على الإسلام، وخرجت على أصحابي وقد حال رأيي، فقالوا: ما وراءك؟ قلت: خير. فلما أمسيت جلست على راحلتي وانطلقت وتركتهم، فوالله إني لأهوي إذ لقيت خالد بن الوليد بالهدة، هو وعثمان بن طلحة، فقلت: إلى أين يا أبا سليمان؟ قال: أذهب والله أسلم، إنه والله قد استقام الميسم، إن الرجل لنبي ما أشك فيه. فقلت: وأنا والله، فقدمنا المدينة، فقلت: يا رسول الله، أبايعك على أن يغفر لي ما تقدم من ذنبي. فقال لي: يا عمرو، بايع، فإن الإسلام يجب ما كان قبله. كنوز السيرة.