(45) ديار ثمود
نص الحلقة
بسم الله الرحمن الرحيم. كنوز السيرة. ديار ثمود. لما ذهب النبي صلى الله عليه وسلم إلى تبوك، مر في الطريق على ديار ثمود وهي الحجر، فقال: لا تشربوا من مائها شيئًا، ولا تتوضؤوا منه للصلاة، وما كان من عجين عجنتموه فاعلفوه الإبل، ولا تأكلوا منه شيئًا، ولا يخرجن أحد منكم إلا ومعه صاحب له. هذه الديار ديار معذبين، فالنبي صلى الله عليه وسلم أمر الناس ألا يدخلوا ديار المعذبين إلا باكين أو متباكين، وفي أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يلقوا ما طبخوا، وأن يأخذوا العجين ويعلفوه للإبل، دليل على تحريم شرب الماء من ديار المعذبين. ومع ذلك نجد كثيرًا من جهلة الناس يذهبون إلى ديار ثمود يمرحون ويضحكون، وهذا مما لا يجوز؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما مر بالحجر استحث راحلته وقال: لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين إلا أن تكونوا باكين، فإن لم تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم، لا يصيبكم ما أصابهم. وكان النبي صلى الله عليه وسلم يسرع في وادي محسر في مكة؛ لأن هذا الوادي هو الذي أهلك الله فيه أصحاب الفيل على المشهور. كنوز السيرة. آيتان نبويتان. الأولى: وفي تبوك أصبح الناس مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس معهم ماء، فقام صلى الله عليه وسلم فاستسقى لهم، فأرسل الله تبارك وتعالى سحابة فأمطرت حتى ارتوى الناس، واحتملوا حاجتهم من الماء. الثانية: ضلت ناقة النبي صلى الله عليه وسلم، فقال زيد بن الصيت وكان منافقًا: أليس يزعم أنه نبي ويخبركم عن خبر السماء وهو لا يدري أين ناقته؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن رجلًا يقول كذا وكذا، ثم قال: وإني والله لا أعلم إلا ما علمني الله. أين الذين يزعمون أن النبي صلى الله عليه وسلم يعلم الغيب؟ أين الذين يزعمون أن النبي صلى الله عليه وسلم يعرف أحوالهم وما يحدث لهم؟ إن هذا والله من الباطل. قال صلى الله عليه وسلم: وقد دلني الله عليها، وهي في الوادي في شعب كذا وكذا، وقد حبستها شجرة بزمامها، فانطلقوا حتى تأتوني بها. فانطلقوا وأتوه بها صلى الله عليه وسلم. ولهذا لا يجوز إذا سئل إنسان أن يقول: الله ورسوله أعلم، إلا في الأمور الشرعية. أما في أمور الدنيا، فيقول: الله وحده أعلم. كنوز السيرة. يا ليتني كنت صاحب الحفرة. في الطريق إلى هذه الغزوة مات عبد الله ذو البجادين، فعن عبد الله بن مسعود قال: قمت من جوف الليل وأنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك، فرأيت شعلة من نار في ناحية العسكر، فاتبعتها أنظر إليها، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر، وإذا عبد الله ذو البجادين المزني قد مات، وإذا هم قد حفروا له، ورسول الله صلى الله عليه وسلم في حفرته، وأبو بكر وعمر يدليانه إليه وهو يقول: أدنيا إلي أخاكما، فدلياه إليه، فلما هيأه لشقه قال: اللهم إني قد أمسيت عنه راضيا فارض عنه. يقول عبد الله بن مسعود: يا ليتني كنت صاحب الحفرة. وقال صلى الله عليه وسلم: إن في المدينة لأقواما ما سرتم مسيرا ولا قطعتم واديا إلا كانوا معكم. قالوا: وهم بالمدينة؟ قال: حبسهم العذر. وعن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أنه قيل لعمر بن الخطاب رضي الله عنه. حدثنا عن ساعة العسرة، فقال عمر: خرجنا إلى تبوك في قيظ شديد، فنزلنا منزلاً فأصابنا به عطش، حتى ظننا أن رقابنا ستنقطع، حتى إن الرجل لينحر بعيره، فيعتصر فرثه فيشربه، ثم يجعل ما بقي على كبده. فقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: يا رسول الله، إن الله عودك في الدعاء خيراً، فادع الله لنا. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أتحب ذلك؟ قال: نعم. فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه إلى السماء، فلم يرجعهما، فقالت السماء، فأطلت ثم سكبت، فملؤوا ما معهم، ثم ذهبنا ننظر فلم نجدها جازت العسكر. كنوز السيرة. نتيجة تبوك. ذهب النبي صلى الله عليه وسلم إلى تبوك وعسكر هناك، وكان مستعداً للقاء العدو. أما الرومان وحلفاؤهم الذين كانوا قد خرجوا لقتال النبي صلى الله عليه وسلم، فقد أخذهم الرعب لما سمعوا بزحف النبي صلى الله عليه وسلم إليهم، فلم يجترئوا على التقدم واللقاء. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: نصرت بالرعب مسيرة شهر، فهذا هو الرعب. وتفرقوا في البلاد، فلم يكن هناك قتال بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين الروم، وهكذا كانت غزوة تبوك غنيمة باردة بدون قتال. كنوز السيرة. أكيدر دومة. رجع النبي صلى الله عليه وسلم من تبوك، وكان قد بعث خالد بن الوليد إلى أكيدر دومة، وهو أكيدر بن عبد الملك، رجل من كندة، كان نصرانياً وكان ملكاً على دومة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لخالد: إنك ستجده يصيد البقر، فخرج خالد حتى إذا كان من حصنه بمنظر العين، وفي ليلة مقمرة صافية، وهو على سطح له ومعه امرأته، فباتت البقر تحك بقرونها باب القصر، فقالت امرأته: هل رأيت مثل هذا قط؟ قال: لا والله. قالت: فمن يترك هذه؟ قال: لا أحد. فنزل فأمر بفرسه فأسرج له، وركب معه نفر من أهل بيته فيهم أخ لهم يقال له حسان، فركبوا وخرجوا معه لمطاردتها، فلما خرجوا تلقتهم خيل رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذته، فبعث به خالد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحقن الرسول صلى الله عليه وسلم دمه. وصالحه على الجزية، ثم خلى سبيله، فرجع أوكيدر سالمًا إلى أهله. كنوز السيرة. محاولة ثالثة لاغتيال النبي صلى الله عليه وسلم. رجع النبي صلى الله عليه وسلم من تبوك مظفرًا منصورًا، وكفاه الله جل وعلا القتال، ولكن وقعت حادثة تحتاج إلى تأمل ووقفة، ألا وهي أن بعض المنافقين الذين خرجوا مع النبي صلى الله عليه وسلم حاولوا قتله، إذ تآمروا أن يطرحوا النبي صلى الله عليه وسلم من رأس عقبة في الطريق، فلما بلغوا العقبة أرادوا أن يسلكوها معه، فلما غشيهم الرسول صلى الله عليه وسلم أخبر خبرهم، فقال صلى الله عليه وسلم: من شاء منكم أن يأخذ ببطن الوادي فإنه أوسع لكم، وأخذ الرسول صلى الله عليه وسلم العقبة، وأخذ الناس ببطن الوادي إلا هؤلاء، جاءوا خلف النبي صلى الله عليه وسلم يريدون رميه من العقبة، فلما رأوا الناس ابتعدوا عن الرسول صلى الله عليه وسلم تلثموا واستعدوا، وهموا بهذا الأمر العظيم، والعياذ بالله، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم حذيفة بن اليمان وعمار بن ياسر فمشيا معه. وأمر عمارًا أن يأخذ بزمام الناقة، وأمر حذيفة أن يسوقها، فبينما هم يسيرون إذ سمعوا وكزة القوم من ورائهم قد غشوهم، فغضب الرسول صلى الله عليه وسلم منهم، فأمر حذيفة أن يردهم، قال: قل لهم أن يرجعوا إلى بطن الوادي. وأبصر حذيفة غضب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرجع ومعه محجل، فاستقبل وجوه رواحلهم وضربها بها، وأبصر القوم وهم متلثمون، ولا يشعر بذلك إلا لفعل السفر، فأرعبهم الله سبحانه وتعالى حين أبصروا حذيفة، وظنوا أن مكرهم قد ظهر له، فأسرعوا حتى خالطوا الناس حتى لا يُعرفوا، وأقبل حذيفة حتى أدرك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اضرب الراحلة يا حذيفة، وامش أنت يا عمار، وأسرعوا حتى استووا بأعلاها، فخرجوا من العقبة ينتظرون الناس، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لحذيفة: هل عرفت من هؤلاء الرهط، أو عرفت أحدًا منهم؟ فقال حذيفة: عرفت راحلة فلان وفلان، وكانت ظلمة يا رسول الله، وغشيتهم وهم متلثمون. فقال صلى الله عليه وسلم: هل علمتم ما كان شأن الركب وما أرادوا؟ قالوا: لا والله يا رسول الله ما عرفنا. قال: فإنهم مكروا ليسيروا معي، حتى إذا طلعت في العقبة طرحوني منها. قالوا: أولا تأمر بهم يا رسول الله إذن فنضرب أعناقهم؟ قال: أكره أن يتحدث الناس، ويقولوا إن محمداً قد وضع يده في أصحابه، وسماهم لحذيفة وقال: اكتمهم. وفي رواية أنه سماهم لحذيفة وعمار، وقال: اكتماهم. وفي بعض طرق هذه القصة ما ذكره ابن إسحاق في سيرته ومغازيه، أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أصبح قال لحذيفة: ادع لي عبد الله بن أبي، وأبا خاطر الأعرابي، وأبا عامر، والجلاس بن سويد بن الصامت، وهو الذي قال: لا ننتهي حتى نرمي محمداً من العقبة الليلة، وإن كان محمد وأصحابه خيراً منا، إنا إذاً لغنم وهو الراعي، ولا عقل لنا وهو العاقل. وأمره كذلك أن يدعو مجمع بن حارثة، ومليحاً التيمي، وهو الذي سرق طيب الكعبة وارتد عن الإسلام بعد ذلك، كما أمره أن يدعو حصن بن نمير، وطعيمة بن أبيرق، وعبد الله بن عيينة، وهو الذي قال لأصحابه: اسهروا هذه الليلة تسلموا الدهر كله، فوالله ما لكم أمر دون أن تقتلوا هذا الرجل. فدعاه النبي صلى الله عليه وسلم فقال له. ويحك، ما كان ينفعك من قتلي لو أني قتلت. فقال عبد الله: فوالله يا رسول الله، لا نزال بخير ما أعطاك الله النصر على عدوك، إنما نحن بالله وبك. فتركه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال: ادع لي مرة ابن الربيع، وهو الذي قال: نقتل الواحد الفرد، فيكون الناس عامة بقتله مطمئنين. وقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ويحك، ما حملك على أن تقول الذي قلت؟ فقال: يا رسول الله، إن كنت قلت شيئًا من ذلك إنك لعالم به، وما قلت شيئًا من ذلك. فجمعهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم اثنا عشر رجلًا، وأخبرهم بقولهم صلى الله عليه وسلم، ومنطقهم وسرهم وعلانيتهم، وأطلع الله سبحانه وتعالى نبيه على ذلك، وعلمه ما كان منهم، وهم الذين قال الله فيهم: يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم وهموا بما لم ينالوا وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله فإن يتوبوا يك خيرا لهم وإن يتولوا يعذبهم الله عذابا أليما في الدنيا والآخرة وما لهم في الأرض من ولي. ولا نصير. كنوز السيرة.