(11) قصة نقض الصحيفة

كنوز السيرة · المقطع 11 من 58

☆ أضف للمفضلة

نص الحلقة

بسم الله الرحمن الرحيم. كنوز السيرة. قصة نقض الصحيفة. وبعد ثلاث سنوات نقضت هذه الصحيفة، والذي أشعل فتيل نقضها رجل يقال له هشام بن عمرو من بني عامر بن لؤي، وكان هذا الرجل يصل بني هاشم في الشعب ويوصل إليهم بعض الأطعمة، فذهب إلى زهير بن أبي أمية، وزهير هذا أمه عاتكة بنت عبد المطلب، فهو ابن عمة النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له: يا زهير، أرضيت أن تأكل الطعام وتشرب الشراب، وأخوالك بحيث تعلم؟ فقال: ويحك، فما أصنع وأنا رجل واحد؟ أما والله لو كان معي رجل آخر. قال: قد وجدت لك رجلاً آخر. قال: فمن؟ قال: أنا. قال له زهير: أبغنا رجلاً ثالثاً. فذهب هشام بن عمرو إلى المطعم بن عدي، والمطعم من بني المطلب، فجاءه وذكره أرحام بني هاشم وبني المطلب، ولامه على موافقته لقريش على هذا الظلم، فقال المطعم: ويحك، ماذا أصنع؟ إنما أنا رجل واحد. قال: قد وجدت ثانياً. قال: من هو؟ قال: أنا. قال: أبغنا ثالثاً. قال: فعلت. قال: من؟ قال: زهير بن أبي أمية. قال: أبغنا رابعًا. فذهب هشام بن عمرو إلى أبي البختري بن هشام، فقال له نحوًا مما قاله للمطعم، فقال: فهل من أحد يعين على هذا؟ قال: نعم. قال: من هو؟ قال: زهير بن أبي أمية، والمطعم بن عدي، وأنا معك. قال: أبغنا خامسًا. وهذا يبين لنا أن الكثيرين ما كانوا يرضون بهذا، ولكنها سلطة الكبار. اتخذ القرار أبو جهل وعتبة وأبو سفيان وأبو لهب، والوليد بن المغيرة، وأمية بن خلف، وعقبة بن أبي معيط وغيرهم. اتخذوا هذا القرار، وكان على الجميع السمع والطاعة. فذهب هشام بن عمرو إلى زمعة بن الأسود بن المطلب، ويقال إنه والد سودة بنت زمعة أم المؤمنين، فكلمه وذكر له قرابتهم وحقهم، فقال له زمعة: وهل على هذا الأمر الذي تدعوني إليه من أحد؟ قال: نعم. قال: من؟ قال: زهير بن أبي أمية، والمطعم بن عدي، وأبو البختري بن هشام، وأنا. فقال زمعة بن الأسود: وأنا معكم. فاجتمعوا وتعاقدوا على القيام بنقض الصحيفة، ولكن كيف؟ وكبار قريش هم الذين كتبوها، وهم الذين اتفقوا عليها. كيف يستطيع هؤلاء الخمسة أن ينقضوا تلك الصحيفة؟ قال زهير: أنا أبدأكم، فأكون أول من يتكلم، فوافقوا على ذلك. فلما أصبحوا غدوا إلى أنديتهم حول الكعبة، وغدا زهير فطاف بالبيت سبعًا، ثم أقبل على الناس وقال: يا أهل مكة، أنأكل الطعام ونلبس الثياب، وبنو هاشم هلكى لا يباعون ولا يبتاع منهم؟ والله لا أقعد حتى تشق هذه الصحيفة القاطعة الظالمة. فقام أبو جهل وقال: كذبت والله، لا تشق. هنا قام زمعة بن الأسود، فقال لأبي جهل: أنت والله أكذب، ما رضينا كتابتها حين كتبت. فقام أبو البختري فقال: صدق زمعة، لا نرضى ما كتب فيها ولا نقر به. فقام المطعم بن عدي فقال: صدقتما وكذب من قال غير ذلك، نبرأ إلى الله منها ومما كتب فيها. فقام هشام بن عمرو فقال: صدقتم وكذب من قال غير ذلك، نبرأ إلى الله منها. عندما تكلم هؤلاء الخمسة بهذه الصورة أمام الناس جميعًا، قال أبو جهل: هذا أمر قضي بليل، تشاور فيه بغير هذا المكان. وكان أبو طالب موجودًا فقال: إن الله قد أطلع رسوله على أمر الصحيفة. وقد أخبرني ابن أخي أن الله أرسل عليها الأرضة، فأكلت جميع ما فيها من جور وقطيعة وظلم إلا ما فيه حق، فإن كان ابن أخي صادقًا فتنهوا هذه المقاطعة، وإن كان كاذبًا خلينا بينكم وبينه. قالوا: أنصفت. فقام المطعم بن عدي إلى الصحيفة، فوجدها قد أكلت، ما بقي فيها إلا قولهم: باسمك اللهم، وما كان غير ذلك قد أُكل كله. فرجع النبي صلى الله عليه وسلم، ورجع من معه إلى مكة مرة ثانية. كنوز السيرة. العودة إلى الدعوة. رجع النبي صلى الله عليه وسلم مرة أخرى إلى الدعوة إلى الله تبارك وتعالى، فلم يصبر كفار قريش، وانطلقوا إلى أبي طالب قائلين له: ليكف عنا ابن أخيك لسانه. فجاء أبو طالب وجاء معه نفر من قريش، فكلموا النبي صلى الله عليه وسلم وقالوا له: ماذا تريد منا؟ قال: أريد كلمة تعطونها، تملكون بها العرب، وتدين لكم بها العجم. قالوا: كلمة؟ قال: كلمة. فقام أبو جهل وقال: وأبيك، لأعطيك مئة كلمة. فقال النبي صلى الله عليه وسلم. قولوا لا إله إلا الله. فقال أبو جهل: أما هذه فلا، هذه الكلمة لا نعطيكها أبداً، أتريد أن تجعل الآلهة إلهاً واحداً يا محمد؟ فأنزل الله تبارك وتعالى: ص ۚ وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ ۝ بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ ۝ كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنَادَوْا وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ ۝ وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ ۝ أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَٰهًا وَاحِدًا ۖ إِنَّ هَٰذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ ۝ وَانطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَىٰ آلِهَتِكُمْ ۖ إِنَّ هَٰذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ ۝ مَا سَمِعْنَا بِهَٰذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ ۖ إِنْ هَٰذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ. نرى أن كفار مكة امتنعوا عن قول لا إله إلا الله، فلمَ لم يقولوا للنبي صلى الله عليه وسلم: لا إله إلا الله، ثم بعد ذلك يبقون على دينهم الذي هم عليه؟ لأن أبا جهل وعتبة، وعقبة بن أبي معيط، والوليد بن المغيرة، وأبا لهب، وغيرهم كثير، كل هؤلاء يعلمون علم اليقين معنى لا إله إلا الله. وملايين المسلمين الآن في زماننا هذا لا يعرفون معنى هذه الكلمة. أبو جهل يعلم أنه إذا قال لا إله إلا الله، أنه سيلتزم بها، وأنه سيترك جميع الأصنام، وأنه لن يدعو إلا الله، ولن يذبح إلا لله، ولن ينذر إلا لله، ولن يخاف إلا من الله، ولن يستغيث إلا بالله، ولن يصلي إلا لله، ولن يطوف إلا لله، ولن يطيع إلا الله ورسوله. يعلم ما يترتب على هذه الكلمة، ولكن الكثير من المسلمين الآن يقولون لا إله إلا الله، ولكنهم يذبحون لغير الله، وينذرون لغير الله، ويخافون من غير الله، ويستغيثون بغير الله، ويسألون غير الله تبارك وتعالى، وهذا كله بسبب الجهل. كنوز السيرة. وفاة أبي طالب. سكتت قريش عن النبي صلى الله عليه وسلم فترة من الزمن، ثم كانت وفاة أبي طالب عم النبي صلى الله عليه وسلم، وذلك سنة عشر من النبوة، بعد خروجهم من الشعب بستة أشهر. عن سعيد بن المسيب عن أبيه المسيب رضي الله عنه، أن أبا طالب لما حضرته الوفاة دخل عليه النبي صلى الله عليه وسلم، وعنده أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية. فَقَالَ نَبِيُّ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعَمِّهِ أَبِي طَالِبٍ: أَيْ عَمِّ، قُلْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، كَلِمَةً أُحَاجُّ لَكَ بِهَا عِنْدَ اللهِ. فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ وَعَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ: يَا أَبَا طَالِبٍ، أَتَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ؟ فَأَعَادَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ، وَهُمَا يُعِيدَانِ، وَالنَّبِيُّ يُعِيدُ، وَهُمَا يُعِيدَانِ، فَلَمْ يَزَالَا بِهِ حَتَّى قَالَ آخِرَ كَلِمَةٍ: هُوَ عَلَى مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، ثُمَّ مَاتَ بَعْدَ ذَلِكَ. فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ مَا لَمْ أُنْهَ عَنْكَ. فَنَزَلَ قَوْلُ اللهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ. وَنَزَلَ كَذَلِكَ قَوْلُ اللهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ. وَفِي هَذِهِ الْقِصَّةِ مِنَ الْفَوَائِدِ الشَّيْءُ الْكَثِيرُ، مِنْهَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ حَرِيصًا عَلَى إِسْلَامِ أَبِي طَالِبٍ، وَوَاللهِ لَوْ قَالَ أَبُو طَالِبٍ تِلْكَ الْكَلِمَةَ لَنَفَعَتْهُ، وَذَلِكَ أَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. أنه دخل على غلام يهودي وهو على فراش الموت، فقال له: قل لا إله إلا الله. فالتفت الغلام إلى أبيه، فقال له أبوه: أطع أبا القاسم. فقال الغلام: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، ثم مات. فخرج النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقول: الحمد لله الذي أنقذه من النار. فوالله لو قالها أبو طالب لنجاه الله من النار، ووالله تمنينا جميعًا أن يكون أبو طالب قالها، والله ما حزننا أبدًا ولن نحزن أبدًا لو آمن أبو طالب، ونتمنى أن يؤمن جميع الناس، ولكننا مع النصوص، وهو أن أبا طالب عم النبي صلى الله عليه وسلم لم يسلم، مع أنه ناصره ودافع عنه وحماه وخرج معه إلى الشعب، بل ورباه في صغره، ومع هذا كله يموت على الشرك. قال ابن كثير رحمه الله: كان أبو طالب يصد الناس عن أذية رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه بكل ما يقدر عليه من فعال ومقال ونفس ومال، ولكن مع هذا لم يقدر الله تبارك وتعالى له الإيمان، لما له تعالى من الحكمة العظيمة والحجة القاطعة البالغة الدامغة التي يجب الإيمان بها والتسليم لها. ولولا ما نهانا الله عنه من الاستغفار للمشركين، لاستغفرنا لأبي طالب وترحمنا عليه. والغريب في هذه القضية أن عبد الله بن أبي أمية، الذي شارك أبا جهل في منع أبي طالب من الاستجابة لأمر النبي صلى الله عليه وسلم، أسلم عام الفتح. وذكروا أنه استشهد في حنين. وقد ثبت أن العباس بن عبد المطلب قال للنبي صلى الله عليه وسلم: ما أغنيت عن عمك، أي أبا طالب، فإنه كان يحوطك ويغضب لك. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: هو في ضحضاح من نار، ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار. نسأل الله تبارك وتعالى الهداية والعافية. كنوز السيرة. وفاة خديجة رضي الله عنها. بعد أن حزن النبي صلى الله عليه وسلم على موت عمه أبي طالب، جاءته الصدمة الثانية بخبر موت خديجة أم المؤمنين رضي الله عنها، فتوفيت بعد عمه أبي طالب بأشهر. وقد ثبت عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: أتى جبريل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، هذه خديجة قد أتت، معها إناء فيه إدام أو طعام أو شراب. فَإِذَا هِيَ أَتَتْكَ فَاقْرَأْ عَلَيْهَا السَّلَامَ مِنْ رَبِّهَا، وَبَشِّرْهَا بِبَيْتٍ فِي الْجَنَّةِ مِنْ قَصَبٍ، لَا صَخَبَ فِيهِ وَلَا نَصَبٍ. كنوز السيرة.