(32) غزوة خيبر
نص الحلقة
بسم الله الرحمن الرحيم. كنوز السيرة. غزوة خيبر. وهي بعد صلح الحديبية بأشهر قليلة. ذكرنا أن الله تبارك وتعالى أنزل سورة الفتح كاملة على النبي صلى الله عليه وسلم بعد الحديبية مباشرة، وقد أنزل الله تبارك وتعالى في تلك السورة قوله: وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ. وهذه التي عجلها هي خيبر. قدم الرسول صلى الله عليه وسلم المدينة في ذي الحجة، فأقام بها حتى سار إلى خيبر في المحرم، فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم في الرجيع. قال سلمة بن الأكوع: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى خيبر، فسرنا ليلاً، فقال رجل من القوم لعامر بن الأكوع: ألا تسمعنا من هنيهاتك؟ وكان عامر رجلاً شاعراً، فنزل يحدو بالقوم يقول: اللهم لولا أنت ما اهتدينا، ولا تصدقنا ولا صلينا، فاغفر فداءً لك ما اقتفينا، وثبت الأقدام إن لاقينا، وأنزلن سكينة علينا، إنا إذا صيح بنا أتينا، وبالصياح عولوا علينا، وإن أرادوا فتنة أبينا. سمع الرسول صلى الله عليه وسلم كما سمع غيره هذا النشيد، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من هذا السائق؟ قالوا: هذا عامر. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: رحمه الله. فقال رجل من القوم: وجبت يا رسول الله، لولا أمتعتنا به، أي علموا من قول النبي صلى الله عليه وسلم رحمه الله أنه سيموت في هذه المعركة. قال: فأتينا خيبر، فحاصرناهم حتى أصابتنا مخمصة شديدة، أي جوع شديد، فلما أمسوا أوقدوا نيرانًا كثيرة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما هذه النيران، وعلى أي شيء توقدون؟ قالوا: على لحم. قال: على أي لحم؟ قالوا: على لحم حمر إنسية. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أهريقوها واكسروها. فقال رجل: يا رسول الله، أو نهريقها ونغسلها؟ قال: أو ذاك. فلما تصاف القوم من الغد للقتال، خرج مرحب اليهودي وهو يخطر بسيفه يقول: قد علمت خيبر أني مرحب، شاكي السلاح بطل مجرب، إذا الحروب أقبلت تلهب. فنزل إليه عامر، المنشد قريبًا وهو يقول. قد علمت خيبر أني عامر، شاك السلاح بطل مغامر. وهذه كانت عادتهم في السابق قبل المعركة. تبدأ المبارزة كما ذكرنا في بدر، لما تبارز حمزة وعلي وأبو عبيدة بن الحارث مع الوليد بن عتبة وعتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة، وكما تبارز علي بن أبي طالب مع عمرو بن عبد ود، والزبير مع كعب بن الكتيبة. فكذلك هنا خرج هذا الرجل للمبارزة، فاختلفا ضربتين، فوقع سيف مرحب في ترس عامر، فذهب عامر يسفل عليه، أي يريد أن يضربه بالسيف من الأسفل، وكان سيف عامر فيه قصر، فرجع عليه ذباب سيفه، فأصاب عين ركبته فمات منه. فقال: سلامة للنبي صلى الله عليه وسلم، زعموا أن عامرًا حبط عمله، وذلك لأنه قتل نفسه. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: كذب من قال ذلك، إن له أجرين. وجمع صلى الله عليه وسلم بين إصبعيه وقال: إنه لجاهد مجاهد، قل عربي مشى بها مثله. وكان النبي صلى الله عليه وسلم لما قدم صلى بها الصبح، وركب المسلمون، فخرج أهل خيبر بمساحيهم ومكاتلهم، أي أدوات الزراعة، لا يشعرون بمجيء النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه إليهم. فلما رأوا الجيش قالوا: محمد والله، محمد والخميس. ثم رجعوا هاربين إلى حصونهم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: الله أكبر، خربت خيبر، الله أكبر، خربت خيبر، إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين. فلما دنا النبي صلى الله عليه وسلم وأشرف على خيبر، قال: قفوا، فوقف الجيش، ثم قال: اللهم رب السماوات السبع وما أظللن، ورب الأرضين السبع وما أقللن، ورب الشياطين وما أضللن، فإنا نسألك خير هذه القرية وخير أهلها وخير ما فيها، ونعوذ بك من شر هذه القرية وشر أهلها وشر ما فيها، أقدموا بسم الله. ولما كانت ليلة دخول خيبر، وبعد مقتل عامر بن الأكوع، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لأعطين الراية غدًا رجلًا يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله، يفتح الله على يديه. فباتوا يدوكون أيهم يعطاها، أيتكلمون في هذا الأمر، كل واحد يتمنى أن يكون هو ذاك الرجل. فلما أصبح الناس غدوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، كلهم يرجو أن يعطاها، فقال صلى الله عليه وسلم. أين علي بن أبي طالب؟ فقالوا: يا رسول الله، هو يشتكي عينيه. قال: فأرسلوا إليه، فأتي به، فبصق رسول الله صلى الله عليه وسلم في عينيه ودعا له، فبرئ حتى كأن لم يكن به وجع، فأعطاه الراية. فقال علي بن أبي طالب: أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا؟ قال: انفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم، ثم ادعهم إلى الإسلام، وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله فيه، فوالله لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير من أن يكون لك حمر النعم. فخرج مرحب وهو يقول، أي كعادته لما خرج في المرة الأولى: قد علمت خيبر أني مرحب، شاكي السلاح بطل مجرب، إذا الحروب أقبلت تلهب. فبرز إليه علي وهو يقول: أنا الذي سمتني أمي حيدرة، كليث غابات كريه المنظرة، أوفيهم بالصاع كيل السندرة. فضرب مرحباً ففلق هامته، ثم كان الفتح. وجاء في حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أن محمد بن مسلمة هو الذي قتل مرحباً. قال جابر في حديثه: خرج مرحب اليهودي من حصن خيبر، قد جمع سلاحه وهو يرتجز ويقول: من يبارز؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من لهذا؟ فقال محمد بن مسلمة: أنا له يا رسول الله، أنا والله الموتور الثائر، قتلوا أخي بالأمس. فقال صلى الله عليه وسلم: قم إليه، اللهم أعنه عليه. فلما دنا أحدهما من صاحبه دخلت بينهما شجرة، أي صار كل واحد خلف هذه الشجرة، فجعل كل واحد منهما يلوذ بها من صاحبه، كلما لاذ بها منه اقتطع صاحبه بسيفه من دونه منها، حتى برز كل واحد منهما لصاحبه، وصارت الشجرة بينهما كالرجل القائم ما فيها فنن، أي الأغصان، كلها قطعت، ثم حمل مرحب على محمد فضربه، فاتقاه بالدرقة، أي الدرع الذي يمسكه بيده، فوقع سيفه فيها، وضربه محمد بن مسلمة فقتله. ولا يهم من قتل مرحبًا اليهودي، المهم أنه قُتل، ولكن رواية مسلم أصح؛ لأنها في صحيح مسلم، فإنها تقدم. وفي هذه الغزوة جاء رجل من الأعراب إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فآمن به واتبعه، فقال للرسول صلى الله عليه وسلم: أهاجر معك، فأوصى به بعض أصحابه، فلما انتهت غزوة خيبر غنم رسول الله صلى الله عليه وسلم أموالًا كثيرة، فقسمها بين أصحابه وللأعرابي؛ لأنه شارك. قال: أعطوه لفلان، كان يرعى الإبل. فلما جاء الرجل أعطوه وقالوا له: هذا حقك. فقال الرجل: ما هذا؟ قالوا: قسم قسمه لك رسول الله صلى الله عليه وسلم. فأخذه الأعرابي وجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ما هذا يا رسول الله؟ قال: قسم قسمته لك. قال: يا رسول الله، ما على هذا اتبعتك، ولكن اتبعتك على أن أرمى هاهنا، وأشار إلى حلقه بسهم، فأموت وأدخل الجنة. فقال صلى الله عليه وسلم: إن تصدق الله يصدقك. ثم نهض صلى الله عليه وسلم إلى قتال العدو، فأتي بالأعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو مقتول، فقال صلى الله عليه وسلم: أهو هو؟ قالوا: نعم يا رسول الله. قال: صدق الله فصدقه. فكفنه النبي صلى الله عليه وسلم في جبته، ثم قدمه فصلى عليه. وكان من دعائه صلى الله عليه وسلم أنه قال: اللهم هذا عبدك خرج مهاجراً في سبيلك، قُتل شهيداً، وأنا عليه شهيد. فهذه شهادة عظيمة من نبي عظيم صلى الله عليه وسلم. وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قاتل أهل خيبر حتى ألجأهم إلى قصرهم. فغلب على الزرع والنخل والأرض، فصالحوه على أن يجلوا منها ولهم ما حملت ركابهم، ولرسول الله صلى الله عليه وسلم الصفراء والبيضاء، واشترط عليهم ألا يكتموا ولا يغيبوا شيئًا، فإن فعلوا فلا ذمة لهم ولا عهد. قال عبد الله بن عمر: فغيبوا مسكًا فيه مال وحلي لحيي بن أخطب، وكان احتمله معه إلى خيبر حين أُجليت بنو النضير، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعم حيي بن أخطب: ما فعل مسك حيي الذي جاء به من النضير؟ قال: أذهبته النفقات والحروب يا رسول الله. فقال صلى الله عليه وسلم: العهد قريب، والمال أكثر من ذلك. فشك النبي صلى الله عليه وسلم في أنهم قد غيبوا شيئًا، فأرسله النبي صلى الله عليه وسلم إلى الزبير فمسه بعذاب حتى يعترف، وهذا يدل على أنه إذا كانت ريبة وشك في أنه كاذب أو سارق أو قاتل، فلا بأس أن يمس بعذاب حتى يعترف، فمسه بعذاب، فقال: إنه كان قبل ذلك قد دخل خريبة، فقال: قد رأيت حييًا يطوف بخريبة، فذهبوا وطافوا فوجدوا المسك في الخريبة، فقتل رسول الله ابني أبي الحقيق، وأحدهما زوج صفية بنت حيي بن أخطب. وسبى الرسول صلى الله عليه وسلم نساءهم وذراريهم، وقسم أموالهم بالنكث الذي نكثوا، لأنهم نكثوا العهد، وأراد أن يجليهم منها، فقالوا: يا محمد، دعنا نكون في هذه الأرض نصلحها ونقوم عليها، فنحن أعلم بها منكم. ولم يكن لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولا لأصحابه غلمان يقومون عليها، فأعطاهم خيبر على أن لهم الشطر من كل زرع ومن كل ثمر، ما بدا لرسول الله أن يقرهم على ذلك. وأخذ النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الغزوة صفية بنت حيي بن أخطب سبية، ثم أعتقها وتزوجها، وجعل عتقها مهرها، فصارت من أمهات المؤمنين. كنوز السيرة.